مجلة الرسالة/العدد 159/وراء البحار

مجلة الرسالة/العدد 159/وراء البحار

مجلة الرسالة - العدد 159
وراء البحار
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 20 - 07 - 1936


تأليف محمد أمين حسونه

بقلم محمود عزت موسى

أتيح لي منذ أيام أن أقرا الكتاب الذي ألفه وأصدره أخيراً صديقي الأستاذ محمد أمين حسونه واسماه (وراء البحار)؛ وفي هذا الكتاب رحلة المؤلف إلى اليونان وتركيا ورومانيا والنمسا والمجر، وقد عني بطبعه عناية فائقة فجاء مثالا بديعاً للذوق الرقيق.

وليست هذه هي المرة الأولى التي أتيح لي فيها أن أقرأ للأستاذ حسونه، فأنا أقرأ له منذ صدر حياتي الأدبية، وقد التقت أقلامنا على صفحات السياسة الأسبوعية في عام 1929 وفي ذلك الحين أيضاً التقت صداقتنا؛ ولقد قرأت له كتابه الأول (أشبال الثورة)، وهي الرواية التي استهل بها أدبه القصصي، ثم قرأت له (الورد الأبيض)، وهي المجموعة القصصية التي جعلته في طليعة أدباء الشباب، ولعلني استطعت من خلال تلك القراءات كلها أن أتعرف على أسلوبه وأدبه، ومن أجل هذا كله كنت أود أن انصف الأستاذ حسونه أكثر مما أنصف نفسه هو فأقول بإن كتابه (وراء البحار) ليس في الواقع إلا قصة طويلة لحياة شاعر في خلال رحلة فنية إلى بلاد تاقت نفسه إليها. . . واستقرت عواطفه في أجمل بقاعها، فراح يصفها لا بلغة المسافر، ولكن بلغة الشاعر، فلم يذهب فيما ذهب إليه الذين سبقوه في وصف رحلاتهم، ولكنه انتحى لنفسه منحى غير الذي ألفه الناس فيما قرءوا. . فلم يحاول أن يكتب عما شغل غيره من كتاب الرحلات في الأوصاف التي يمكن للإنسان أن يجدها بسهولة في كتب السياحات، ولكنه ذهب إلى تلك البلاد حاملاً بين جنبيه تلك النفس الطامحة المضطرمة شباباً ونشاطاً، فتبدو في بعض الصفحات مشبوبة حارة ملتهبة تفيض خيالاً وعذوبة، والتي تغزوها الآلام والأحزان فتبدو في انقباضة القلق الحائر. وانه ليحلو لي أن اصف نفسية الكتاب، ولا أتناول فصوله فصلاً فصلاً تناول الذي يمسك مبضعه ليقيم نفسه جراحاً - أو جزاراً - على عمل أدبي، يحلو لي أن أصف نفسية الكتاب لأنني أعتقد باني قد ألفيت فيه وحدة فنية قائمة بذاتها، ترتكز على شخصية واحدة، هي شخصية المؤلف؛ وهذه الوحدة الفنية تجعلني أرى أن المؤلف إنما عمد إلى رحلته بدافع الاستمتاع الذهني والقلبي في وقت واحد، فوفق. ولم تذهب هذه الشخصية عنه في أية لحظة، بل هو يصفها دافع الإعجاب، ولكن بشخصية، أو بمعنى آخر بقومية، ومن هنا ترتقي مكانة الكتاب عندي، لأنه يقول في معرض حديثه عن الأكروبول. . . (ولكن أين ربوات الأكروبول من ساحل طيبة الخالد على مر الدهور، أو من مهابة الأهرام ومعابد الكرنك وقصور فيلي؟ تلك الكاتدرائيات الفرعونية العظيمة التي شيدتها ونقلت جلاميدها الصخرية الهائلة الأيدي السحرية العجيبة. . . .) أو عندما يذكر (أذكر أني قابلت في أحد المطاعم (في أثينا) جندياً في الجيش كاد يبكي وهو يحدثني بالعربية في السعادة التي تنعم في أعطافها يوم أن كان يعمل (جرسونا) بمقاهي القاهرة الكبرى. . . .) (ويستطرد في القول). . . وأحسب انه نتيجة عطف أولته مصر لأبناء هذه البلاد منذ انبثق فجر التاريخ. فقديماً لقنهم المصريون أسرار الحكمة وأصول التشريع وزودهم بأسلحة من العلم واستقامة الفهم، فذاناؤس وككرلس وفيثاغورس شهب ثاقبة في سماء الثقافة الإغريقية، لكنهم لم يزيدوا على أن يكونوا مصريين. .) وكما يبدو في حديثه عن الإسلام وسلاطين آل عثمان في خلال وصفه لاستامبول، وهذه الظاهرة الفريدة في الكتاب تجعلني أسجلها مغتبطاً

قد كنت أؤثر أن يحدثنا - فوق ذلك - الأستاذ حسونه عن تلك البقاع التي زارها أحاديث تتناول صميم الحياة هنالك، عن وسائل رقيهم، وصناعاتهم، ونظم الجمعيات الهامة فيها، والروح الفردية في تلك الأمم، ونواحي الضعف في جماعاتهم، وأسبابها، والظواهر التي يلمحها في أنظمتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وأن يتناول بالبحث الانقلاب الكمالي من جذوره في زيارته لتركيا ليصف ويقرر الحقائق التي لا يمكن للقارئ أن يجدها في الصحف لاعتبارات شتى، وأحسب أنه قد لمح إلى ذلك تلميحاً خفيفاً فهل فعل ذلك عن عمد؟ احسب ذلك. ولكنني أرجو أن يوفق إلى ذلك في كتابه المقبل، في صراحة تامة؛ فبلادنا في عصر نهضة، ولنكن حطب هذه النهضة، وكلما زدناها ناراً ازدادت اشتعالاً ونوراً وارتفاعاً، ولن يكون ذلك إلا إذا أفرغنا في سبيلها الجهد كل الجهد وعنينا بتوضيح كل ما يفيد هذه لنهضة ويوطد دعاماتها.

محمود عزت موسى