مجلة الرسالة/العدد 170/البريد الأدبي

مجلة الرسالة/العدد 170/البريد الأدبي

مجلة الرسالة - العدد 170
البريد الأدبي
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 05 - 10 - 1936


المؤرخ الألماني كونراد بورداخ

من أنباء ألمانيا الأخيرة أن المؤرخ الكبير كونراد بورداخ قد توفي في السابعة والسبعين من عمره. وبورداخ من أعظم مؤرخي ألمانيا المعاصرين، وقد اشتهر بالأخص بمباحثه وآرائه في تاريخ العصور الوسطى ونظمها وخواصها الفكرية والاجتماعية، وكان مولده بمدينة كونجزبرج في سنة 1859، ودرس دراسة حسنة في جامعتها ونال إجازة الفلسفة؛ وفي سنة 1884، انتدب للدراسة في جامعة هاله واستمر بها حتى عين أستاذا لتاريخ الأدب الألماني في سنة 1892. وفي سنة 1893 ظهر أول جزء من كتابه الشهير في تاريخ العصور الوسطى المسمى (من العصور الوسطى إلى عهد الإصلاح) فأثار ظهوره اهتماماً عظيماً في دوائر البحث؛ واستمر في إصداره أعواماً عديدة وترجم إلى عدة لغات أوربية؛ وتوفر بورداخ على دراسة هذا العصر دراسة مستفيضة. وكتب عن (لوثر) بطل الإصلاح الديني مباحث عديدة؛ وقام بعدة سياحات ومباحث مختلفة في دور المحفوظات الألمانية لحساب أكاديمية العلوم البرلينية، وأصدر لحسابها أيضاً مؤلفات همبولد، وله في الأدب والحياة الفكرية عدة مؤلفات هامة نذكر منها كتابه عن (فالتر فوجلفايدة) وكتاب (علم الحياة الألمانية) وغيرها.

وفي سنة 1927 أخرج بورداخ أعظم كتبه وأهمها وهو كتاب (الإصلاح والأحياء والحركة الإنسانية) , , ولبورداخ رأي جديد في نشأة حركة الأحياء فهو يرى أنها ثورة عقلية ترجع إلى بواعث روحية عامة، وأن هذه البواعث ترجع إلى الاعتقاد الديني في السمو الإلهي للعالم والحياة، وترجع أيضاً إلى نفوذ الكنيسة وإلى مؤثراتها؛ وفي رأيه أن الكنيسة قد لعبت دوراً عظيماً في تهيئة أسباب الإحياء الفكري؛ وقد تناول بورداخ في كتابه بالبحث المستفيض خواص الحياة العقلية في القرن الخامس عشر وأوائل القرن السادس عشر، وألقى ببحثه كبير ضوء على سير حركة الإحياء الأوربي.

كتاب جديد عن مصر

المسيو كلود آفلين من كتاب فرنسا الشبان، وهو السكرتير المساعد لنادي القلم الفرنسي؛ وقد زار مصر منذ نحو عامين، ورأى أن يكتب عما شاهده في هذه البلاد، فوضع عن مشاهداته كتاباً صدر أخيراً في باريس وعنوانه: (النزهة المصرية)

ومسيو آفلين كاتب ذلق خفيف الروح، ولكن الوقار يطبع أسلوبه؛ فهو قد كتب عن مشاهداته في مصر مجلداً يبلغ نحو ثلاثمائة وخمسين صفحة، وضمنه كثيراً من الملاحظات والنكت الظريفة، ولكنه لم يدع في كتابه أنه أصبح بهذه الزيارة أعرف الناس بمصر والمصريين، بل هو يصارحنا في مقدمته بأنه يكتب متهيباً لأنه لم يحسن معرفة مصر، وأن مصر لا تعرف في زيارة أو زيارات، وإنما لا بد لمعرفتها من وقت ودراسات كثيرة.

ومما يجدر ذكره أن مسيو آفلين لم ينحدر إلى شيء من ذلك الإسفاف الذي رأيناه في كتابات بعض الفرنسيين الذين زاروا مصر في العهد الأخير، ولا سيما فرانسيس كاركو الذي يصور مصر في كتاباته أقبح تصوير، ويزعم أنها من أكبر مراكز البغاء في العالم، ولا يجد لأحاديثه سوى المواخير والمنازل السرية والمقابلات الغرامية المزعومة مع بنات الباشوات. . . الخ؛ هذا الإسفاف الذي ينحدر إليه فرانسيس كاركو وأمثله يتعفف عنه مسيو آفلين غاية التعفف، ولا يطالعنا إلا بأحاديث شائقة ظريفة تفيض عطفاً وحباً.

سفينة جوية هائلة

يظهر أن عجائب الاختراع البشري لن تقف عند حد، وأننا قد نشهد في المستقبل القريب سفناً جوية جبارة تشق جو المحيط، كما نشهد اليوم السفن المائية الجبارة تشق عباب المحيط؛ ففي أنباء أمريكا الأخيرة أن المستر شولر كلنهانز مهندس الشركة الجوية الكبرى التي أنشأت أهم وحدات الأسطول الجوي التجاري الأمريكي، قد وضع تصميماً جديداً لسفينة هوائية جبارة لا تقل في حجمها عن سفينة بحرية حقيقية.

وقد شرح المستر كلنهانز تصميمه أمام مجمع العلوم الجوية في سان فرنسيسكو، وقال إن تكاليف السفينة الجديدة تبلغ نحو أربعة ملايين جنيه، وأنها تستطيع أن تخترق المحيط من نيويورك إلى ليفربول في إحدى عشرة ساعة فقط، ويستغرق صنعها على الأقل أربعة أعوام من العمل المتواصل.

ويقول المستر كلنهانز إن الأمر ليس خيالاً وإنما هو مشروع علمي قتل بحثاً ودرساً من الوجهة الفنية، وتأكدت صلاحيته وإمكان تحقيقه بالتجارب العلمية، وسيكون وزن السفينة الجديدة نحو 1500 طن، وطولها نحو 375 قدما، ومحيطها نحو 550 قدماً، وسيجهز محركها بقوة مائتي ألف حصان، ويمكن أن تحمل مائة عامل ومهندس، وخمسمائة راكب، وخمسمائة طن من الوقود لتكفي اختراق المحيط، وخمسة وعشرين طناً من العفش.

وتطير هذه السفينة الجبارة بسرعة ثلاثمائة ميل في الساعة، وعلى ارتفاع اثني عشر ألف قدم.

ويقول مستر كلنهانز في ختام تقريره إنه يكفي وجود المال اللازم ليخرج مشروعه في الحال إلى التحقيق العملي.

وفاة كاتب روسي كبير

توفي أخيراً في براج عاصمة تشيكوسلوفاكيا الكاتب والقصصي الروسي الكبير فاسيلي نميروفتش دانشنكو بعد حياة طويلة حافلة؛ وكان مولد هذا الكاتب الذي يمثل العهد القديم بكل ما فيه منذ ثلاثة وتسعين عاماً؛ وكان بدء ظهوره في عالم الأدب منذ خمسة وستين عاماً أيام الحرب الروسية التركية، إذ كان جندياً ملتحياً، وكان يكتب في الصحف الروسية فصولاً شائقة عن الحوادث العسكرية التي شهدها؛ واستمر دانشنكو أعواماً طويلة على وصف الأحداث والمغامرات العسكرية حتى أصبحت له في هذا النوع من الكتابة براعة خاصة؛ وكان له في النظم جولات حسنة؛ حتى كان يلفت الأنظار بقصائده الحربية، وكان مثله الأعلى في الشعر الشاعر الإنجليزي الكبير (بيرون) حتى سمي فيما بعد (بيرون روسيا) وذاعت شهرة دانشنكو بنوع خاص حينما أخرج قصته (نسر الجبل)

وكان لدانشنكو في بلاد البلقان شهرة خاصة لأنه حارب من أجل حرياتها ضد الترك؛ وفي سنة 1923، ذهب إلى بلغاريا لمناسبة احتفالها بعيد استقلالها الخمسيني، فاحتفت به احتفاء عظيماً، وكان يومئذ في الثمانين من عمره، ولكنه كان شيخاً وافر النشاط والإنتاج.

وكان دانشنكو يعيش في أيامه الأخيرة في تشيكوسلوفاكيا متريضاً متشفياً حتى وافاه الأجل المحتوم.

أسبوع المؤلفين

قام نادي القلم في زيلندة الجديدة بمشروع طريف لترويج الكتب، سماه (أسبوع المؤلفين) وخلاصة المشروع أن تعرض مؤلفات الكتاب وصورهم مدى أسبوع في المدن الهامة مثل ولنتون العاصمة وكريستشرشي ودندين وغيرها. وقد افتتح الحاكم العام هذا المعرض الأدبي وألقى خطاباً رسمياً؛ وألقى آخرون من أكابر الكتاب خطباً أخرى؛ وكانت النتائج باهرة، إذ كانت المعارض في جميع المدن تغص بالزائرين والمشترين؛ وقد بيعت كميات كبيرة من الكتب في مختلف الفنون.

وتلاحظ جريدة التيمس الأدبية التي ننقل عنها هذا الخبر، أن لهذا المشروع فوائد معنوية عظيمة فوق فوائده المادية؛ ذلك أنه يبث إلى الجمهور روح التشجيع للحركة الفكرية، ويعاونه على الاطلاع على مداها وعلى حسن تقديرها. فهل لكتابنا أن يفكروا في تنظيم أسبوع (للمؤلفين المصريين)؟

معركة العقائد في ألمانيا

تضطرم في ألمانيا منذ قيام الحكم الهتلري معركة دينية خفية بين النظم الجديد وبين الكنيسة البروتستانتية؛ ذلك أن شعائر النظام الألماني الجديد تميل إلى الوثنية والجرمانية القديمة، ويرى قادة ألمانيا الجدد أن يسحقوا كل نفوذ للكنيسة في حياة ألمانيا العامة. وترى الكنيسة من جانبها أن هذه السياسة خطر على نفوذها وعلى العقائد التي يرتكز إليها هذا النفوذ، وتحاول أن تقف في وجه النظام الجديد. وفي أنباء ألمانيا الأخيرة أن السلطات الكنسية في بروسيا وبافاريا وبعض أقاليم أخرى أذاعت من منابرها خطاباً على المؤمنين تطلب فيه إليهم ألا ينزلوا عن تعاليم النظام الهتلري وأن يحرصوا على عقائدهم من الفساد والدنس. وقد وقع هذا الخطاب الأسقف كوخ أسقف أومينهاوزن والأب مولر رئيس كنيسة دالهم. ويقول الخطاب إن التعاليم الهتلرية تنافي تعاليم الإنجيل والمسيح. وقد اهتمت الحكومة لهذه الحركة الجديدة من جانب الأساقفة وذاع أنها تنوي دعوة البرلمان إلى الانعقاد في مدينة ورمس حيث ظهر لوثر أيام اتهامه بالكفر، وحيث أحرق الأوامر البابوية. وهكذا نرى أن المبادئ الهتلرية ما زالت تصطدم من بعض نواحيها بالمبادئ والعقائد القديمة.

دور العذاب

تعتبر ملاجئ الأحداث والعجزة في الأمم المتمدنة من مظاهر الرقي الإنساني. وفي فرنسا كثير من هذه الملاجئ. ولكن كاتباً كبيراً هو مسيو الكسي دنان نشر أخيراً كتاباً عن هذه الملاجئ. سماه (دور العذاب) ذلك لأن الملاجئ تعتبر في نظره جحيماً للأحداث، ولا تشرف السلطات التي تقوم على إدارتها، وهو يصف لنا النظم العسكرية الشائنة التي تفرض على الصغار في هذه الدور، ويقول إنها أشنع ما يمكن ما تصوره، وأسوأ ما يمكن أن يؤثر في هذه النفوس الناشئة؛ ويقارن المؤلف هذه الحالة السيئة بما تتخذه بعض الأمم الأخرى ولا سيما بلجيكا لتقويم الأحداث وإصلاحهم. وقد كان لنشر هذا الكتاب وقع عميق لدى السلطات ذات الشأن.

جبل الأهرام

تكاد لا تجد في مصر مثقفاً يجهل قرية من قرى لبنان، ولا خميلة من خمائله، ولكنك تجد في إخواننا أدباء لبنان مَن لا يعرف إلى اليوم أن كانت الأهرام جبالاً أو قبوراً! فقد قرأنا للسيد فاضل سليم عقل مقالاً يتهم فيه أديبين مصريين بأنهما سرقا في مقدمتهما لرحلة ابن بطوطة مقدمة كتبها الأستاذ فؤاد البستاني لهذه الرحلة. ويقول في آخر مقاله: (وقد كنت أرغب شخصياً من كل قلبي أن أنقل نص المقدمتين إلى هذه الصفحة، حتى يطلع القراء كلهم على هذه الجناية. . . ويحكموا بأنفسهم، بعد التفكير والاختبار، لا بعد الهوس والتطبيل، في المستوى الأدبي، والزعامة لأدبية، التي لا تزال حائرة بين جبل الأهرام الخجول وقمم لبنان الشامخة. . . .).

وحسبنا من التعليق على هذا الكلام أن نعتب على السيد الكاتب أنه لم يقرأ تاريخ مصر، ومصر على (ضعفها في الأدب) لا تزال أقوى جزء من أجزاء الوطن العربي الأكبر!!