مجلة الرسالة/العدد 136/البريد الأدبي

مجلة الرسالة/العدد 136/البَريد الأدَبيّ

مجلة الرسالة - العدد 136
البَريد الأدَبيّ
ملاحظات: بتاريخ: 10 - 02 - 1936



حلم ليلة صيف

ظهرت أخيراً أول قطعة من مسرحيات شكسبير الخالدة على ستار السينما؛ وهو بلا ريب حادث عظيم في تاريخ الإخراج السينمائي؛ وقد كان رأى النقدة والفنانين أن مسرحيات شكسبير إنما خلقت للمسرح، ومن الصعب أن لم يكن من المستحيل إخراجها بنجاح على ستار السينما؛ ذلك أن مناظرها وخيالاتها لا تسمح رغم روعتها بذلك السبك الذي يطلب في الشرائط المصورة، ولأنها ترتفع أحياناً فوق الوسائل الفنية التي يسمح بها الإخراج السينمائي؛ ولكن فناناً عظيماً هو ماكس رينهارت رأى في مسرحيات شكسبير رأياً آخر، وجالت بذهنه فكرة جريئة هي الأقدام على إخراج بعض هذه القطع الخالدة على لوحة السينما؛ وقد تم إخراج المسرحية الأولى وعرضها، وهي (حلم ليلة صيف)، وقد أتيح لنا أن نشهد هذا الشريط الرائع أخيراً في إحدى دور السينما بالقاهرة، فألفينا فيه عبقرية المخرج العظيم تتجلى إلى جانب عبقرية الشاعر الخالد، ورأينا خيال الشاعر المبدع يبدو على صفحات الواقع الملموس في أروع ثوب؛ ولم يحل دون تحقيق هذه الأمنية. أن القصة كلها أحلام في أحلام، وأن هذه الأحلام تبلغ ذروة الخيال المغرق، وتفيض في عالم الأرواح والأشباح والعالم الآخر.

وسر هذا الإبداع المدهش في إخراج هذه القطعة الخالدة هو بلا ريب في عبقرية المخرج؛ والواقع أن ماكس رينهارت قد بلغ الذروة من قبل في إخراج المسرحيات الخالدة: مسرحيات شكسبير، وجيتي، وشيللر، ولسنج وغيرهم، على المسرح؛ وماكس رينهارت نمسوي يهودي، ولد في مدينة سالزبورج، موطن الفن والموسيقى الخالدة؛ وتلقى تربيته وخبرته الفنية في مدينة فينا أعظم موطن للثقافة الفنية والموسيقية، وظهر قبل الحرب بجهوده المسرحية في أعظم مسارح فينا وبرلين، ثم أستقر في برلين بعد ذلك، وهنالك تبوأ ذروة الفن، وأضحى مرجع المسرح في ألمانيا وكوكبه الساطع؛ ولكن حكومة هتلر جاءت منذ ثلاثة أعوام لتسحق العلوم والفنون والآداب في ألمانيا بكل ما وسعت من شهوات التعصب الجنسي والسياسي، فلم يطق الفنان العظيم - وهو يهودي غير مرغوب فيه - أن يعيش في هذا الجو الكدر، فغادر ألمانيا حيث سطع مجده، ليعمل حيثما تزدهر الأفك والحريات الفنية؛ وطاف بفينا وباريس ولندن وغيرها، ومر منذ شهر بمدينة سالزبورج مسقط رأسه، فلقي فيها أعظم مظاهر الحفاوة والتكريم، وأطلقت البلدية أسمه على شارع من أشهر شوارعها.

وفي (حلم ليلة صيف) تتجلى عبقرية شكسبير الرائعة في مزج المبكي بالمضحك، وإبراز المفاجآت والمدهشات في ثوب يأخذ باللب، ويذكي العواطف إلى الذروة؛ ومع أن القطعة كانت في بعض تفاصيلها مسهبة، فأن الموسيقى الرائعة التي اقترنت بمناظرها، وهي من مقاطيع مندلزون وفاجنر، كانت ترفع بجمالها وسحرها كل ميل إلى السأم.

والمفهوم أن ماكس رينهارت سيمضي في إخراج قطع أخرى من مسرحيات شكسبير؛ وربما رأينا قريباً هملت أو مكبث، أو تاجر البندقية أو يوليوس قيصر أو غيرها من آثاره الخالدة على مسرح السينما بفضل عبقرية ماكس رينهارت.

بييردي نولهاك

في الأنباء البرقية الأخيرة أن الكاتب والمؤرخ الفرنسي الكبير بييردي نولهاك قد توفي في السادسة والسبعين من عمره. وكان دي نولهاك عضواً بارزاً من أعضاء تلك المدرسة التاريخية الباهرة التي استطاعت أن تجمع بين التحقيق التاريخي والعرض الساحر، والتي تزعمها كتاب ومؤرخون يمتازون بالقوة والطرافة مثل فرانز فونك برنتانو، ولينوتر، ودي نولهاك، وقد كان لهذه المدرسة أكبر الفضل في الكشف عن طائفة من الوثائق والمحفوظات الشهيرة، ودرس دي نولهاك الفلسّفة والأدب القديم، وتفقه في الدراسات اليونانية واللاتينية، وعني منذ فتوته بالتنقيب في أقبية المكاتب العامة؛ ودرس مدى حين فيمدرسة الآثار الفرنسية برومة، وعثر في مكتبة الفاتيكان على طائفة من الوثائق التاريخية النفيسة، ونشر عن مباحثهعدة مؤلفات منها (مكتبة زعيم إنساني في القرن السادس عشر) و (ثبت المخطوطات اليونانية لجان لسكاريس) و (مباحث عن رفيق بومبونيوس لاكثوس) وغيرها، ووقع دي نولهاك أثناء هذه الفترة على خطية من كتاب (كانزونير) للشاعر الأشهر بترارك وبخطه أيضاً، وقدمها لأكاديمية الآثار، فكانت نقطة باهرة؛ وأثار هذا الاكتشاف اهتمام دي نولهاك بدراسة بترارك، فقدم عنه رسالته الشهيرة عنوان (بترارك والإنسانية) في سنة 1892.

والتحق دي نولهاك منذ سنة 1886 بوظيفة في المكتبة الأهلية، وانتدب للتدريس في نفس الوقت بمدرسة الدراسات العليا؛ ثم عين بعد ذلك مديراً لها واستمر في هذا المذهب حتى سنة 1900، وعين أيضاً أميناً لمتحف فرساي واستمر في هذا المنصب حقبة طويلة، وفي أقبية المكتبة والمتحف بدأت مباحث دي نولهاك المؤرخ، وهي مباحث دلت فيما بعد على أنه في هذا الميدان عبقرية بارزة، ووقع في الأقبية على طائفة من الوثائق والمحفوظات التاريخية النادرة، واستطاع أن يستخرج منها مادة بديعة لكتبه، وأشهر مؤلفات دي نولهاك التاريخية: (فرساي في القرن الثامن عشر) و (الملكة ماري انتوانيت) و (لويس الخامس عشر ومدام دي بومبادور) وغيرها، وفيها تبدو عبقرية نولهاك كمؤرخ وكاتب، ذلك أن حقائق التاريخ تعرض فيها في أثواب ساحرة كأنها الخيال المرسل، وتسطع فيها الصور حتى يخيل إليك أنها حية تغدو وتروح وكأنك تعيش معها وفي عصرها.

وكتب دي نولهاك عدة كتب أخرى ارتفعت باسمه إلى مصاف أقطاب النقد والتفكير الفلسفي منها: (رونسار والإنسانية)، ومنها (قصائد إيطاليا وفرنسا). وانتخب نولهاك عضواً بالأكاديمية الفرنسية وانتظم في سلك الخالدين قبل وفاته بأعوام طويلة.

كتاب عن ذكرى ابن ميمون

احتفلت الطوائف اليهودية في مصر وفي سائر أنحاء العالم، وكذلك احتفلت معظم الهيئات العلمية في مختلف الأقطار بذكرى العلامة والفيلسوف والطبيب اليهودي العربي الأندلسي موسى ابن ميمون، وكان الاحتفال في إبريل من العام الماضي، وذلك لمناسبة انقضاء ثمانمائة عام كاملة على مولد الطبيب الأشهر؛ ولابن ميمون في مصر ذكريات خاصة، فقد كتب فيها معظم مؤلفاته، وتوفي فيها، وكان كبير الربانيين بالقاهرة، وكان طبيباً للسلطان صلاح الدين الأيوبي؛ وكان مولد ابن ميمون في قرطبة في 30 مارس سنة 1135م، في عهد المرابطين، ثم نزح مع أسرته إلى المغرب فالقاهرة حيث اتصل بالسلطان صلاح الدين وعينه طبيبه الخاص. وعكف ابن ميمون على دراسة التلمود وكل ما يتعلق بالقصائد والفلسفة اليهودية، وألف فيها بالعربية، ولكن بحروف عبرية، طائفة من الكتب الفلسفية والدينية مازالت تتبؤا المقام الأول بين تراث اليهودية.

وقد عنيت الحاخامية اليهودية بالإسكندرية بإصدار مجلد ضخم عن هذا العيد العلمي بالفرنسية بعنوان: (الذكرى المئوية الثامنة لابن ميمون) وضمنته ترجمة وافية للطبيب الفيلسوف، وشرحاً قيماً لأهم نظرياته ونصوصه، وشذوراً من مصنفاته بالعربية والعبرية والفرنسية والإيطالية، وأشرف على وضعه وإخراجه الأستاذ دافيد براتو حاخام الطائفية اليهودية بالإسكندرية، ومما يجدر ذكره بهذه المناسبة أن لابن ميمون بين مفكري اليهود وفلاسفتهم المقام الأول، حتى لقد اعتبره بعضهم الرجل الثاني في اليهودية بعد موسى. ولابن ميمون نظريات فلسفية ودينية عويصة، وله شرح نفيس للتلمود ما زال هو الحجة في موضوعه.

القصة في التعليم

في وزارة المعارف اليوم حركة تجديد تسير إلى غايتها بنشاط وقوة، نؤمل من ورائها انقلاباً في وسائلنا التعليمية يدنينا من الهدف الذي نقصد إليه من تعليم أبنائنا.

وقد كان آخر هذه المحاولات، هذا المشروع الذي أشارت إليه الصحف في الأسبوع الماضي، بأن الوزارة تفكر في تدريس كثير من المواد بالمدارس الابتدائية عن طريق القصة. وهو مشروع جدير بأن يثمر ثمرة طيبة لو حَسُنتْ القوامة عليه؛ فما نعرف شيئاً يروق الصغار ويجذب انتباههم مثل القصة، وما نعرف بابا من أبواب الأدب يتسع لكل شيء كما تتسع القصة، فالقصة عند الطفل لون من ألوان اللعب يقبل عليه بشوق ولذة، ولكنه عند أهل التربية فن من فنونهم يبلغون به مالا يبلغون بسواه من أساليب العلم.

وإذا كان لنا أن نغتبط بهذا المشروع، فإننا نخشى أن تؤدى طريقة تنفيذه إلى ما لا نرجو من جَدْواه، فان القصة فنٌّ واستعداد لا يتوفران لكل شخص، ولا يحسنهما إلا الموهوب؛ فلو أن وزارة المعارف وكلت أمر إنشاء هذه القصص إلى غير القادرين عليه لقضت على الفكرة بالموت قبل أن تظهر لها ثمرة؛ وفي وزارة المعارف رجال درسوا القصة وعالجوها فنجحوا فيما عالجوا إلى حد كبير، وإن لم يكونوا من رجال التعليم. وفي مختلف مدارس الوزارة مدرسون حاولوا القصة ووُفِّقوا في كثير مما حاولوا، فلعل الوزارة تنتفع برأي هؤلاء وهؤلاء.

الإسلام في اليابان كتبت مجلة (آسيا) في عددها الأخير أنه لن تنقضي أعوام حتى تصبح اليابان كلها إسلامية.

وقد أشارت المجلة إلى الدعاية الإسلامية القائمة بين الشعب الياباني وقالت إن 32 ألفاً من اليابانيين اعتنقوا الديانة الإسلامية منذ ثلاثة أعوام، وإن الإقبال على الإسلام لا يزال مستمراً.

وقد تم إنشاء مسجد (باب الله) في الأسبوع الماضي واحتفل اليابانيون بافتتاحه احتفالاً عظيما.

ويتألف هذا المسجد من ثلاثة طوابق، ويمتاز بمآذنه الشائقة المزدانة بأجمل النقوش كما يمتاز بأبهائه وحدائقه والنقوش العربية التي تزين جدرانه.

وقد رأس حفلة الافتتاح مياه عبد العزيز، وكان يرتدي العباءة والكوفية والعقال؛ وقد ألقى خطاباً شكر فيه لجنة المسجد ثم قال:

(إنه ليسرني أن أرأس هذه الحفلة في اليابان إمبراطورية الشرق الكبرى، وأعتقد أن (باب الله) سيجد كثيراً من اليابانيين الذين يرغبون في دخوله. .).

وبعد أن أشار الخطيب إلى موقف الحكومة اليابانية من الديانة الإسلامية وتنشيط القائمين بالدعوة إليها شرح للحاضرين التعاليم الإسلامية ومبادئ المسلمين السامية وقال:

(إن الديانة الإسلامية التي أجمع العالم على أنها أفضل الديانات لابد أن تنتشر في جميع أنحاء العالم وخاصة في اليابان، ولابد أن تجد من الأنصار ما يجعلها سيدة العالم).

وأشار الخطيب إلى إعجاب العرب المسلمين بالشعب الياباني، وقال إن اليابان تسير في طريق الإمبراطورية الآسيوية الكبرى، وإن الإسلام سيكون في أول هذا الطريق.

من أعاجيب الراديو

أضحى (الراديو) أعجوبة الأعاجيب في عصرنا، يستعمل في كل ما لا يمكن أن يخطر في البال من عظائم الأمور وصغائرها؛ وسنرى في الأعوام القادمة إلى أي حد يمكن أن تقف أعاجيب هذا الاختراع المدهش؛ ومما قرأناه أخيراً في صحف فيينا أن الراديو كان وسيلة مدهشة لنجاة مريض من تناول دواء خاطئ؛ فقد وفد مريض على صيدلي وقدم إليه تذكرة دوائه ليعدها، ثم أخذ المريض الدواء وانصرف، وبعد قليل تذكر الصيدلي أنه ارتكب في صنع الدواء خطأ قد يؤدي بحياة المريض، ولم يكن يعرف عن المريض أو اسمه أو طبيبه شيئاً؛ فهرع إلى شركة للإذاعة اللاسلكية، وفي الحال أذاعت الشركة خلال برنامجها نبأ هذا الخطأ في جميع أرجاء النمسا؛ ووقف الطبيب المعالج مصادفة على هذا النبأ حين كان يستمع إلى الإذاعة، فهرول إلى المريض في منزله ولحق به قبل أن يتناول الدواء القاتل.