مجلة الرسالة/العدد 153/الكتب

مجلة الرسالة/العدد 153/الكتب

مجلة الرسالة - العدد 153
الكتب
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 08 - 06 - 1936


بغداد أو المدينة المدورة

في عهد الخلافة العباسية

للأستاذ إبراهيم الواعظ

كنت في صيف العام الماضي مصطافاً في سوريا ولبنان ولم يمنعني هذا الاصطياف من تتبع أعداد (الرسالة) وقراءتها، وكنت قرأت في العدد (111) منها مقالة تحت عنوان (أغراض الاستشراق) بتوقيع أحد كتاب الرسالة للأستاذ (محمد روحي فيصل) كان قد كتبها للأستاذ الكبير (محمد كرد علي) على أثر كلمة نشرها الثاني في العدد (108) من الرسالة بمناسبة نشر كتاب (المقنع في رسم مصاحف الأمصار مع كتاب النقط) لأبي عمر بن عثمان بن سعيد الداني، وامتدح بها علماء المشرقيات لعنايتهم بكتب الإسلام، وانحنى باللائمة على خاصة أهله لأنهم ساهون لاهون، واستنهض بها همم علماء الأزهر وقادة الثقافة في الأقطار الإسلامية لأحياء السلف الصالح.

وكنت قد هممت أن أكتب كلمة ولكني وجدت في كلمتي الأستاذ (محمد كرد علي) اللتين نشرتا في العدد 114و115من الرسالة ما يكفيني مؤونة الكتابة والرد.

هذا وقد سنحت لي الفرصة الآن بمناسبة كتاب طبع ببغداد في الآونة الأخيرة لأقول كلمة في هذا الموضوع.

إنني أتفق تمام الاتفاق مع الأستاذ (روحي فيصل) فيما كتبه من علماء المشرقيات من ناحية، وأختلف معه تمام الاختلاف من ناحية أخرى: أتفق معه على أن بين هؤلاء العلماء من كان قصده من الاستشراق هدم كيان الدين الإسلامي من جهة، والتبشير بطريقتهم من الجهة الأخرى. ولا جدال أن مثل هذه الفئة من علماء المشرقيات مضرة تمام الضرر، وجرثومة فتاكة يجدر بكل مسلم أن يسعى لمحقها بشتى الوسائل.

على إننا إذا ما صرحنا برأينا في هذه الفئة لا يسعنا أن نغمط حقوق الفئة الأخرى من هؤلاء العلماء، لأن الغمط في مثل هذا المقام تجاوز على الحق والحقيقة معاً.

إننا مهما حاولنا أن ننكر ما لهذه الفئة من فضل على الإسلام والعرب فالواقع يكذبن ويدحض هذه الإنكار. نظرة بسيطة نرسلها إلى الآثار القيمة والأسفار العظيمة التي اعتنت بطبعها وإخراجها تلكم الفئة تدلنا على أنه لولا الجهود الجبارة التي قام بها هؤلاء العلماء لما أمكننا أن نعلم شيئاً عن الآثار المهمة ككتاب (الطبقات الكبرى) لابن سعد، وهو الكتاب الفريد الذي يعد الآن من أكبر أمهات الكتب من جهة، والمأخذ الوحيد للقضايا الهامة في التأريخ الإسلامي من جهة أخرى. وقل مثل ذلك عن بقية الآثار العظيمة التي نشروها.

هذا كتاب الأنساب (للسمعاني) لولا هممهم لما طبع ولأصبح في زوايا الإهمال؛ لقد طبع هذا الكتاب في لندن طبعة شمسية (فوتوغرافية) ولا يخفى ما تكلف هذه الطريقة للنشر من النفقات والجهود. وهناك كتاب (مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين) للأمام الأشعري. فلولا همة الأستاذ (ريتر) المشتشرق الألماني والمبادرة بطبعه في الآستانة لكان نصيبه التلف في الخزانات. ولا ننس ما لطبعة (ليدن) في (هولانده) من الفضل الأكبر في طبع أمهات الكتب التاريخية والأدبية واللغوية وغيرها، كتاريخ الطبري، واليعقوبي، وتجارب الأمم لابن مسكويه، وتاريخ الصابي، والعيون والحدائق، والمسالك والممالك لابن حوقل، والأصطخري، وكتاب التنبيه والأشراف للمسعودي، والأعلاق النفيسة لابن رسته، وكتاب مراصد الإطلاع لعبد المؤمن، وغيرها من الكتب المهمة التي لم تحضرني أسماؤها. على أن مطابع لندن، وباريس وليبزج ورومه وغوتنفن وغريفزولد لا تقل خدمة عن بقية المطابع التي قامت بقسطها من الأعمال الجبارة في إخراج هذا التراث الثمين الخالد ولا يفوتنا أن الكثير من هذه الكتب لم تكن مطبوعة في المطابع العربية إلا النزر القليل منها.

إذن لولا هذه الجهود العظيمة الموجهة إلى خدمة العلم والأدب خاصة، لما أمكننا أن نتوصل إلى مشاهدة هذه الآثار اللهم إلا إذا تجشمنا مصاعب السفر ومصائبه، وفتشنا عنها في زوايا المكاتب في سائر الأقطار الأوربية والشرقية.

لم تقف أعمال هؤلاء العلماء عند حد الإخراج بالطبع ونشر الآثار وإنما انصرف إلى التحقيق والدرس، وأخيراً إلى التأليف؛ ذلك التأليف المنتج والمستند إلى الحقائق التاريخية. فمن هؤلاء الرجال العاملين المستشرق الإنجليزي الأستاذ الكبير (ليسترنج) فإنه كتب كتاباً عن (بغداد) في عهد الخلافة العباسية ضمنه معلومات تاريخية منقطعة النظير لم يسبقه إليها سابق، ولم يلحقه في تحقيقها لاحق. والذي يجيل طرفه في قائمة المآخذ والمصادر التي أستسقى منها المؤلف وألف كتابه يعلم قيمة هذا التأليف ومزيته التاريخية. وهذه حلقة أخرى نسجلها لهذه الفئة الصالحة في علماء المشرقيات.

وبعد، فإن الذي حدا بي لكتابة هذه الكلمة هو قيام أحد شبان العراق المخلصين الأستاذ بشير يوسف فرنسيس بترجمة هذا الكتاب ترجمة صالحة قيمة. وإني بدوري أكبره على اهتمامه، وأهنئه على هذا العمل الشاق، وأتوسل - كما توسل من قبل الأستاذ الكبير (محمد علي كردي) - إلى سادتنا العلماء أن يأخذوا باليمين آثار السلف الصالح يحمونها، ويخدمون بها الأمة الإسلامية خاصة، والعربية عامة.

وأخيراً أتمنى للمترجم بشير يوسف توفيقاً وللمترجم رواجاً

(بغداد)

إبراهيم الواعظ المحامي