مجلة الرسالة/العدد 159/الكتب

مجلة الرسالة/العدد 159/الكتب

مجلة الرسالة - العدد 159
الكتب
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 20 - 07 - 1936


رواية عمر بن الخطاب

تأليف الأستاذ معروف الأرناءوط

للدكتور منير العجلاني

أنا لا اصدق أن هذه التهاويل الثلاثة: الحب، الطبيعة، البطولة، التي جمعها أستاذنا الأرناءوط في كتابه الجديد (عمر بن الخطاب) رواية!. . .

وإذا كان يحرص على أن يسمي (رواية) هذا العالم الذي أبدعه وشحنه بالأخيلة العجيبة والألوان النضرة والأنغام الحلوة فإني استحلفه (بكريستيا) الذي ينحت تمثاله، و (فروة) الذي يقود رجاله، و (نفتالي) الذي يندب آماله؛ بل استحلفه بهذه الغانية (بنيامينا) التي تسلب العاقل لبه، والشجاع قلبه، وتنسي الوثني ربه؛ بل استحلفه بهذه الفتاة الصغيرة الخيرة (سافو) - شقيقة البدر وبنت السحر - أن يسميها رواية شعرية لا اجتماعية ولا تاريخية، فإني نسيت الجماعات ونظمها، والتواريخ وحكمها، ورحت أنتقل على أجنحة كتابه من حجرة حب، إلى ساحة حرب، ومن مأتم عبقري، إلى عرس شعري، ومن صلاة الفجر الروحانية، إلى مناجاة البخور الجثمانية، وما أذكر أنني أحسست هذا الحس الذي يكاد يكون مزيجا من الصوفية واللذة إلا في (خطبة مسينا) و (ايفجيني في أوليس) و (بولس وفرجيني) و (أنا كارينين) و (البعث) و (أغاني بيليتس) و (بسيشة) وبعض أشعار (أوسكار ويلد). . .

وأشهد إن في أستاذنا الأرناءوط من هؤلاء جميعاً، فقد نسج على منوال يونان والغرب فجاء بشيء لم تألفه العرب لأنه جديد. ولكنها لم تنكره لأنه جميل، وصاحبه لا يتهم بالنقل ولا التقليد لأنه صانع مبتكر، ومتى ذكر الشعر فهو في دنياه

نعم (عمر بن الخطاب) قبسة من شعوره وقصيدة من شعره، ولكنها لا تشبه هذه البرك التي تقاس بالشبر وتنظم على أشكال هندسية بل هو نهر يجري: يركض ويتباطأ، يهبط ويصعد، يستقيم ويلتوي، ولكنه يذهب بعيداً. . . وفي مائه الرقراق يستحم الطير وتستنقع العذارى، ويرتوي النعناع، ويرف الحصى، وبالجملة تحيا الحياة أيهما أشعر؟ البركة أم النهر؟ (عمر بن الخطاب) أم الشعر؛ ما أدرى؛ ولعل الرواية - إذا كان عمر بن الخطاب رواية - أشعر من الشعر! على أن عمر بن الخطاب ونحن في حديثه، لم يعط الجزأين الأولين من الرواية أكثر من اسمه. . . فهو يمر في الأول كخطفة البرق، ويهم في الكتاب الثاني بالظهور. ولعلك تصغي إليه وتجلس بين يديه في الكتابين الموعودين، أما الآن فأنت في عالم الحب؛ فلا تقل وقد استنمت إلى أنغامه المهدهدة أين نحن من دنيا ابن الخطاب؟ وما علاقتنا به؟ عما قريب تلتفت إلى (سافو) التي لم تكن تعرف من العرب إلا حبيبها، فتسمعها تحدثك عن رعاة الغنم، الذين ملكوا رعاة الأمم، والبدو الذين علموا الحضارة الحضر. . . والعقيدة التي غلبت القوة، وحينئذ تدرك السر الذي نشده الأستاذ الارناءوط، فهو يريد أن يقفنا في هذا الصراع القائم بين العرب والرومان على لونين من الحب: حب السماء وحب الارض، وعلى رسالتين: رسالة العاشق ورسالة المجاهد؛ وعلى دولتين: دولة الطبقات، ودولة المساواة، وإذا كان في الأدب الفرنسي كتاب أسماه صاحبه - شاتوبريان - (عبقرية النصرانية) وأراد أن يعرض فيه دينه في أحسن معرض، فانه يخيل إلي أن الأستاذ الارناءوط سائر في هذه الطريق. فما (سيد قريش) و (عمر بن الخطاب) إلا فصول في كتاب سنطلق عليه ذات يوم اسم (عبقرية الإسلام) وإذا ما شئت (عبقرية العروبة)

أيها القارئ! ضع شارة تحت جملة بارعة في الجزء الأول من (عمر بن الخطاب) (أي قدر سعيد ألقاك في طريقي يا من يهيمن على حياتي؟) فأنه قدر سعيد حقاً. . . أن تعيش في عالم (كريستيا) و (بنيامينا) و (سافو) و (فروة) و (نفتالي)، قدرٌ سعيد أن تعيش تحت سماء (كأنها لفرط الضياء جنة من اللؤلؤ) وأن ترى إلى (كريستيا) يلتمس حبيبته في الحلم ولكنه (لا يجرؤ أن يمس وهو سادر في وهمه جسدها المترنح مخافة أن تفوته لذة هذا الوهم) وأن تستمع إليه ينشد بين يديها: (لقد رأيتك في ذات ليلة أمام المرأة تريقين على جسدك العاري عطور النارنج، ورأيتك تغسلين فخذيك الناعمتين بعطر الورد، ثم رأيتك تصبين على نهديك عطوراً حملها إليك محبوك من مصر وفينيقية والشام، فوددت لو أنك تبدلين طيوبك بطيب آخر لم تحفل بمثله أرض فينيقية ذات السماء المصحية، ولا جنات مصر الضاحكة على ضفاف النيل. . . بطيب انبعثت براعمه في نفسي). . . ثم اخرج من عالم الحب إلى عالم البطولة وأنظر إلى (فروة بن عمرو) يعلق على الصليب في سبيل الرسالة، واستمع إلى أغانيه العلوية!. . .

ولكن ما أكثر الصور والألوان الحلوة في هذا الكتاب؟ بل أية صورة أستطيع أن أقول أنها أقل جمالا من غيرها فأزهد في نقلها؟!

طالع الكتاب كله وقل معي

بورك فيك يا أستاذنا الأرناءوط! بورك فيك ثلاثاً باسم الحب وباسم الشعر وباسم البطولة. . . وبورك فيك باسمنا نحن الذين وهبت لنا ساعات لذيذة ودنياوات حلوة

أي مؤلف (عمر بن الخطاب)!

سوف ألقاك فأراك غير ما كنت أراك لأنك ستسير دائماً في موكب من الأبطال الذين بعثت فيهم الحياة. وسنشعر جميعاً أن روحك ليست غريبة عن روح أبطالك، فلولا أن سكبت فيهم من قلبك ومن فكرك لما كان كتابك خالداً

إن حياة كتابك من كتاب حياتك

حياتك الشاعرة!

منير العجلاني

رئيس تحرير القبس