مجلة الرسالة/العدد 137/القصص

مجلة الرسالة/العدد 137/القصص

مجلة الرسالة - العدد 137
القصص
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 17 - 02 - 1936


مأساة من أسخيلوس

2 - أجاممنون

للأستاذ دريني خشبه

(آرجوس!)

(وطني العزيز!)

(أربابي!. . .)

(لكم في عنقي دين أبدي من الشكر، وفي فمي لسان رطب لا يفتر عن ثناء؛ فلولاكم ما نسمت هذا العبق الحلو الذي يتأرج به هواء هذا البلد، ولا ظفرت باليوم الخالدة، دولة بريام، ودرة هذا الزمان! أجل! فلقد بدء الآلهة ما ألم بشرفنا القومي، وحاق بعزتنا الوطنية، فقضت أن تكون طروادة نهباً مقسماً لا يحل إلا للهيلانيين، فلا تزال ألسن النيران تعلن في الخافقين حكمة السماء من أبراجها الشاهقة، وصياصيها السامقة، وقصورها الشماء. . . وغداً تصبح صعيداً جُرُزاً وطللاً بالياً. . . من أجل من؟ من أجل امرأة!

أما أنتم يا رعاياي فأشكر لكم إخلاصكم ووفاءكم وتعلقكم بهذا العرش الذي يستمد قوته منكم وما يزال يرتقي بتأييدكم. . . وسننظر فيما تم إذ نحن نازحون عن الديار فنجزى كلاً بما عمل، ولا نقضي عن إساءة المسيء، ولا نتسامح في تألب المتألبين. . .

يا آلهة النصر. . . لك الحمد ولك الثناء. . . لا زلت تباركين آرجوس، ولا برحت أياديك تُنَضِّر هذا الوطن)

- 16 -

وما يكاد الملك ينتهي من كلمته حتى تدخل الملكة. . . الملكة كليتمنسترا. . . أو الحية الرقطاء!. . . التي لا تفتأ تتحدث إلى الملأ من حبها للملك، وعن الآلام المبرحة التي عصفت بقلبها أثناء غيابه، والوحشة التي ظلت تخيم على!! (بلببوديه) العتيق الشاهق طيلة هذه السنين العشر. . . وتتحدث عن الإشاعات المحزنة التي تناقلتها الألسن عن الملك المفدى في ميدان إليوم. . . ثم. . ترى ألا بد من كلمة عن هذا الأمير الصغير المنفي. . .

أورست. . . الذي هو (ثمرة حبنا وواسطة عقدنا، والنور الإلهي الذي يغمر قلبينا ويؤلف بين روحينا. . . إنه ينشأ ويشب ويترعرع في كف صديقنا وحليفنا، وحافظ ودنا، الأمير ستروفيوس، صاحب فوسيز، الذي تفضل فحماني في غيبتك، وذاد عن قصرك المنيف تكالب الأرجيف. . .

ولقد كنت أتقلب على إبر الشوك حنيناً إليك، وشوقاً إلى لقائك. . . وكنت أبداً حزينة كاسفة لأن النيران لم تشتمل مؤذنة بأوبتك. . ولكن. . . ها أنت تعود فنعيد الآمال إلى القلوب الواجفة، والإيمان إلى النفوس التي نكأها اليأس، والرجاء إلى كل من عزه الرجاء. . . .)

ثم تختل الملك وتخدعه، عسى أن تنطلي عليه تدبيراتها السود فيلج معها في القصر، وتنفذ فيه الغيلة الرائعة الرهيبة التي رسمتها له، والتي آلت إلا أن تكون بيدها. . . وبسلاح عاشقها الآثم إبجستوس. .

(. . . والآن هلم يا ملكي. . . يا رجاء آرجوس وفخر هيلاس كلها. . . هلم فترجل من تلك العربة الفخمة الفاخرة ذات الأوشية، وطأ أرض القصر العتيد بقدميك الراسختين كما وطأت بها عز طروادة ومنعتها.)

وتكون الملكة قد أعدت بساطاً كبيراً من الخز الأحمر الأرجواني ليمشي عليه الملك، فتأمر قيانها وجواريها أن يبسطنه على المرمر الناصع. . . (ليخطر عليه ملكي، وليتم بهاء اليوم. . . . وأبهة النصر. . . بما عاد رب البلاد ظافراً!)

- 17 -

وتصدع الجواري فيبسطنه

ولكن أجاممنون، الذي كان الوسواس يملأ قلبه، والشك يذوب في كل قطرة من دمه، وسرطان الهم ينهش نفسه الحائرة. . . ظل في عربته متردداً. . .

ذلك إن كاسندرا، تلك النبية الجالسة بجانبه، ابنة بريام التي جلبها معه لتكون خليلة له في الـ - (بلببوديه) - كانت قد تحدثت إلى الملك، فكشفت له أستار الغيب، وتنبأت عما ينتظره من دم. . . وغدر. . . وما ينتظرها هي أيضاً من مثل هذا المصير الأحمر. . . والقدر المخبوء. . .

وكانت أصداء النبوءة التي ملأت بها كاسندرا روع الملك، ما تزال تتجاوب أصداؤها في قلبه، وتهتف به بألف لسان أن. . . يحترس! فقال للملكة:

(إيه يا ابنة ليداء، وحارسة عرشي وحامية صولجاني! لقد استطالت تهنئاتك بقدر ما استطال نأيي وشط نزوحي عن آرجوس! بيد أنني كنت أؤثر الثناء الموشى من غيرك، وكنت أؤثر ألا أرى فيك تلك الغادة اللعوب من غادات الشرق السحري. . . تتحوى وتتلوى. . وتلقي رجلها بكل مصنوع ومجلوب! ثم ما هذا البساط الأحمر الحريري؟ هل أصبح أجاممنون إلهاً؟ إن البسط الحمراء لا يخطر عليها غير الآلهة. . . فهي حق مقدس لهم. . أما بنو الموتى، فليس أجلب للذعر، وأدنى للرهبة، من أن يتطاولوا على حقوق الأولمب، ويؤثروا أنفسهم بما ينبغي أن يبقى للسماء!. . . . والمجد. . . . بعد كل ذلك. . . لا يعوزه أن يسير على مهاد من المخمل، أو أن يهز أعطافه في حلل الدمقس. . . إيه! الخلود والمجد لمن تنتهي حياته الحافلة في أمان وسلام!)

- (ماذا أيها الملك؟ هلم فحدثني. . . واجل في خافيتك؛ ماذا تريد أن تقول؟)

- (سأجلو لك كل شيء حتى لا يكون خفاء بيننا:)

- (قد تكون نذرت هذا في ملمة نزلت بك!)

- (بديهة حاضرة يا ابنة ليدا؟)

- (وما كان من أمر بريام؟ وبم أستحق هذه النهاية إذن؟)

- (أغلب ظني أنه فرش طريقه بالخز والديباج. . .؟ فحنقت عليه الآلهة؟)

- (أنت تأبه كثيراً لما عسى أن يتقول الغوغاء!)

- (وأي شيء هو أعنف من تقولات الغوغاء؟)

- (من لا حسود له، لا معجب به!)

- (آفة المرأة أنها أبداً تثير الشغب والاضطراب!)

- (حاشاي! بيد أنه من العظمة للمرأة أن تخضع فاتحاً عظيماً (كفاتح طروادة!))

- (أفنحن إذن في معركة حتى يشتد حرصك على الغلبة فيها؟)

- (هلم. . ترجل. . دعني أنتصر على قاهر طروادة!)

- (إذا كان لابد من هذا، فمري أحداً بنزع حذائي، فقد يطلع أحد الآلهة من ذروة الأولمب فيرى إلى أطأ الخز الأحمر الأرجواني بهما، فينقم علي ويثور بي. . . كم أضطرب حين أخطو خطوة واحدة على هذا الديباج؟. . .)

(تتقدم جارية من جواري الملكة فتنزع حذاءه)

- (إيه. . . قُضي الأمر. . . ولكني أرجوك أن تتقبلي هذه الغريبة النازحة في حنان وفي حب. . . فما تزال السموات يتبسمن كلما اطلعن فشهدتنا نتلطف في استعمال جبروتنا!. . . لقد منحني الجيش إياها من سبي اليوم. . (يترجّل وتظل كاسندرا بمكانها من العربة). . . فأما وقد ظفرت بطلبتك، فإني أمشي على هذا الأرجوان إلى قاعة العرش)

وتتملقه الملكة بكلمات فيدخل إلى قاعة العرش، وتضرع كليتمنسترا إلى سيد الأولمب أن يحرس ما دبرت، وأن يتولى الغيلة التي أعدت للملك ببركاته!!

- 18 -

ويترنم الخورس بأنشودة شفافة، ينعكس في صفائها غدر المرأة وشدة مكرها. . .

ثم تتحضر الملكة فتشير إلى كاسندرا قائلة: (. . . هلمي فادخلي أنت أيضاً يا كاسندرا. . . أدخلي. . . ما دامت السموات قد ساقتك إلى هنا لنتقاسم أمواه هذا المطهر القرباني. . . هلمي. . . انزلي من هذه العربة المطهمة التي يبدو أنها نفخت أوداجك بريح الكبرياء!. . . . انزلي ولا يؤلمك ما أنت فيه من أسر وذلة ونفي. . . فما أنت بخير من ابن ألكمين العظيم الذي قضى ردحاً طويلاً في ربقة الأسار. . . عند ملك جبار. . . هنا. . . . في نفس هذا القصر! إنه لشرف أي شرف أن تخدمي في الـ (بيلوبيديه)، ما دمت قد استسلمت لنزوة أحلامك حتى فقت بها حدودك يا فتاة! انزلي. . . فآن لك أن تشمخي بأنفك، وتتيهي على أندادك، لأنك ستكونين جارية من جواري ملكة آرجوس!)

رئيس المنشدين: (لقد قالت وقد سمعتِ! وكلامهما بين. . . أوه! مالك مكدودة هكذا؟. . . قد تفكرين في الطاعة. . . ولكن. . قد يتجلى اشمئزازك بعد حين!)

كليتتمنسترا - (رضخت أو لم ترضخ. . . لابد من أن تصغي لي!)

رئيس الخورس - (أطيعي يا فتاة. . . قد يكون هذا لصالحك. . . انزلي!)

كليتتمنسترا - (إن النيران المتأججة تنتظر بفارغ الصبر أن تلتهم فرائس المذبحة، وقد نضب معين الرحمة، وغاض ماء الحنان، وليس هناك وقت نضحي به من أجل بكمك أيها الفتاة، فإذا لم تستطيعي التكلم بلساننا فلتؤد يدك ما تريدين أن تجيبي به. . . تكلمي!) ولكن كاسندرا ما تزداد إلا صمتاً، وما تزداد إلا سكوناً، فيقول رئيس الخورس:

- (يبدو إنها في حاجة إلى ترجمان. . . . . .)

وتتميز الملكة من الغيظ، فتحدج الفتاة بعينين تقدحان الشرر. . . وتنطلق داخل القصر. . . .

- 19 -

ويرثي الخورس للفتاة المنكودة، ويروعه هذا الأسى الذي يتشح به وجهها، وتلك الكآبة التي تجلل جبينها، فيعطف عليها، ويدعوها لتنزل من العربة. . . فأسمع إذن إلى هذا الحديث الشجي:

- (انزلي. . . أصيخي للقضاء، وسلمي للقدر. . . انزلي!)

- (آى. . . آى. . . أوه. . . أبوللو. . . أبوللو!)

- (فيم ههتافك الباكي بأبوللو. . . .؟)

- (آى. . . أبوللو. . . أبوللو. . . أبوللو. . . آى، آى، أوه أبوللو. . .؟)

- (ما تنفكين تهتفين بالإله الذي أصم أذنيه عنك؟)

- (آه يا أبوللو يا إلهي! أيها الباني العظيم والمخرب العظيم! بنيت طروادة. . . وحطمتني! وها هي يدك تمتد في غير رفق مرة أخرى فتعبث بي!)

- (اسمعوا يا رفاق! إنها تتنبأ عما يخبئ لها القضاء. . . كأن فيها جذوة من السماء!)

- (أبوللو. . . أبوللو. . . يا باني طروادة. . . يا هادم بنياني. . ماذا هنا؟ أي سماء؟ فيم جئت بي هنا؟)

- (هذا قصر ألا تريديه إن لم تكوني تعرفينه بعد!

- (آه!. . . حاشا! بل هو كهف رهيب رائع! ممقوت من السماء! ملطخ بدماء الإثم، مضرج بأرواح الشهداء تجثم الجريمة في كل ركن من أرجائه!)

- (يا للآلهة! إنها تشم رائحة الدماء. . . وكأنها قريبة منها بل هي بين ناظريها لا شك!)

- (أجل!. . . أجل. . هناك. هناك. هناك. وهاكم برهان قاطع. . . تشمموا معي. . ولكن. . . لا. . . إني أرى. . . إني أنظر. . . الأطفال الأطهار الذين ذبحوا. . . هاهم يتصايحون بقاتلهم وهاهي لحومهم. . . الشواء!. . . مسكين أبوهم لقد أكل. . .! لقد قرت لحومهم في بطنه!)

- (أيتها الفتاة! لقد طبقت شهرتك الآفاق كنبية تكشف الغيب ما كان منه وما يكون! ولكنك هنا. . . ولا حاجة لهذا المكان الرهيب بأنبياء!

- (آه!. . . وما ذاك أيضاً! ويلي! جريمة جديدة وحزن جديد، ثمرة مرة من ثمرات الطغيان! إنها تدبر الآن. . . تحت سقفك أيها القصر الهائل! طاعون! طاعون مهلك لا سبيل إلى الفرار منه! من عمل البغضاء العمياء للمحبة المبصرة! الغوث! ويلاه لا غوث!)

- (لا أكاد أستبين هذه النبوءة! لقد كانت الأولى جلية واضحة! وكل مدينتنا ما تزال تتحدث حديث الوليمة المجرمة!)

- (يا شقية! زوجك يا شقية! كيف تجسرين؟ ها هي! إنها تمد يدها الأثيمة! إن الضربة الهائلة تتلو الضربة الهائلة!. . .)

- (ولم أفهم بعد! إن نبيتنا تلغز. . . إن نبوءاتها طِلِّسمات)

- (يا للشبح! ويلاه! ما عساه أن يكون؟ شراك من الموت. . . . ومن الجحيم! بل هو شرك الغرفة السوداء. . . غرفة الشريك المجرم! هلمي يا غربان الويل. . . يا أبابيل الأثيم! هوى فوق هذا القصر. . . أو إن اسطعت فارجميها. . . . أرجميها. . . . .!)

- (أية أبابيل تستنزلين رجومها على القصر؟ إن دعاءك يذهلني! عن قطرات الموت المسمومة تتسرب إلى شغاف قلبي؛ حينما تتسرب لمع الحياة من جراح القتلى. . . . .! أوه. . . . ما أسرع الحزن انحداراً في القلوب؟. .)

- (ماذا أرى؟ آه. . . أسرعوا. . . أسرعوا فاحجزوا البقرة واحموا العجل! انظروا! انظروا؟ إنها تأخذ بتلابيبه. . . وتخوض في لبته بسلاحها. . . آه. . . . لقد سقط المسكين يتشحط في دمه الغزير. . .!)

- (لقد كنت أفخر بما أقدر عليه من كشف للغيب، أحدس الآن أن هذا الهذيان لا يدل على خير!! يا للآلهة؟ أبداً لم يكن الترجيم جلياً بيّناً! وأبداً لم يضف الأنبياء إثارة حبور على هذا الكون! إن الأشجان بضاعتهم دائماً، وإن للغو من القول آلتهم إلى أذهان الناس، وهم لا يضربون إلا على أوتار الذعر ليصلوا إلى غور قلوبنا!)

- (ويلي! يا لحظي العاثر! لقد أترعت الكأس بما رويت من قصتي السادرة! لم جئت بي إلى هذا القصر معك أيها التعِس؟ ألأموت معك! وماذا أيضاً؟ لأموت؟ لأموت؟)

- (ما تزدادين إلا هذياناً وهذراً!؟ وما بك إلا مس؟ وأنا لا ندري: هل حملك إله إلى هذا القصر للتغني حظك العاثر، كما تفننت أختك البلبلة الحزينة من قبل. . .)

- (يا ويح لي! ومن لي بنصيب مثل نصيبها! الحورية الجميلة التي منحتها الآلهة ريشاً وأجنحة؟ لقد سلمت وودعت وفازت بحياة طيبة. . . أما أنا. . . فقريباً أشق بنصل حاد فأكون شطرين!. . .)

- (يا عجباً! أنى لك هذا؟. . . من بذر فيك هذه البذرة السوداء؟ أنى لك تلك الأغنية الكئيبة، وهذا اللحن الحزين؟ من أين تتنزل عليك موسيقاك الباكية؟ من أوحى إليك بهذا الوسواس الخبيث؟. . .)

(البقية في العدد القادم)

دريني خشبة