مجلة الرسالة/العدد 156/من الأدب الإنكليزي

مجلة الرسالة/العدد 156/من الأدب الإنكليزي

ملاحظات: بتاريخ: 29 - 06 - 1936


3 - برسي شلي -

بقلم خليل جمعة الطوال

تعريفه للشعر والشاعر

لِشلي نظرية في الشعر طويلة لا يتسع مقالنا هذا لاستيعابها بكاملها، نقتطف منها إحاطة بالموضوع من جميع نواحيه ما يأتي: ليس الشعر بالحدث الطارئ الجديد على عواطفنا ولا من صفاتنا المكتسبة بطوال التمرسن والمران، بل هو فينا غريزة فطرية كغريزة الجوع والنوم والكلام والألم، وليس ما نبديه من الحركات المبهمة والإشارات الغامضة، أو ما نفوه به من الكلام وتجيش به صدورنا من العواطف المضطرمة إلا أنواعاً من الشعر في أدنى مواضعه وأضيق حدوده. ولولا ما فينا من عواطف الشعر الهائجة الكامنة والثائرة ألوا دعة، لما كنا نكتئب ونفرح لأوهى الصدمات وأدنى المؤثرات.

وليس الشعر بعلم من العلوم التطبيقية كالهندسة والكيمياء وكالفلك والكهرباء وإلى ما هنالك من العلوم التي تعتمد على التجربة ولا تثبت إلا بالبرهان، بل هو فن من الفنون الجميلة - وهي الرسم والموسيقى والرقص والغناء والشعر والبناء - التي تعنى بظواهر الأشياء وأشكالها دون باطنها، وبجمالها وأعراضها دون جوهرها: وما الإنسان إلا كآلة موسيقية تتعاقب عليها شتى الانفعالات الداخلية والمؤثرات الخارجية: فتتجاوب أوتارها لكل منها بنغمة خاصة تختلف عن سالفتها في الدرجة لا في النوع.

لقد كان الإنسان في بدء أطواره يُقلد مختلف الظواهر الطبيعية بحركاته وساكناته، فكان كل من هزيم الرعد، وهزيز الريح، وزمزمة النار، وخرير المياه، وحفيف الأشجار، وقد غردت فوقها الأطيار الجميلة الألوان والشجية الألحان، يحدث في نفسه انفعالات داخلية عديدة، وشحنات كهربائية عنيفة، لا يرى لها مخرجاً إلا في فنّ من الفنون الجميلة، ولكن الناس ليسوا سواءَ في الاستجابة لهذه المؤثرات، فهم وإن تشابهوا في نوع احساساتهم إلا أن فيهم البليد الشعور، وفيهم السريع الانفعال، وهذا الأخير هو ما نسميه اصطلاحاً بالشاعر.

والشعرُ يتكئ على الخيال كما يتكئ على الحقيقة، ويعتمد على اللغة بمقدار ما يعتمد على الموسيقى والغناء. وليست هذه الأشياء في مجموعها إلا من مكونات الشاعر الأولية، وبمقدار حظه منها يكون حظه من الشاعرية.

على أن أسمى مظاهر الشعر وأبينها هي تلك العواطف والانفعالات المنضوحة في وعاء من الكلام الموزون المقفى؛ ذلك لأن جمال اللغة وموسيقى الألفاظ، أقرب إلى الخيال وأعمل في إذكاء النفس وإرهاف الحس من التصوير والبناء، ونغمة الآلة والرقص والغناء. ولكن هذه المفاضلة تحصر الشعر في دائرة ضيقة، لا تتسع لاستيعاب ذلك الخيال المشبوب وتلك العاطفة الوثابة اللذين لا يجدان لهما من منفذ آخر عدا الشعر المقفى إلا بالتلحين وبالحركات. ومن هنا كان تفرع الرقص والغناء عن الشعر الذي هو الأساس.

الشعر هو تلك المرآة التي تنعكس عنها شتى الانفعالات النفسية التي يجيش بها الصدر وينماث لها القلب؛ وبمقدار ما يكون لهذه المرأة من دقة الصنعة والإتقان يكون للشاعر من جودة الفن وغايته في الإبداع والإحسان.

ولعل ضرورة الوزن والقافية للشعر إنما جاءت من ضرورة الرقص والموسيقى للغناء. فأنت لا تكاد تنبس ولو ببيت من الشعر إلا وتختار لا لقائه أجود التوقيع، وتقرنه بأشرات قد تكون في الغالب مبهمة، إلا أنها مع كل ذلك تدل على عاطفة كانت مكبوتة فظهرت، وكانت هادئة فاضطربت.

الشعر هو صورة الحياة في حقيقتها الأزلية والشاعر هو تلك الريشة التي تظهر بواسطتها هذه الصورة والشاعرية هي القدرة على إبرازها في أجمل ألوانها وأزهارها وأشكالها.

الشعر هو الألمُ والسرورُ، هو الكآبة والحبور، والشاعر هو ذلك الذي تضطرب نفسُه بين موجات الحزن ونغمات الفرح. بل هو ذلك الشعاع الذي يصقلَ النفسَ ويرهف الحس ويهذبُ الشعور.

الشعرُ يهذب الأفرادَ والدرامة تُصلح سوأت المجتمع، ولهذا أحسن تاسو الإيطالي إذ قال: ليس من مبدع إلاّ الله والشاعر، وليس من مدنية إلا بالدرامة.

ثورة شلي الفكرية

لقد تمرد شلي على الهيئة الاجتماعية وخرج على جميع نظمها وتقاليدها الدينية والمدنية، فانثال على الدولة والكنيسة بحملة متطرفة شعواء، نقضت ما كان لهما في نفوس الناس من الجلال والاحترام، وكان يعلق كبير الأمل في التخلص منهما، وفي تحقيق مثله الأسمى على تلك الأفكار الثورية التي تلقحت بها عقول الناس من كتابات فولتير وروسو ومنتسكيو، والتي كظمت مدة ثم انفجرت بالثورة الفرنسية، ولكن للشد ما أسف إذ رأي ما منيت به أفكار الثوار من الإخفاق.

ولما اندلعت نيران الثورة في أسبانيا ونابولي وأثينا ثانية بدت له - في عالم الخيال - بارقة أمل جديدة في تحقيق مثله الأسمى، فاخذ يتغنى بهمة الثوار ويستفز حميتهم بشتى القصائد الرائعة كقصيدة (نابلي) وقصيدة (هيلاس) ولكن الثورة اشتدت ووضعت أوزارها، دون أن تحقق له غرضاً من أغراضه التي مات وهو مُصر عليها برغم ما لقيه من قوة السلطة وصدمة الحوادث.

فكرة شلي عن الله

يرى شلي أن فكرة الإنسان عن وجود الله تشوه جماله كما يشوه الزجاج الملون منظر الأجسام التي من ورائه. وأنها فكرة خاطئة تتناقض ومبادئ العدل والإنسانية العليا. ويقول إن الله لم يخلقنا لكي يبعث بنا في الآخرة أو يجزي شرورنا بمثلها لأنه رحيم لا حد لرحمته، ولأن الانتقام من صفات الإنسان وليس من صفاته فهو والحالة هذه يشبه عمر الخيام إذ يقول:

إذا كنت تجزى الذنب مني بمثله ... فما الفرق ما بيني وبينك يا ربي

ويستأنف في قوله إلى أن ليس لله كيان مستقل بذاته بل هو متمثل في جميع مظاهر الكون وكائناته من إنسان وحيوان. فليس ما نشعر به في عواطفنا من عوامل الخير والفضيلة والإحسان والشفقة أو ما نشاهده في الدودة التي تعيش في باطن الأرض من المحبة والاطمئنان إلا من مظاهر ذلك الإله العادل.

لقد تصور شلي في الإنسان أسمى ما يمكننا تصوره، وراح يعرض هذه الصورة الجديدة على معاصريه المتزمتين بلسان عي؟ وخلق سرى، بل بيد جذاء وكنانة جوفاء إلا من ذخيرة الأيمان بدعوته. ولذا فلا عجب إذا وقرت دونه آذانهم، بعد أن أذاقوه من لاذع النقد ومر التقريع شأن ما يلقاه أصاحب البدع في كل جمهور متزمت.

وفي عام 1811 نشر رسالة مطولة: عنوانها (حاجتنا إلى الإلحاد) دعا فيها جميع الأستاذة إلى الإلحاد أو إلى تفنيد آرائه ودحضها بالمناقشة، ولكنهم ألقوا بدعوته دبر آذانهم ثم طردوه من الجامعة هو و (السير توماس جفرسن) المتشرع المشهور لأنه استجاب لدعوته واعتنق جميع مبادئه.

وفي عام 1858 ألف (توماس جفرسن) كتاباً عظيماً عن صديقه شيلي أكسبه شهرة واسعة في الأوساط الأدبية، وقد نشره تحت عنوان وهو يتضمن حياة شلي وتعاليمه مذيلة بشروح عظيمة لا نعثر عليها في غيره.

آراء الأدباء في شيلي

يقول روبرت براوننج: لقد هاجم شيلي مبادئ المجتمع العظيمة دون أن يتحقق صحيحها من فاسدها، وغثها من سمينها، ونسب إلى الكنيسة والحكومة الشيء الكثير، مما يزري بشأنهما ويحط من مقامهما في أعين الناس. ولقد كان في حملته التي شنها على العرف والعادات، وعلى الشرائع والديانات، يُقاد بتهور العاطفة لا بتمحيص العقل، وبنشوة الشباب لا برصانة الفكرة؛ وكان يلقى بأحكامه جزافاً قبل أن يعمل فيها مشرط العقل وقبل أن يعرضها على محك الاختبار.

ويقول سوينبرن: إن إعجابي بشيلي عظيم لا ينتهي، وما ذاك إلا لفرط محبته الواسعة لجميع المخلوقات، تلك المحبة التي تقرن اسمه بالمسيح ما دام في الكون فقراء ومساكين. لقد درس آراء أفلاطون - ولا سيما في ثناياها بأسمى ما عرفه من المثل العليا، تلك المُثل التي صرف في تحقيقها ريق العمر وزهرة الشباب فما أفلح.

ويقول أرنولد: ثلاثة ينبغي تقديسهم: بوذا لتضحيته، والمسيح لمحبته، وشلي لإنسانيته.

ويقول بيكوك: مهما يكن من الحاد شيلي فآني أرى فيه مثال الدين الصحيح لإقباله على عمل البر وحدبه على الفقراء. فقد شهدته مرة وقد ابتاع من أحد المتاجر مجهراً، فما لبث أن أودعته لساعته عند تاجر آخر وأخذ مقابله قليلاً من المال، ورأيته يركض بعد ذلك بخطوات فسيحة لينقذ بائساً رآه في وهده الشقاء. وكانت تلك الكمية صبابة ما بقى لديه من المال.

حياته وزواجه: دخل شيلي مدرسة أثن عام 1804، وكان لا يزال في الثانية عشرة من العمر، ثم تركها والتحق بجامعة اكسفورد حيث طُرد منها عام 1811 بسبب رسالته الإلحادية. وفي شهر يونيه من السنة نفسها تزوج (هاريت وستبروك) وارتحل إلى بلدة (كزوِك) هرباً من تعنت والده، وهناك التقى (بسوثي) أحد شعراء إقليم البحيرات البارزين. ثم أخذ يتعاطى مهنة الصحافة مع (وليم فودوين) السياسي الشهير فتشرب منه روح السياسة. وفي عام 1812 سافر إلى أيرلندا ودبلن حيث أخذ يؤلب الناس على الكنيسة الرومانية، فاستجاب له خلق كثير وأعرض عنه الباقون.

وفي سنة 1813 ولدت له هاريت صبية دعاها (لانث).

ثم ارتحل إلى أدنبرة ألقى هناك عصا التسيار مدة من الزمن، كان يستجم فيها ويعد العدة لحملة جديدة يحمل بها على الدين والمجتمع معاً. وفي مسهل عام 1814 برزت هذه الحملة الجديدة في رسالته التي نشرها تحت عنوان (تفنيد وحدانية الله وفي العاشر من شهر ديسمبر اضطرب حبل مودته مع زوجه هاريت، فطلقها وتزوج من عشيقته ماري ولستونكرافت ابنة الصحافي الكبير فودوين، وبعدها سافر إلى سويسرا ثم إلى فرنسا، وفي أثناء غيابه ولدت منه زوجه الأولى هاريت صبياً دعته شارل بيش، وما أن رجع من رحلته هذه إلا وقد توفي جده بيش شيلي فورث عنه أموالاً طائلة.

وفي عام 1816 ولدت له زوجه مارى ولداً سماه وليم شلي إلا انه لم يُعمر طويلاً بل توفي بعد عامين من ولادته، وفي شهر أبريل التقى بكيتس لأول مرة، وكانت قد اشتدت روابط الصداقة بينه وبين اللورد بيرون.

وفي العاشر من شهر ديسمبر ألقت (هاريت بنفسها في اليم وما أخرجت من الماء إلا وهي جثة هامدة. وهكذا أصبحت مارى ولستونكرافت زوجته الشرعية).

وفي عام 1817 سافر إلى إيطاليا وأقام هناك، وكانت محكمة شانسري قد حرمته من حضانة ولديه من زوجته الأولى (هاريت). وفي ايطاليا تفرغ شلي لقرض الشعر ولدراسة الآداب دراسة جدية.

وفي الثامن من شهر يوليو لعام 1822 بينما كان يسبح في خليج بيزا لقيه اليم بموجة عظيمة كان فيها حتفه إذ ألقته على الشاطئ جثة هامدة. ثم أحرقت جثته فوق رمال ذلك الشاطئ على مشهد من صديقه اللورد بيرون ووضع رماده في قبر أُعدَّ له في روما. وكان قد أوصى في حياته بالا ينقش على ضريحه إلا تاريخ ولادته ويوم وفاته والكلمة الآتية: ومعناها غير مغرور.

وفي بعض المصادر نجد أنه أوصى بنقش هاتين الكلمتين لا الأولى وهما قلب القلوب ولعل الأولى أقرب إلى الصواب.

وهكذا طوت الأيام تلك الصفحة المجيدة المملوءة بجليل المآثر والحافلة بعظيم الأعمال.

(شرق الأردن)

خليل جمعة الطوال