مجلة الرسالة/العدد 159/دانتي الليجيري والكوميدية الإلهية وأبو العلاء

مجلة الرسالة/العدد 159/دانتي الليجيري والكوميدية الإلهية وأبو العلاء

مجلة الرسالة - العدد 159
دانتي الليجيري والكوميدية الإلهية وأبو العلاء
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 20 - 07 - 1936

المعري ورسالة الغفران

نفينا في كلمة سالفة أن يكون دانتي الليجيري قد تأثر في كوميديته برسالة الغفران لأبى العلاء، ورجحنا أن يكون قد احتذى ملحمة (الأنّييد) للشاعر الروماني الخالد فرجيل، وأن تكون ثقافته الكبيرة واطلاعه الواسع على الأدبين المسيحي والإسلامي، ثم إلمامه بالأدب الإغريقي القديم قد شقق له فجاج الخيال فاستطاع أن يضفي على كوميديته ظلالاً عبقرية جذابة من أشتات هذه الثقافات. فمن الأدب المسيحي استمد إيمانه الذي تفيض منه الكوميدية، واقتبس من رؤيا يوحنا اللاهوتي أمواهاً لون بها فصوله؛ ومن قراءاته الإسلامية - وأهمها القرآن - أفترض أخيلةً للجحيم خصبة قوية ارتفع بها إلى ذروة الأدب السامي الرفيع. . . أما من الأدب الإغريقي القديم فسنرى أن دانتي - أما بالذات وأما بالوساطة - قد قبس قبسة أسطورة أورفيوس وقبسة أخرى من هرقل وقبسات غير هذه وغير تلك من الأساطير التي تتناول الدار الآخرة (هيدز)

على إن ملحمة الانييد لفرجيل هي التي أوحت إلى دانتي فكرة الكوميدية. وقد رجعنا إلى الفصل الطويل الممتع الذي كتبه (بوكاشيو) عن مواطنه، وقرأنا كذلك ما كتبه الأستاذ فلبو فللاني في مجموعته وما كتبه الأستاذ العلامة ج. أ. سيموند عن دانتي، والمقدمة التي كتبها إدمند. ج. جاردنر للكوميدية (ترجمة كاري سنة 1908)، ثم الفصل الطريف الذي عقده الأستاذ رتشارد جارنت عن دانتي في كتابه (تاريخ الأدب الإيطالي ص24 - 52) فتأكد لنا إن دانتي كان معجباً إلى غير حد بالشاعر الروماني فرجيل وأنه كان يحفظ الكتاب السادس من الأنييد عن ظهر قلب، وأن هذا الكتاب السادس (الذي سنلخصه للقراء) من الأنييد إن هو إلا صورة مصغرة لجحيم دانتي مع فارق الغاية واختلاف المقصد بين كل من الشاعرين

أما أسطورة المعراج الملفقة التي لفتتنا إليها الرسالة، والتي خال بينها وبين الأساطير التي نحن بصددها علاقة أستاذنا الجليل صاحب (ذكرى أبي العلاء) فلنا فيها رأي سنذكره عند الكلام عن فردوس دانتي وعن جحيمه أيضاً

ولتشعب البحث نرى أن نضع بين يدي القارئ خلاصات موجزة لكل من رسالة الغف (مع صور للجنة والجحيم من القرآن الكريم)، ورؤيا يوحنا اللاهوتي، وبعض مجازفات أوليسيز من (الأوديسه)، وأسطورة أرفيوس، ورحلة هرقل إلى هيدز، والجزء السادس من أنيد فرجيل، ونتبع ذلك بخلاصة لكوميدية دانتي بأجزائها الثلاثة: الجحيم، والمطهر، والفردوس، ثم نقفي بمقارنة تاريخية لن تضر شاعرنا العربي العظيم في شيء، لأنه ليس ضيراً ألا يكون دانتي قد احتذى مثال أبى العلاء أو قلد أسطورة المعراج

1 - رسالة الغفران

أرسل علي بن منصور الحلبي المعروف بابن القارح إلى أبى العلاء رسالة إضافية تستفتيه فيها عن بعض مشكلات النحو والصرف، ثم يبدي (غيضه على الزنادقة والملحدين، الذين يتلاعبون بالدين، ويرومون إدخال الشبه والشكوك على المسلمين، ويستعذبون القدح في نبوة النبيين، ويتطرفون ويبتذئون - إعجاباً بذلك المذهب: (تيه مغن وظرف زنديق). . .) ويلم بأخبار بعض الزنادقة كبشار والقصار الأعور والصناديقي والوليد بن يزيد وأبي عيسى بن الرشيد والجنابي والحلاج وابن أبي العُذافر. . . الخ. . . ويشير إلى النبي ﷺ إشارة لها معناها، ثم يذكر شيئاً عن حجه وأسفاره وتحصيله لعلوم اللغة. . . ويتبسط في الحديث كأنما رفعت الكلفة بينه وبين أبي العلاء فيضع بين أيدينا مفتاح رسالة الغفران. . .

وقد قرأنا كل ما كتبه أدباؤنا عن رسالة أبي العلاء فراعنا أن واحداً منهم لم يعرض لرسالة ابن القارح بكلمة، وراعنا أن واحداً منهم لم يتوفر على دراستها ليدرك العلاقة بين الرسالتين، وكان يؤلمنا أن بعض أدبائنا لم يكن يدري من أمر رسالة الغفران شيئاً إلا إنها تهكم وسخرية بابن القارح؛ مع أنها رجع الصدى لزندقته وإلحاده

قال ابن القارح في ختام رسالته: (كنت بتنيس وبين يدي إنسان يقرأ، ويحزن،: (يُوفون بالنّذْر ويخافون يوماً كان شرُّه مستطيراً؛ ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً؛ إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً؛ أنا نخاف من ربنا يوماً عبوساً قمطريراً؛ فوقاهم الله شر ذلك اليوم، ولقاهم نَضرَة وسروراً؛ وجزاهم بما صبروا جنة وحريراً؛ متكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً، ودانية عليهم ظلالها، وذُللت قطوفها تذليلاً؛ ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قواريرا، قوارير من فضة قدورها تقديراً، ويسقون فيها كأساً كان مزاجها زنجبيلاً؛ عيناً فيها تسمى سلسبيلاً؛ ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رايتهم حسبتهم لؤلؤا منثوراً؛ وإذا رأيت ثم رأيت نعيماً وملكاً كبيراً: عاليَهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحُلُّوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شراباً طهوراً؛ إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكوراً؛ أنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلاً، فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً؛ واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا، ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلاً طويلاً؛ إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون ورائهم يوما ثقيلاً. . . . . .) قال ابن القارح: وكان القارئ يتألم ويبكي، فخطر لي خاطر فقلت: أنا بضد هؤلاء القوم، صلوات الله عليهم!!، أنا لا أنذر، ولا أفي، ولا أخاف شقاء ولا عناء!!)

أفرأيت وسمعت؟! ابن القارح ضد هؤلاء القوم، صلوات الله عليهم، لا ينذر ولا يفي ولا يخاف شقاء ولا عناء!! ومع ذاك فهو من علماء المسلمين الذين يفهمون معاني الآيات، ويعرفون من هم أولئك الأبرار الذين يشربون من كأس كان مزاجها كافورا. . . ابن القارح الذي ذكر في رسالته أنه يغتاظ على الزنادقة والملحدين والطاعنين في الأنبياء بغير الحق لا يهمه أن يكون بضد الأبرار المذكورين في سورة الدهر، ولا يهمه ألا ينذر ولا يفي فلا يخاف عناء ولا شقاء؟!

هنا مفتاح رسالة الغفران!!

ومن اجل ذلك كان عجبنا شديدا كيف أن أحداً من أدبائنا لم يلتفت إلى رسالة ابن القارح ليهتدي إلى الروح التي أملت رسالة الغفران. . لقد طرب أبو العلاء أيما طرب أن وجد أديباً مثله معجباً به يقدر أدبه وفلسفته وآراءه في الحياة والناس ويخاف مثله من مصارحة الناس بما يؤمن فيكتب بهذا الأسلوب المضمر الملغوز الذي يقول في أوله: إني اغتاظ على هؤلاء الزنادقة والملحدين مثل بشار والقصار والجنابي والحلاج ومن إليهم ممن يجدفون في الله وفي كتبه ويشككون الناس في أنبيائه؛ ثم يقول في آخره انه خطر له خاطر حين سمع قارئ سورة الدهر وهو يقرأ ويحزن ويبكي انه بضد هؤلاء الأبرار (صلوات الله عليهم؟!!) لأنه لا ينذر ولا يفي، ولا يخاف شقاء ولا عناء!

طرب أبو العلاء أيما طرب لأنه وجد رجلا مثله لا يؤمن بهذه الجنة التي عرضها السموات والأرض، ولا بهذه الأنهار من لبن وعسل وخمر، ولا بهذه العين السلسبيل، ولا بهؤلاء الولدان المخلدين الذين يطوفون على المؤمنين بأكواب من فضة، ولا بالحور العين. . . ولا يؤمن بما جاء في أول سورة الدهر مما اعد للكافرين من سلاسل وأغلال وسعير. . وإذن، فليكتب أبو العلاء إلى ابن القارح، وليخضع في كتابته إلى ابن القارح لما تسميه السيكلوجية (تداعي المعاني) فيدخل به الجنة. . . ولكن قبل أن يدخل الجنة لا بد أن يبعث. . . وقبل أن يبعث لا بد أن يموت. . وسيلقاه عزرائيل ساعة الموت، فلا بأس من أن يناقشه أبو العلاء مناقشة صرفية فكهة مضحكة، فإذا دخل القبر وأغلق عليه وجاء الملكان منكر ونكير فأي بأس من أن يجادلهما كما جادل عزرائيل، فإذا رفعا الأرزبة ليدقا بها عنقه فأي بأس أيضاً من أن يربكهما بمناقشة صرفية عن هذه الآلة المحطمة ليشغلهما قليلاً عن تعذيبهما إياه. . . ثم أي بأس أيضاً من أن تستمر هذه المناقشة الصرفية في كل مكان من البعث، إلى أسوار الجنة، إلى الصراط، إلى داخل الجنة نفسها، إلى جهنم. . . الخ أليس قد أراد أبو العلاء أن يشارك ابن القارح سخريته؟ فلم لا يشاركه دعابته؟ ولم لا يداعبه تلك المداعبة المضحكة بشرط ألا يفهم أنها دعابة إلا ابن القارح، فإذا قراها رجل غير ابن القارح وكان عارفاً باللغة وأسرار نحوها وصرفها راقه ذلك التحقيق الفقهي لتصريف تلك الكلمات التي لا يسمن تصريفها ولا يغني من جوع من مثل (عزرائيل وملك وإرزبة وجهنم. . . الخ. . .) فإذا كان القارئ مؤمناً ورعاً يسره الحديث عن الجنة وملاذها ويخيفه الحديث عن جهنم وآلامها شاقه حديث الرسالة عن متع الفردوس، وهذا الإوز الذي ينتفض فيكون حورا عينا بإذن الله، وسمك الحلاوة الذي يسبح في أنهار الخمر والعسل واللبن والأري. . . وأخافه ما يرى في السعير من صنوف المجرمين الكافرين الذين كذبوا بيوم الدين. . . وما يكذب به إلا كل معتد أثيم. . .؟!

وقد طرب أبو العلاء أيضاً، وازدادت ثقته بصاحبه لأنه عرف فيه رجلاً يعطف مثله على الحيوان. . . . . لأنه (حدثه من يثق به وكان زاهداً (!) قال: كنت مع أبي البكر الشبلي ببغداد في الجانب الشرقي بباب الطاق، فرأينا شاوياً، وقد اخرج حملاً من التنور، وإلى جانبه قد عمل حلاوي فالوذجا، فوقف ينظر إليهما، وهو ساه مفكر، فقلت: (يا مولاي! دعني آخذ من هذا وهذا ورقاقاً وخبزاً، ومنزلي قريب، تشرفني بأن تجعل راحتك اليوم عندي، فقال: (يا هذا، أظننت أني اشتهيتهما؟ وإنما فكري في الحيوان كله!! لا يدخل النار إلا بعد الموت. . . ونحن ندخلها أحياء!)

إذن، فليطمئن أبو العلاء إذا كتب إلى ابن القارح، وليطف به من البرزخ إلى المحشر إلى الصراط، ولتحمله وصيفة فاطمة الزهراء إلى داخل الجنة (زقفونة)! وليجذبه إبراهيم إلى الجنة رغم أنف رضوان. . . ولتكن هذه الحياة الأخرى مهزلة وملهاة مضحكة سواء أفي الجنة أو في الجحيم. . . وليحرض إبليس زبانية جهنم على جذب ابن القارح ليكون معه في بطن سقر. . . . . وليتقارض هذان الساخران الملحدان الضحك على المؤمنين وإله المؤمنين وأنبياء المؤمنين وجنة المؤمنين. . . . . وليتقارضاه آمنين مطمئنين فليس كل الناس بقادر على أن يدرك انهما يستهزئان بكل ذلك. . . . . بل كل الناس ستكبر أدب ابن القارح أدب أبى العلاء. . . . لأن ابن القارح (يغتاظ على أولئك الزنادقة الملحدين مثل بشار والقصار والجنابي والحلاج لأنهم يجدفون في الله وينكرون أنبياء الله ويكفرون بكتب الله ويشككون الناس في كل ذلك)، ولأن أبا العلاء قد أعطاهم صورة من الجنة تزيد المؤمنين إيماناً على إيمانهم وصورة من الجحيم تزيدهم منها خوفاً فوق خوفهم. . . وليفرح النحاة بابي العلاء لأنه حل لهم ألغازاً من الصرف والنحو لم يكونوا قادرين عليها، وهي عند أبي العلاء ضرب من الهذيان لا غناء فيه

على أن أشياء أُخر في رسالة أبي القارح تشعر القارئ برقاعة وفجور لا يدلان إلا على زندقة وفسق، ونفس خبيثة لا تتوقر، ولسان بذيء ينفث الفحش، وفم يقيئ الدنس. . . اقرأ هذه النبذة التي دسها ابن القارح من غير ما مناسبة اقتضتها في رسالته: (دفع رجل إلى صديق له جارية وأودعها عنده وذهب في سفره، فقال بعد أيام لمن يأنس به وتسكن نفسه إليه: يا أخي! ذهبت أمانات الناس! أودعني صديق لي جارية، في حسابه أنها بكر، جربتها فإذا هي ثيب!!)

وهو قبل ذلك يشكو إلى أبي العلاء انصرافه عن طلب العلم وانغماسه في الأغراض البهيمية وانه قبل أن يجيء إلى مصر كان يذاكر خمسين ورقة كل يوم، ولكن الأغراض البهيمية التي عرفها في مصر وانغمس فيها ثمة صرفته عن جده ومثابرته فهو لا يذاكر إلا خمساً ومع ذلك تكل عيناه في تحصيلها على قلتها. .

وحديث ابن القارح عن الزنادقة حديث الهازل غير الجاد. . حديث (المستملح) لما كان يصدر عنه هؤلاء الزنادقة من عتو وإلحاد والتماس الرفد والتوسل إلى المنفعة بالتدين. . وقد اشتهر عن أبى العلاء نفسه انه كان يتهم الأنبياء بمثل ما اتهم به ابن القارح الزنادقة من هذا الالتماس للرفد عن طريق الدين، واللزوميات تفيض بشواهد كثيرة على ذلك

ونحن لا ندري لم حشد ابن القارح هذا الحشد الكثير من الزنادقة في رسالته، وألم فيها بشر ما كان يصدر عنهم من تسفيه الانبياء، وسب الخلفاء، والتبرم بالإسلام والمسلمين؟ أليس كان يشير أبو العلاء إلى كثير مثل هذا في لزومياته؟

أسمع إلى هذا الرجل من يهود خيبر يعرض بموسى ويستهزئ بعمر حين أجلى أهل الذمة عن جزيرة العرب:

يصول أبو حفص علينا بِدِرّة ... رويدك إن المرء يطفو ويرسب

كأنك لم تتبع حمولة مأقطٍ ... لتشبع، إن الزاد شيء محبب

فلو كان موسى صادقاً ما ظهرتمو ... علينا، ولكن دولة لم تذهب

ونحن سبقنا كم إلى المين فاعرفوا ... لنا رتبة البادي الذي هو أكذب

مشيتم على آثارنا في طريقنا ... وبغيتكم في أن تسودوا وترهبوا

واسمع إلى الذي يسب أبا بكر لشدة ما نالته منه فرحل إلى بلاد الروم:

لحقت بأرض الروم غير مفكر ... بترك صلاة من عشاء ولا ظهر

فلا تتركوني من صبوح مدامة ... فما حرم الله السلاف من الخمر

إذا أمرت تيم بن مرة فيكمو ... فلا خير في أرض الحجاز ولا مصر

فإن يك إسلامي هو الحق والهدى ... فإني قد خليته لأبي بكر!!

وهكذا يحشد ابن القارح في رسالته كل ذلك الفحش من أقوال الزنادقة وهو يعرف أن أبا العلاء قد قال مثل ذلك في لزومياته، فكأنه قصد إلى أن يغني على عوده ويضرب وراء هواه،. . . ولا ينفعه بعد ذلك سبه لهؤلاء الزنادقة، هذا السب الذي يكاد يكون رشقاً بالورد وتحية بالريحان وتزويراً على القارئين

وبعد فموضوعنا دانتي وأبو العلاء، وهذا حديث طويل عن ابن القارح.،. ولكنه حديث عن السبب في كتابة رسالة الغفران سنحتاج إليه حين نتكلم عن السبب في كتابة الكوميدية الإلهية ولنختم هذا المقال بذيل عن رسالة الغفران ليكون بين يدي القارئ خلاصة خاطفة لها:

دخل المعري بصديقة ابن القارح جنة الفردوس، فركب نجيبا ينتقل عليه في آفاقها، ثم طفق يطوف على أهلها ممن غفرت لهم خطاياهم في الدار العاجلة ببيت شعر أو كلمة طيبة، وترك المعري لخياله عنانه الطويل فتفنن ما شاء في وصف حور الجنة وأنهارها وألوان نعيمها. . . ويلقى ابن القارح تميم ابن أبي الشاعر فيسأله عن أبيات كان قد قالها، ثم يتشقق الحديث فيقص ابن القارح على تميم قصة بعثه وهول المحشر ثم حديثه مع رضوان وزفر، ووروده على الحوض المورود ولقائه فاطمة بنت النبي واستشفاعه بها وجذب إبراهيم بن النبي إياه فيكون داخل الجنة. . .

ويعود ابن القارح إلى محاورة أهل الفردوس ممن غفر لهم ويطوف بحدائق الحور ثم ينفتل إلى جنة العفاريت فيحدثه أهلها بأعجب الأحاديث. . . ويشتاق إلى الاطلاع على أهل الجحيم، فيتحدث إلى الخنساء (والعجيب وضعها في النار مع حسن إسلامها ووضع اشد الكفار عتوا في الجنة!!) ويتحدث إلى إبليس والى طائفة كبيرة من شعراء الجاهلية. . . ثم يعود إلى الفردوس فيتحدث إلى آدم. . . ويخلص إلى جنة الرُّجاز. . . ويختتم الكوميدية بوصف بارع لنعيم الخلد. . . .

(يتبع)

د. خ