مجلة الرسالة/العدد 159/أحلام في قصر

مجلة الرسالة/العدد 159/أحلام في قصر

مجلة الرسالة - العدد 159
أحلام في قصر
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 20 - 07 - 1936


للأستاذ مصطفى صادق الرافعي

كان فلان بن الأمير فلان يتنبَّل في نفسه بأنه مشتقٌ ممن يضع القوانين لا ممن يخضع لها، فكان تياها صلفا يشمخ على قومه بأنه ابن أمير، ويختال في الناس بان له جداً من الأمراء، ويرى من تجبره أن ثيابه على أعطافه كحدود المملكة على المملكة لان له أصلاً في الملوك

وكان أبوه من الأمراء الذين ولدوا وفي دمهم شعاع السيف وبريق التاج، ونخوة الظفر، وعز القهر والغلبة؛ ولكن زمنه ضرب الحصار عليه، وأفضت الدولة إلى غيره فتراجعت فيه ملكات الحرب من فتح الأرض إلى شراء الأرض، ومن تشييد الإمارات إلى تشييد العمارات، ومن إدارة معركة الأبطال إلى إدارة معركة المال؛ وغبر دهره يملك ويجمع حتى أصبحت دفاتر حسابه كأنها (خريطة) مملكة صغيرة

وبعض أولاد الأمراء يعرفون أنهم أولاد أمراء فيكونون من التكبر والغرور كأنما رضوا من الله أن يرسلهم إلى هذه الدنيا ولكن بشروط. . . .

وانتقل الأمير البخيل إلى رحمة الله، وترك المال واخذ معه الأرقام وحدها يحاسب عنها، فورثه ابنه وأمرَّ يده في ذلك المال يبعثره؛ وكانت الأقدار قد كتبت عليه هذه الكلمة: غير قابل للإحسان، فمحتها بعد موت ابيه، وكتبت في مكانها هذه الكلمة: جمع للشيطان

أما الشيطان فكان له عمل خاص في خدمة هذا الشاب، كعمل خازن الثياب لسيده، غير انه لا يلبسه ثيابا بل أفكاراً وآراءً وأخيلةً. وكان يجهد أن يدخل الدنيا كلها إلى أعصابه ليخرج منها دنيا جديدة مصنوعة لهذه الأعصاب خاصة، وهي أعصاب مريضة ثائرة متلهبة لا يكفيها ما يكفي غيرها فلا تبرح تسأل الشيطان بين الحين والحين: إلا توجد لذة جديدة غير معروفة؟ ألا يستطيع إبليس القرن العشرين أن يخترع لذة مبتكرة؟ ألا تكون الحياة إلا على هذه الوتيرة من صبحها لصبحها؟

كان الشاب كالذي يريد من إبليس أن يخترع له كأساً تسعُ نهرا من الخمر، أو يجد له امرأة واحدة وفيها كل فنون النساء واختلافهن. وكان يريد من الشيطان أن يعينه في اللذة على الاستغراق الروحاني ويغمره بمثل التجليات القدسية التي تنتهي إليها النفس من حدة الطرب وحدة الشوق؛ وذلك فوق طاقة إبليس، ومن ثم كان معه في جهد عظيم حتى ضج منه ذات مرة فهم أن يرفع يده عنه ويدعه يدخل إلى المسجد فيصلي مع بعض الأمراء الصالحين

وهؤلاء الفساق الكثيرو المال إنما يعيشون بالاستطراف من هذه الدنيا، فهمهم دائما الألذُّ والأجمل والأغلى؛ ومتى انتهت فيهم اللذة منتهاها ولم تجد عاطفتهم من اللذات الجديدة ما يسدها ضاقت بهم فظهرت مظهر الذي يحاول أن ينتحر. وذلك هو الملل الذي يبتلون به، والفاسق الغني حين يمل من لذاته يصبح شأنه مع نفسه كالذي يكون في نفق تحت الأرض ويريد هناك سماءً وجواً يطير فيهما بالطيارة. . .

قالوا: واعترض ابن الأمير ذات يوم شحاذ مريض قد أسنَّ وعجز يتحامل بعضه على بعض، فسأله أن يحسن إليه وذكر عوزه واختلاله وجعل يبثُه من دموعه وألفاظه. وكان إبليس في تلك الساعة قد صرف خواطر الشاب إلى إحدى الغانيات الممتنعات عليه وقد ابتاع لها حلية ثمينة اشتط بائعها في الثمن حتى بلغ به عشرة آلاف دينار، فهو يريد أن يهديها إليها كأنها قدر من قادر. . . وقطع عليه الشحاذ المسكين أفكاره المضيئة في الشخص المضيء فكان إهانةً لخياله السامي. . . ووجد في نفسه غضاضةً من رؤية وجهه واشمأز في عروقه دم الإمارة وتحركت الوراثة الحربية في هذا الدم

ثم ألقى الشيطان إلقاءه عليه، فإذا هو يرى صاحب الوجه القذر كأنما يتهكم به يقول له: أنت أمير يبحث الناس عن الأمير الذي فيه فلا يجدون إلا الشيطان الذي فيه. وليس فيك من الإمارة إلا مثل ما يكون من التاريخ في الموضع الأثرى الخرب. ولن تكون أميراً بشهادة عشرة الآلاف دينار عند مومس، ولكن بشهادة هذا المال عند عشرة آلاف فقير. أنت أمير، فهل تثبت الحياة انك أمير أو هذا معنى في كلمة من اللغة؟ إن كانت الحياة فأين أعمالك، وإن كانت اللغة فهذه لفظة بائدة تدل في عصور الانحطاط على قسط حاملها من الاستبداد والطغيان والجبروت، كأن الاستبداد بالشعب غنيمة يتناهبها عظمائه، فقسم منها في الحاكم وقسم في شبه الحاكم يترجم عنه في اللغة بلقب أمير

ألا قل للناس أيها الأمير: إن لقبي هذا إنما هو تعبير الزمن عما كان لأجدادي من الحق في قتل الناس وامتهانهم

وكان هذا كلاما بين وجه الشحاذ وبين نفس ابن الأمير في حالة بخصوصها من أحوال النفس، فلا جَرَم أُهين الشحاذ وطرد ومضى يدعو بما يدعو

ونام ابن الأمير تلك الليلة فكانت خيالتُه من دنيا ضميره وضمير الشحاذ: فرأى فيما يرى النائم أن ملكا من الملائكة يهتف به:

ويلك! لقد طردت ذلك المسكين تخشى أن تنالك منه جراثيم تمرض بها، وما علمت أن في كل سائل فقير جراثيم أخري تمرض بها النعمة؛ فإن أكرمته بقيت فيه وإن أهنته نفضها عليك. لقد هلكت اليوم نعمتك أيها الأمير واستردَّ العارية صاحبها وأكلت الحوادث مالك فأصبحت فقيراً محتاجاً تروم الكسرة من الخبز فلا تتهيأ لك ألا بجهد وعمل ومشقة؛ فاذهب فاكدح لعيشك في هذه الدنيا فما لأبيك حق على الله أن تكون عند الله أميراً

قالوا: وينظر ابن الأمير فإذا كلُّ ما كان لنفسه قد تركه حين تركه المال، وإذا الإمارة كانت وهما فرضه على الناس قانون العادة، وإذا التعاظم والكبرياء والتجبر ونحوها إنما كانت مكْراً من المكر لإثبات هذا الظاهر والتعزز به. وينظر ابن الأمير فإذا هو بعد ذلك صعلوكٌ ابتر مُعدم رثَّ الهيئة كذلك الشحاذ، فيصيح مغتاظاً: كيف أهملتني الأقدار وأنا ابن الأمير؟

قالوا: ويهتف به ذلك الملك: ويحك إن الأقدار لا تدلل أحداً لا ملكا ولا ابن ملك ولا سوقياً ولا ابن سوقي، ومتى صرتم جميعاً إلى التراب فليس في التراب عظم يقول لعظم آخر: أيها الأمير

قالوا: وفكر الشاب المسكين في صواحبه من النساء وعندهن شبابه وإسرافه، ونفقاته الواسعة فقال في نفسه: اذهب لإحداهن؛ واخذ سمته إليها فما كادت تعرفه عيناها في أسماله وبذاذته وفقره حتى أمرت به فجر بيديه ودُفع في قفاه. ولكن دم الإمارة نزا في وجهه غضباً وتحركت فيه الوراثة الحربية فصاح واجلب واجتمع الناس عليه واضطربوا وماج بعضهم في بعض. فبينا هو في شأنه حانت منه التفاته فابصر غلاماً قد دخل في غمار الناس فدس يده في جيب أحدهم فنشل كيسه ومضى

قالوا: وجرى في وهم ابن الأمير أن يلحق بالغلام فيكبسه كبسة الشرطي وينتزع منه الكيس وينتفع بما فيه، فتسلل من الزحام وتبع الصبي حتى أدركه، ثم كبسه واخذ الكيس منه واخرج الكنز فإذا ليس فيه إلا خاتم وحجاب وبعض خرزات مما يتبرك العامة بحمله ومفتاح صغير. . .

فامتلأ غيظا وفار دم الإمارة وتحركت الوراثة الحربية التي فيه. وألم الصبي بما في نفسه وحدس على إنه رجل أفاق متبطل لا نفاذ له في صناعة يرتزق منها، فرثى لفقره وجهله ودعاه إلى أن يعلمه السرقة وأن يأخذه إلى مدرستها. وقال: إن لنا مدرسة فإذا دخلت القسم الإعدادي منها تعلمت كيف تحمل المِكتل فتذهب كأنك تجمع فيه الخرق البالية من الدور حتى إذا سنحت لك غفلة انسللت إلى دار منها، فسرقت ما تناله يدك من ثوب أو متاع، ولا تزال في هذا الباب من الصنعة حتى تحكمه، ومتى حذقته ومهرت فيه انتقلت إلى القسم الثانوي. . .

فصاح ابن الأمير: اغرب عني، عليك وعليك، أخزاك الله! ولعن الله الإعدادي والثانوي معاً

ثم انه رمى الكيس في وجه الغلام وانطلق، فبينا هو يمشي وقد توزعته الهموم أنشأ يفكر فيما كان يراه من المكدِّين وتلك العلل التي ينتحلونها للكدية كالذي يتعامى والذي يتعارج والذي يحدث في جسمه الآفة؛ ولكن دم الإمارة اشمأز في عروقه وتحركت فيه الوراثة الحربية؛ وبصر بشاب من أبناء الأغنياء تنطق عليه النعمة فتعرض لمعروفه وأفضى إليه بهمه وشكا ما نزل به ثم قال: وأني قد أملتك وظني بك أن تصطفيني لمنادمتك أو تلحقني بخدمتك، وما أريد إلا الكفاف من العيش، فإن لم تبلغ بي فالقليل الذي يعيش به المقل. وصعد فيه الشاب وصوب ثم قال له، أتحسن إن تلطف في حاجتي؟ قال: سأبلغ في حاجتك ما تحب. قال الشاب، ألك سابقة في هذا؟ أكنت قواداً؟ أتعرف كثيرات منهن. . . .؟

فانتفض غضباً وهم أن يبطش بالفتى لولا خوفه عاقبة الجريمة، فاستخذى ومضى لوجهه، وكان قد بلغ سوقاً فأمَّل أن يجد عملا في بعض الحوانيت، غير أن أصحابها جعلوا يزجرونه مرة ويطردونه مرة، إذ وقعت به ظنَّةُ التلصص، وكادوا يسلمونه إلى الشرطي فمضى هارباً وقد اجمع أن ينتحر ليقتل نفسه ودهره وإمارته وبؤسه جميعاً

قالوا: ومر في طريقه إلى مصرعه بامرأة تبيع الفجل والبصل والكرات وهي بادنة وضيئة ممتلئة الأعلى والأسفل، وعلى وجهها مسحة اغراء، فذكر غزله وفتنته وإستغواءه للنساء، ونازعته النفس، وحسب المرأة تكون له معاشاً ولهواً، وظنها لا تعجزه ولا تفوته وهو في هذا الباب خرَّاجٌ ولاَّجٌ منذ نشأ، غير انه ما كاد يراودها حتى ابتدرته بلطمة اظلم لها الجو في عينيه، ثم هرت في وجهه هريراً منكراً واستعدت عليه السابلة فأطافوا به وأخذه الصفع بما قدم وما حدث، ومازالوا يتعاورونه حتى وقع مغشيا عليه

ورأى في غشيته ما رأى من تمام هذا الكرب فضرب وحبس وابتلي بالجنون وأرسل إلى المارستان وساح في مصائب العالم وطاف على نكبات الأمراء والسُّوقة بما يعي وما لا يعي، ثم رأى انه قد أفاق من الإغماء فإذا هو قد استيقظ من نومه

ويا ليت من يدري بعد هذا؛ أغدا ابن الأمير على المسجد وأقبل على الفقراء يحسن إليهم، أم غدا على صاحبته التي امتنعت عليه فابتاع لها الحلية بعشرة آلاف دينار؟

يا ليت من يدري! فإن الكتاب الذي نقلنا القصة عنه لم يذكر من هذا شيئاً بل قطع الخبر عندما انقطع الصفع. . . . .

(طنطا)

مصطفى صادق الرافعي