مجلة الرسالة/العدد 166/صور سياحة

مجلة الرسالة/العدد 166/صور سياحة

ملاحظات: بتاريخ: 07 - 09 - 1936



منشن

مهد الحركة الاشتراكية الوطنية

(بقلم سائح متجول)

كانت العاصمة الألمانية تغص منذ شهر يوليه بمئات الألوف من الزائرين الذين اجتذبهم موسم الألعاب الأولمبية؛ ولهذا السببذاته لم تجذبنا برلين الزاخرة إليها، ولم نر في الألعاب الأولمبية وضجيجها ما يؤذن بالإقامة الهادئة؛ لذلك تركنا برلين وضجيجها، وآثرنا أن نمضي أياماً في بافاريا وعاصمتها مِنشِن (ميونيخ) مهد الاشتراكية الوطنية، ومبعث المبادئ والنظم التي تسود ألمانيا منذ أربعة أعوام.

إن أول ما يلفت نظر الزائر لألمانيا الجديدة طابعها الاشتراكي الوطني أو بعبارة أخرى طابعها الهتلري؛ ففي كل مكان تخفق الأعلام النازية الضخمة بكثرة مدهشة، وفي كل مكان تعلق صورة (الزعيم) (الفيرر)؛ وفي كثير من الأمكنة العامة مثل دور البريد والبنوك تعلق لوحات عليها ما يأتي: (تحيتنا: ليحي هتلر!) ويحمل الأفراد الشارات النازية بكثرة، على صدورهم وأذرعهم، وفي قبعاتهم؛ وهكذا في كل مكان تشهد كثيراً من المظاهر المادية للطابع النازي (الاشتراكي الوطني) العميق الذي يسود ألمانيا الجديدة.

وليس الطابع المعنوي لهذه الظاهرة أقل قوة ووضوحاً؛ ذلك أن الزائر الذي يلاحظ عن كثب يشعر بأنه يعيش في أفق عميق من المبادئ الجديدة، ويخيل إليه أن ألمانيا كلها تتنفس هذا الريح الجديد الذي نفثته فيها الحركة الهتلرية. ولست بحاجة لأن تتحدث مع أحد لتأنس هذا الشعور وإنما تشعر به من تلقاء نفسك شعوراً قوياً تنفثه فيك ألمانيا الجديدة في كل مكان.

ولا ريب أن من الصعب أن نتبين ما وراء هذه المظاهر، وما تختلج به الصدور؛ ذلك أن ألمانيا الجديدة تنطق كلها بلسان واحد، ومن أشد الخطر أن يكون لأحد رأي على رأي أولئك الذين يقودونها؛ وليس في ألمانيا صحيفة واحدة تستطيع أن تلاحظ أو تعلق، والصحافة الألمانية كلها لسان واحد لما يرسمه القادة من الآراء والملاحظات.

هذا أول ما يلاحظ الزائر المتأمل في ألمانيا الجديدة. ولقد كانت منشن مهد الحركة الاشتراكية، وفيها بزغ نجم هتلر وصحبه، وهي لذلك أشد العواصم الألمانية حماسة للزعيم ومبادئه. وما زالت منشن في الواقع قبلة الاشتراكية الوطنية، ومستودع آثارها وذكرياتها؛ وإليها يحج أولئك الذين يعبدون المبادئ والذكريات من كل فج ليقفوا خاشعين أمام الهياكل والآثار التي أسبغت عليها السلطات نوعاً من القدسية المؤثرة: تلك هي بعض الآثار والذكريات المادية لقيام الحركة الاشتراكية الوطنية، البيت الأسمر وهياكل الضحايا، ودار (لزعيم) أو دار الحزب الاشتراكي الوطني، وهي جميعاً تقع في (ميدان الملك) وفي شارع منعزل هادئ يسمى شارع (أرسيس). ولقد شهدنا هذه الآثار السياسية التي عدت رمز التقديس في ألمانيا الجديدة لأنها ترتبط أشد الارتباط بتاريخ (الزعيم) وتاريخ الحركة الاشتراكية الوطنية. فأما (البيت لأسمر) فقد كان من قبل مقهى يجتمع فيه الزعيم وصحبه في بداية الحركة، وفيه وضع هتلر نواة حزبه، وفيه أطلق ذات يوم في الهواء رصاصة من مسدسه إيذاناً ببدء الكفاح والسير إلى الظفر؛ وكان ذلك منذ نحو عشرة أعوام، وهتلر وصحبه جماعة مغمورة لا يكاد يشعر بوجودها أحد. فهذا المقهى القديم يغدو اليوم أثراً يحج إليه، ويحرسه الجند شاهري السلاح. وعلى مقربة من البيت الأسمر يقوم هيكلان متقابلان عليهما مظاهر البساطة والروعة معاً، قد صفت في فناء كل منها ثمانية توابيت متقابلة تحوي رفات أولئك الذين سقطوا من أعضاء الحزب الوطني الاشتراكي في المعارك والمحاولات الأولى؛ وقد كتب على كل تابوت منها: (الإنذار الأخير) ثم اسم صاحب الرفات؛ وإن منظر هذه التوابيت المصفوفة في العراء لما يبعث الخشوع والروعة معاً؛ ولقد رأيت الجموع تدنو منها كما تدنوا من الحرم المقدس، وتلقي التحية النازية ببسط الذراع، والوجوه خاشعة، والرؤوس محنية، والصمت العميق يسود المكان: تلك هي مظاهر القوة السياسية الظافرة يسبغها الظافر على ذكريات ما كانت لتكون شيئاً لولا أن توجها الظفر الباهر.

وعلى مقربة من الهياكل أقيمت دار جديدة ضخمة تسمى بدار الزعيم، لتكون مقراً لإدارة الحزب الاشتراكي واجتماعاته.

فأما عن الحياة الاجتماعية في منشن فيمكن أن يقال إنها صورة حقيقية للحياة الاجتماعية الألمانية. ومنشن مدينة ضخمة، ولكن يبدو عليها كثير من آثار القديم، في شوارعها وفي مبانيها، وما زالت بها عدة أبواب من آثار العصور الوسطى. وفنادق منشن عديدة، ولكن ينقصها شيء من الأناقة وحسن لتنسيق. على أن أروع ما في منشن مطاعمها وبيرها الضخمة التي لا تضارعها أية أمكنة أخرى في أوربا: (ليفن بروي) (ماتيزن بروي) (توماس بروي) (منشنر بروي) وكثير غيرها؛ وإنك لتدخل أحد هذه الأبهاء الشاسعة فيدهشك منظرها ويسحرك معاً. تصور أبهاء هائلة طول كل منها نحو مائة متر أو يزيد، وعرضه خمسون متراً أو يزيد، وقد عقدت عليها منحنيات رائعة، وصفت فيها مئات الموائد، وغصت بآلاف الشاربين والآكلين؛ وأروع ما في هذه الأمكنة القاعات التي تحت الأرض أو الأقبية الهائلة التي تمتد تحت بناء ضخم أو أكثر. وتصور هذه الجموع البشرية المكتظة وهي تحتسي أقداح البيرة؛ وأي أقداح؟ أقداح هائلة من الخزف أو المعدن يسع القدح منها لتراً أو أكثر من البيرة الصابحة اللذيذة، ولا يتجاوز ثمنه قرشين! ثم تصور أطباقاً ضخمة تغص بمقادير وافرة من الطعام الشهي بأثمان معتدلة جداً. وإنك لتشهد الأقداح المزبدة والأطباق الحافلة تنفث الدخان العطر، والحنايا المعقودة والثريات الساطعة فوق رؤوس الجالسين في هذا الرحب الشاسع، والآنسات يهرولن للخدمة - والآنسات يقمن بالخدمة في مقاهي منشن ومطاعمها - ذلك منظر رائع ساحر معاً لا يستطيع السائح أن يشهده في أية عاصمة أخرى.

وأهل منشن يأكلون ويشربون بكثرة؛ والألماني على وجه العموم نهم يفرط في الأكل وفي الشراب في كل وقت، وهو على خلاف الفرنسي لا يحب الأحجام والمقادير الصغيرة، بل يؤثر الأحجام والمقادير الوفيرة في كل شيء. وللطعام الشهي لديه لذة خاصة يستمرئها؛ والطهي الألماني غني بمادته الوفيرة من مختلف اللحوم والخضر وات، ولكنه قليل التنوع؛ أم الطهي الفرنسي فيلاحظ فيه فقر المادة مع كثرة في التنوع.

ومما يلاحظ أن الشعب البافاري لا يتمتع بكثير من التناسق في الجسم والملبس، فهم يرتدون أغرب الأزياء والألوان دون تناسق ولا ذوق؛ ويمتاز الرجال في الغالب بالتكرش والترهل؛ والشباب لا تبدو عليه آيات النضارة كالشباب السويسري مثلاً. وكثير من الشباب يضعون النظارات على عيونهم، بل يضعها كثير من الضباط والجند. ولا يتمتع النساء بكثير من الرشاقة والأناقة وحسن الهندام؛ وقلما تجد حسناء تلفت النظر برائع قوامها أو زينتها؛ وتغلب لديهن ضخامة الصدور، بيد أنهن لا يسرفن في الزينة والأصباغ كالفرنسيات، وهم أميل إلى الحشمة والتحفظ.

وقد قلنا إن منشن مهد الحركة الاشتراكية الوطنية وإنها أشد العواصم الألمانية تأثراً بالروح والمبادئ الجديدة والاشتراكية الوطنية تقوم في جوهرها على الفكرة العنصرية، وعلى الاعتزاز بالجنس؛ وقد بث الغلو في فهم هذه العنصرية إلى الشعب الألماني روحاً عنصرية قوية تقوم من بعض الوجوه على خصومة الجنس؛ ومن ثم فأن الغرباء، ولا سيما الذين تنم عليهم ألوانهم من الشعوب السامية والشرقية يشعرون بأنهم في جو غير ودي. وقد لا يتخذ هذا الشعور أية مظاهر مادية، ولكن ما يلقاه الغريب من مظاهر الأدب والمجاملة يشوبه غالباً شيء من الخشونة والجفاء؛ وقد سمعت هذه الملاحظة من كثير من الأوربيين والأمريكيين الذين تجولوا في ألمانيا. على أنه يمكن أن يقال إن الأجنبي يشعر رغم هذه الظاهرة التي تمازجها الصراحة بأنه في جو أكثر قبولاً مما يأنسه في فرنسا من مظاهر يمازجها الرياء في كل شيء.

ومنشن غنية بالمتاحف الأثرية؛ وفي متحف قصر (الرزيدانس) وهو قصر ملوك بافاريا السابقين، مجموعات بديعة من الصور والأثاث؛ وفي المتحف الوطني مجموعات زاخرة من الأثاث والأسلحة والأزياء والصور الزيتية؛ وتوجد عدة متاحف هامة أخرى أشهرها المتحف الفني الذي يعتبر أعظم متحف في العالم من نوعه. ولا غرو فقد كانت منشن حتى الحرب الكبرى عاصمة لمملكة بافاريا، وكانت مقر ملوكية عظيمة لبثت مدى قرنين تسيطر على ألمانيا الجنوبية؛ وهي ما زالت تعتبر عاصمة ألمانيا الثانية من الوجهة التاريخية والمعنوية.

وتتمتع منشن بموقع جغرافي بديع في هضاب الألب البافارية، وعلى مقربة من الغابة السوداء؛ وقد جعلها موقعها مركزاً هاماً للسياحة في ألمانيا الجنوبية، ولقد كانت المدينة حين زرناها تموج بجموع غفيرة من السياح من سائر الأنحاء ولا سيما البلدان الشمالية مثل السويد والنرويج والدانمارك وهولندا.

هذه صور أملتها الملاحظة والتأمل؛ بيد أنه يمكن أن يقال رغم كل شيء إن السائح يلقى في ألمانيا كثيرً من حسن الوفادة. وقد كان لما وضعته الحكومة الألمانية من التسهيلات بالنسبة لمسألة العملة وتخفيض أجور لسفر أكبر الأثر في تقدم السياحة في ألمانيا.

(* * *)