مجلة الرسالة/العدد 159/فوز نسوي جديد

مجلة الرسالة/العدد 159/فوز نسوي جديد

مجلة الرسالة - العدد 159
فوز نسوي جديد
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 20 - 07 - 1936


ملكات ووزيرات

بين الماضي والحاضر

للأستاذ محمد عبد الله عنان

منذ فجر التاريخ استطاعت المرأة أن تتبوأ الملك وان تحكم الشعوب؛ وهي مازالت تتبوأ الملك وتحكم الشعوب في عصرنا

ويقدم إلينا التاريخ منذ العصور الغابرة ثبتاً حافلاً من ملكات عظام شغلن عروشا خطيرة، وألقيت إليهن مصاير أمم وشعوب عظيمة، وقمن بتدبير الملك وقيادة الجيوش؛ ففي مصر الفرعونية، وفي مملكة سبأ، وفي تدمر، يتبوأ الملك نساء قويات العزم والشكيمة؛ وفي مصر أيضاً نرى ملكة رائعة الحسن هي كليوباترا تحاول رد الغزو الروماني عن مصر، وتفتدي الهزيمة بالحياة؛ ثم نرى في عصر الإسلام ملكة مصرية هي شجرة الدر تنظم شؤون الدفاع في مصر إزاء الخطر الصليبي؛ ونرى في الغرب، وفي العصر الحديث، عدة من الملكات العظيمات يسهرن على مصاير اعظم الدول الأوروبية مثل إيزابيلا ملكة قشتالة، وماري تيودور واليصابات ملكتا إنكلترا، وكاترين الكبرى إمبراطورة روسيا، وماريا تيريزا إمبراطورة النمسا

وفي يومنا هذا تتبوأ عرش هولندا أميرة عظيمة هي الملكة ولهلمينا؛ بيد أنه من غرائب الاتفاق ومفارقات الحوادث أن المرأة التي وصلت منذ العصور الغابرة إلى تبوئ العروش وقيادة الدول مازالت تناضل في عصرنا للحصول على ابسط الحقوق العامة التي يتمتع بها الرجل، فإذا ظفرت ببعض هذه الحقوق في بلد من البلاد اعتبر ذلك فوزاً عظيما لقضيتها

وقد وقع أخيرا في فرنسا حادث يعتبر فوزاً عظيما لحركة النسوية؛ ففي الوزارة الفرنسية الجديدة التي يرأسها زعيم الاشتراكية الفرنسية، مسيو ليون بلوم ثلاث نساء يشغلن مركز الوزارة، وهن مدام سيسيل برونشفيج إحدى زعيمات الحركة النسوية الفرنسية، ومدام ايرين كوري العالمة الكيميائية الشهيرة، ومدام سوزان لاكور الكاتبة الاشتراكية التي اشتهرت بجهودها في سبيل حماية الطفولة وهذه أول مرة في تاريخ فرنسا تتبوأ فيها المرأة كرسي الوزارة؛ ويزيد الحادث غرابة وطرافة أن أولئك النسوة الوزيرات لازلن كباقي نساء فرنسا، محرومات بنص الدستور من مزاولة أبسط الحقوق العامة، أعني حق الانتخاب، وهو حق تجاهد المرأة الفرنسية للحصول عليه بكل ما وسعت، وتأباه عليها الحكومات والبرلمانات المتعاقبة

ولقد تخلفت فرنسا في هذا الميدان عن باقي الأمم الديموقراطية العظيمة مثل إنكلترا وأمريكا وروسيا حيث تتبوأ المرأة مناصب الحكم ومقاعد النيابة منذ أعوام بعيدة؛ وفي البرلمان الإنكليزي اليوم عدد كبير من النسوة النائبات، وفي الوزارة الإنكليزية القائمة سيدة هي مس بونفيلد وزيرة العمل؛ وفي أمريكا تشغل المرأة مناصب الحكم كثير من الولايات، وتحتل عدداً كبيراً من المقاعد النيابية؛ وفي روسيا السوفيتية تتمتع المرأة بجميع الحقوق السياسية والعامة التي يتمتع بها الرجل، وتشغل كثيراً من مراكز الحكم والنيابة في سائر الإدارات والمجالس السوفيتية، وأحياناً تشغل منصب السفارة، مثل السيدة الكسندرا كولانتاي، التي لبثت مدى حين سفيرة لروسيا في المكسيك ثم في السويد؛ بل نرى المرأة تفوز في بعض الأمم الفتية بحق الانتخاب والنيابة، كما حدث أخيراً في تركيا

كانت الحرب الكبرى ميداناً عظيما لجهود المراة، ففيها استطاعت لأول مرة أن تضطلع بكثير من المهام والأعمال الشاقة، وفيها لقيت الحركة النسوية المعاصرة فرصة عظيمة لنشاطها وظفرها؛ ومنذ غداة الحرب استطاعت المرأة أن تحقق كثيراً من أمانيها ومطالبها، فغزت جميع ميادين الحياة العامة، ونفذت إلى معترك الوظائف والمهن الحرة، وفتحت لها أبواب التعليم الجامعي بسائر أنواعه، ولم تعد تقتصر على مزاولة المهن السلمية الهادئة كالطب والمحاماة والصحافة؛ بل غدت تنافس الرجل في اشق الأعمال وأخطرها، كالهندسة والطيران وبعض الأعمال العسكرية والبحرية، وغيرها مما كان اضطلاعها به يعتبر من قبل ضرباً من المستحيل

ولكن المرأة مازالت ترد بعنف عن حظيرة التشريع والسياسة العليا، وعن مواطن المسؤولية العامة؛ وإذا كانت قد استطاعت أن تفوز في بعض الأمم بحقوق الانتخاب والنيابة، وأن تحتل بعض الوظائف الكبيرة، فإنها مازالت بعيدة جداً عن التأثير في سير السياسة العليا، وسير التشريع القومي؛ ومازال الرجل يستأثر وحده بتوجيه السياسة والتشريع بعيدا عن تدخل المرأة أو إشرافها. وقد تمضي أجيال أخرى قبل أن تستطيع المرأة أن تغزو هذا الميدان غزوا حقيقياً، أو أن تساهم فيه مساهمة تذكر

وهذه ظاهرة تدعو إلى التأمل؛ فقد أتيح للمرأة، في كثير من العصور أن تتبوأ الملك وأن تقود الأمم، وأن تستأثر بتوجيه السياسة العليا، ولكنها تحرم في عصرنا، وهو عصر تقدمها وظفرها، من تبوء مناصب الحكم والمسؤولية. وبعبارة أخرى، فقد سبق فوز المرأة بالملوكية، فوزها بالوزارة أو ما يماثلها؛ بيد انه ليس من الصعب أن نفسر هذه الظاهرة التاريخية؛ ذلك أن فوز المرأة بالملوكية لم يكن راجعاً في عصر من العصور إلى مواهب ومزايا تؤهلها للاضطلاع بهذا المنصب الخطير، ولكنه كان يرجع دائماً إلى حقوق الأسرة وتطورات الحوادث؛ وقد كانت حقوق الأسرة في الملك تتشح في العصور القديمة والوسطى بنوع من الحق الإلهي، وفي ظل هذا الحق المزعوم الذي كانت تقدسه الشعوب في تلك العصور استطاعت المرأة أن تتبوأ الملك بالوراثة والتعيين لا بالأهلية والاستحقاق

وإذا كان من الإنصاف أن نقول إن المرأة استطاعت في ظل الملوكية أن تقوم أحياناً بمهام الملك والسياسة بقوة وبراعة، فانه يجب ألا ننسى أن وجودها في هذا المركز لم يكن عنوان فوزها الاجتماعي، ولم يكن نهاية في تطور النضال بينها وبين الرجل، وإنه لم يكن اكثر من ظاهرة تاريخية عرضية كما بينا

على أن المرأة لم تقف في توجيه العروش والسياسة عند هذا الموطن الذي ارتفعت إليه في ظل الأسرة والحق الإلهي، بل استطاعت في ظروف كثيرة أن تصل بقوة عزمها ونفوذها إلى التأثير المباشر في توجيه الدول والحكومات؛ ويقدم لنا التاريخ أمثلة طريفة جمة من هذا النوع البارع من النساء. ولم يخل التاريخ الإسلامي نفسه من أمثلة من هذا النوع؛ ففي تاريخ الأندلس نجد امرأة نصرانية بارعة هي صبح النافارية جارية الحكم المستنصر وأم ولده المؤيد، تسيطر بنفوذها على الحكم وعلى حكومة قرطبة زهاء عشرة أعوام، وتؤثر في سياسة القصر والدولة؛ فإذا توفي الحكم نراها تستأثر مدى حين بالوصاية على ولدها المؤيد وتوجه ناصية الشؤون ببراعة ودهاء حتى يسطع نجم المنصور بن أبى عامر (الحاجب المنصور) فيسلبها كل سلطة وكل نفوذ. وفي دولة بن عباد باشبيلية، نرى جارية أخري هي اعتماد الرميكية جارية المعتمد بن عباد وأم أولاده تسيطر على حكومة أشبيلية مدى حين. وفي أواخر دولة الإسلام بالأندلس نجد امرأة نصرانية هي ثريا زوجة السلطان أبى الحسن النصري ملك غرناطة توجه شؤون الدولة طبق أهوائها وتثير بمساعيها ضرام الحرب الأهلية التي انتهت بسقوط غرناطة في أيدي النصارى. ويقدم إلينا التاريخ الأوروبي نماذج عديدة مدهشة من نساء يسيطرن على الدولة بطرق غير مباشرة، ونكتفي بأن نقدم من ذلك مثلين بارزين: أولهما مثل المركيزة دي بومبادور صاحبة لويس الخامس عشر ملك فرنسا، وقد حلت في البلاط مكان الملكة الحقيقية، وسيطرت مدى أعوام طويلة بنفوذها على شؤون القصر والدولة، تولي وتعزل، وتأمر وتنهي، وتؤثر في توجيه سياسة فرنسا الخارجية أعظم تأثير، وتقبض على مقاليد السلام والحرب. والمثل الثاني هو مثل البارونة بربارة فون كريدنر، وهي سيدة روسية غادرت حياة زوجية نكدة لتعتنق حياة الزهد والتصوف، وقصت علينا حياتها الأولى في كتاب عنوانه (فاليري)، وطافت أرجاء ألمانيا وسويسرا وهي تحض على الزهد واحتقار متاع هذه الحياة الدنيا، ثم ألقت بها المقادير إلى بلاط القيصر اسكندر الأول، فأثرت في نفسه تأثيراً عظيما واستولت على مشاعره وتفكيره؛ وكان يقضي معها كل يوم ساعات عديدة في الصلاة والشورى؛ وقد ظهر تأثير هذه المرأة الغريبة في عقد (المعاهدة المقدسة) الشهيرة، التي عقدها القيصر مع النمسا وبروسيا (سنة 1815) وغرضها الظاهر تنظيم العلائق الدولية طبقا للمبادئ المسيحية، وترويج المحبة الأخوية بين الشعوب، وغرضها الحقيقي مقاومة النزعات والحركات الحرة؛ وكان للبارونة فون كريدنر في الحث على عقدها أعظم أثر، كما إنها لبثت مدى حين توجه سياسة القيصر طبق آرائها ونصائحها

فهذه الأمثلة التاريخية العديدة توضح لنا إلى أي مدى استطاعت المرأة أن تغزو مواطن التأثير والنفوذ في الشؤون العامة بطرق ووسائل غير مباشرة؛ بيد أن هذا الفوز الذي يرجع دائماً إلى عوامل وظروف عرضية، لم يكن ثمرة أو تطور طبيعي؛ أما اليوم فإن المرأة تسير في ميدان النضال بخطوات حثيثة، وتحقق لنفسها بوسائلها وجهودها ظفرا بعد ظفر؛ وإذا كانت المرأة تتبوأ اليوم كراسي النيابة والوزارة، فذلك لأنها استطاعت أن تشق طريقها إلى تلك المناصب، وأن تدلل على أهليتها لتوليها، فهي إذن تسير في طريق طبيعي لا أثر فيه للطفرة أو العوامل العارضة التي رفعتها من قبل إلى مواطن نفوذ لم تكن تحلم بها

ولا ريب أن المرأة لن تقف عند هذا الفوز اليسير الذي يكاد يعتبر فوزاً رمزياً فقط؛ ومن المحقق إنها ستعتز بهذا الفوز على ضآلته فتضاعف جهودها؛ وإذا سارت الحوادث في طريقها، وإذا لم تعقها العوامل والمؤثرات الرجعية، فإن المرأة ستصل في المستقبل القريب في تحقيق أمانيها إلى مدى يصعب اليوم إدراكه وتقديره، وإن لم يك ثمة شك في أنه سيكون عظيما بعيد الأثر.

محمد عبد الله عنان