مجلة الرسالة/العدد 170/السعادة

مجلة الرسالة/العدد 170/السعادة

ملاحظات: بتاريخ: 05 - 10 - 1936



(لا أراك إلا مكباً على كتب الدراسة فلهذه وقت وللراحة أويقات، وهذا انهماك قد يودي بصحتك وأنت ما تزال طفلاً، هلا تذهب معي إلى الشيخ، إني أعتزم زيارته الآن).

هكذا فاجأني أخي الأكبر، ولم تكد شفتاه تنفرجان عن آخر كلمة حتى ألقيت ما بيدي جانباً، وسارعت للحاق به نطوي سهولاً واسعة نغذّ السير على الأقدام، بينما ترسل الشمس علينا شواظها لهيباً لافحاً، وقدماي تغوصان برمال محرقة تجعل مشيتي بخطوات لا اتزان بها.

وما إن تراءت لنا تلك البناية، وهي تقوم على أكمة جرداء تشرف على جانب من سهول قفراء حتى عاودني نشاطي، بيد أن أخي استحثني أيضاً فلوح إليّ بالشجرة التي تبدو إلى جانب الدار وإلى اللجوء إليها من شعاع الهاجرة اللاذع.

وبرز إلينا رجل استفزه هرير الكلب الملح، وإذ عرفنا أومأ إلى كلبه فتنحى إلى ركن أقعى خافتاً عواءه، كأنه يتلمس عذراً.

رحب بنا مضيفنا العجوز واحتوانا مجلس وثير، وثير بفراش يتألف من حصير تعلوه وسادة ومخدتان، فتراخت أعصابي بهدوء حيث الاستمتاع بفيء عميق، تلاشى معه عنت السفر.

وانطلقت عيناي كأنهما تبحثان عن شارد في نواحي هذا المنزل الظليل وفيما احتواه من أثاث بسيط، وإلى هدوء هذا الشيخ ووقاره. إنه منزل رحيب ولو أنه مكون من غرفة واحدة تحيط بها أكوام الأحجرة الدائرة من آثار القرون الأولى، لا يتصل بها من عمران سوى هذا المغار المعد لمأوى عنيزاته، وهي تبلغ العشر عداً.

وفي نشوة هذا الاستمتاع أدركت مغزى إطلاق البدو اسم القصر على أي كوخ يقوم في عرض الصحراء، وأقرر أنهم على حق.

فأية فخامة تحلم بها في غبراء يابسة تعدل هناءك حين تحضنك جدران أربعة تغدق عليك فيئها وتطمئن إلى سلامتك فيها. إذن هو قصر باذخ. ويزيده رواء هذه الشجرة التي لا ثانية لها فهي تخلع على هذا الكوخ ترفاً يتضاءل معه ترف القصور. هي مخضرة الأوراق وارفة الظلال وهي أبداً باسمة مادام كل ما يكتنفها قاتماً، ويرحب بنا المضيف في جلال الشيوخ مخاطباً إيانا في حكمة من وقرت ظهره السنون فتخرج كلماته متزنة في حين تلمع أسنانه البيضاء التي لم يسقط منها سن واحدة على ما أظن.

وقلما يتزحزح من متكئه، فإلى جانبه إناء الماء البارد وأمامه معدّات القهوة العربية ويرتفع قريباً منه رف مصنوع من أعواد غير متناسقة يحمل أكواماً من المخطوطات عبث البلى بأكثرها. فهذه كتب يدعوها أسفار الحكمة، وتلك وريقات يزعم أنها تضاهي صحف موسى، ولماذا؟ فهي اتصلت به من جامع قرطبة بواسطة المغاربة الجوّابين.

وذلك كتيب يقول إنه توارثه عن آبائه الأقدمين وهو يقسم أن القلم الذي بين أصابعه مضي عليه زهاء ثلاثين عاماً لم يبره مرة ثانية بل زامله في عزلته طيلة هذه السنين في حالته الراهنة. وهو يجري عليه رزقاً متواصلاً، إنه رائد الخير، به يكتب الرقي للبدو ويحبر الرسائل الخاصة ويثبت به كل ما اختُزن في المغار، وهو لم ير سبباً لتجهيز هذا المغار بباب يحول دون سرقة ما احتواه من سمن وحبوب وصوف ائتمنه عليها البدو مقابل جعل خاص.

وهؤلاء البدو تغمرهم الطهارة. هكذا يوجه كلامه إلى أخي لأنهم لا يسألونه عن زيادة أو نقصان في أماناتهم ولا يأخذون بها مستنداً منه. وهم إذ ينسابون مع مواشيهم في عرض الصحراء طلباً للكلأ والماء ويمنعون في توغّلهم بأطرافها المترامية يرسلون قوافل تمدهم بالمؤونة مما ادّخروه واختزنوه عنده.

وما يدرّه عليه القلم إذا أضيف إلى هذا الجعل عن الخزين هي الثروة التي يقنع بها ويحرص على الشكران عليها.

واندفع يسرد علينا اطمئنانه إلى عيشه ووجهه يطفح إيناساً وملامحه تفيض بشراً وهناء واعتدل في متكّئه كمن يحاول أن يحاضر في موضوع فكرر الشكر لله إذ هيّأ له حياة وادعة ويقول: لم لا أكون مرتاحاً وهذا رزقي يأتيني رغداً، وهذه عنيزاتي تدر علينا حليبها، ولنا دجاجات تغذينا ببيضها، ونستقي ماءنا عذباً بارداً من البئر القريبة لمنزلنا؟

أما زوجي فهي تشاطرني هذا العناء وهي وأنا عجوزان طال بنا انتظار الموت وهو إذ يغشانا أحدنا أو كلينا ألفانا على أهبة للقاء الله

يا ولدي (يخاطب أخي) إذا حان وقت الصلاة انزوي إلى محرابي هذا، وإذا شعرت بالسأم فها هي ذي كتبي. إنها تحوي كل شيء. إنها عندي بمثابة عالم كامل

وأزيدك اطمئناناً عليّ بأنني لم أشك مرضاً ولم ألقى ولم أتعرف قط إلى رجل السراي في كرسيه وزهوه حتى ولا أدري شيئاً عن أحوال ما يطلقون عليها من أسماء، حكومة أو دولة أو حكومات وعساكر فأنا بعيد عن الناس قريب إلى الله سعيد بلقائه

وفي عودتنا رأيت أخي يهز رأسه غير مرة يردد كلمتي: إنه سعيد! إنه سعيد!

(عمان)

(جار الصحراء)