مجلة الرسالة/العدد 174/الخطابة مَلَكَةٌ وفن

مجلة الرسالة/العدد 174/الخطابة مَلَكَةٌ وفن

مجلة الرسالة - العدد 174
الخطابة مَلَكَةٌ وفن
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 02 - 11 - 1936


للأستاذ عبد المجيد نافع

يولد الإنسان خطيباًن كما يولد شاعراً أو فناناً، أو عسكرياً أو سياسياً؛ وتلك الملكة، وهي وليدة الفطرة، لا تنمو وتؤتي ثمارها إلا بالمران والصقل؛ فالخطابة إذن موهبة وفن معاً، فلا يسيغ العقل أن يكون المرء عاطلاً من الموهبة الخطابية ثم يصبح بين عشية وضحاها من الخطباء الخالدين في التاريخ، كما لا يهضم الفكر أن يكون الإنسان خطيباً موهوباً ثم يصبح بين بياض يوم وسواد ليلة من الخطباء المعدودين دون درس وتحصيل ومران. ولقد يحلو لبعض المؤرخين أن يرسم صورة لخطيب مفوه كان في حداثته خلواً من ملكة الخطابة، بل يصورونه في طفولته مثال الفهاهة والعي، ثم يصيرونه في رجولته الخطيب المصقع، والمفوه المنطيق! فقد زعموا أن (ديموستين) خطيب اليونان العظيم كان في حداثته به عي وفهاهة، فطمح إلى الخطابة وصحت عزيمته على مغالبة ذلك النقص والتغلب عليه، فكان في كل يوم يذهب إلى البحر فيملأ فمه بالحصى، ثم يقف أمام الموج المضطرب المصطخب، فيصيح الصيحات العالة، وما لبث أن تغلب على الفهاهة والعي وبات في طليعة الخطباء القادرين! تلك صورة أدنى إلى خيال الشعراء منها إلى تحقيق الثقات من المؤرخين، بل لعلها أسطورة من الأساطير التي تحيط بحياة عظماء الرجال عادة، أو التاج الذي يضعونه على رأس البطل، أو إكليل الغار الذي يضعونه على هامته، أو هالة المجد التي يحيطون بها تاريخه. فقد يكون صحيحاً أن الخطيب اليوناني كان يقف حيال الموج المصطخب فيرسل الصيحة عالية؛ على أن العقل لا يسلم بأنه كان عييَّاً، وكل ما يستطاع التسليم به أنه يروض نفسه على الكلام بنجوة من الناس.

وقد تبقى ملكة الخطابة دفينة إذا لم تتح الظروف لبعثها؛ وقد يظل الخطيب الموهوب خاملاً مغموراً إذا لم يوجد أمامه الميدان الذي تتجلى فيه مواهبه، ولولا الثورة الفرنسية ورغبة الفرنسيين في ثل عرش الاستعباد، وكسر قيود الاستبداد، وتقويض دعائم الماضي وتشييد صروح المستقبل وهدم النظم العتيقة البالية، وبناء النظم الدستورية الحديثة، وغرس مبادئ الحرية والمساواة والإخاء - لولا ذلك الغليان الفكري لما ارتفع (ميرابو) من غمرة الخمول إلى ذروة الشهرة والمجد. وما كان الزعيم الشاب مصطفى كامل لتتجلى مواهبه الخطابية، فيلقي بالإسكندرية في عام 1907 خطابه الذي يعد برنامجاً وطنياً، لولا رغبة المصريين في الجلاء وتشييد صروح الاستقلال؛ بل لولا فورة عام 1919 ورغبة الشعب المصري في تقرير مصيره بنفسه، ما بات سعد زغلول الخطيب الخالد في التاريخ.

ولا مندوحة لمن ينشد الكلام أن يدرع بالعلم، فالخطيب ينبغي له أن يعلم ما يقول، وأن يعلم جمهور سامعيه منه جديداً، وإلا عد من تجار الكلام لا من الخطباء، وكان قوله ثرثرة لا طائل تحتها ولا غناء فيها، لا خطابة تحق حقد وتبطل باطلاً، وتنصر دعوة وتخذل أخرى، وتبث مبدأ قويماً وتكافح غيره فاسداً.

إن الخطيب الذي يقرأ شعر الشعراء ونثر الناثرين وخطب الخطباء، ويكون على اتصال روحي بالحركة العلمية والأدبية، لهو الخطيب الذي يعرف كيف يضفي على فكرته الثوب الذي يلائمها ويأتي بالصور الأخاذة والعبارات الخلابة والآراء الناضجة ويملك شعور سامعيه.

والخطيب الذي لا يعنى دائماً بتجديد ثروته العلمية واللفظية خليق ألا يسمع الناس منه إلا الرأي المبتذل، والفكرة الغثة التافهة، والعبارات الممجوجة المملولة.

على أن الإسراف في المطالعة يوشك أن يصيب المرء بنوع من الشلل العقلي، وإن شئت فإنه يصيب الذهنية الخصبة بضرب من الأجداب والأمحال، فمن يفكر برأس غيره دائماً، وينظر بغير عينه، ينتهي أن تشل حركة تفكيره فلا يفكر ولا يرى. ومن ير العالم من ثنايا الكتب يمش رجلاً خيالياً لا يدرك من شؤون العالم شيئاً. ومن لا يقتصد في المطالعة خليق أن يداخله اليأس فيهتف: ليس في الإمكان أبدع مما كان! وينادي: لا جديد تحت الشمس، ويصيح صيحة اليأس: ما ترك الأوائل للأواخر شيئاً!

والحق أن الأوائل خاضوا في كل شيء، على أنهم تركوا للأواخر كثيراً، ومن يذهب غير هذا المذهب فإنما ينكر حركة التطور العقلي والفكري في العالم.

ومن الناس من يلتهم الكتب التهاماً دون تفهمها والتغلغل في روحها، وخير من هذا للخطيب الطامح أن يطيل النظر في خطب الخطباء فيتذوق الأثواب التي يسبغونها على آرائهم، بغير أن يتعسف في محاكاة طرائقهم فلكل خطيب شخصيته وأسلوبه في عرض أفكاره.

ويجمل بمن يأنس في نفسه الاستعداد الخطابي أن يستمع إلى كبار الخطباء ليشهد وسائلهم في بسط آرائهم وإقناع جمهور السامعين.

ومن نافلة القول أن يلفت الخطيب إلى وجوب تفهم نفسية الجماعة التي يوجه إليها الخطاب ليتولى إقناعها، فالخطب البرلمانية تفترق عن المرافعة في مجلس القضاء، والكلام في اجتماع انتخابي يختلف عن التحدث إلى مجمع علمي، على أن الخطيب الموهوب مطبوع على فهم روح الجماعة التي يخاطبها.

وفي كل حال ينبغي أن يتوفر في كل خطاب عناصر وضوح الفكرة وترتيب المنطق وروعة الأسلوب، ولكن التأنق في العبارة لا ضرورة له على الإطلاق، بل قد يأتي التزويق والتنميق هادماً لدعوى الارتجال الخطابي، والجمهور لا يتعنت فيطالب الخطيب بما يطالب به الكاتب، والأسلوب الذي يخلو من الكلفة والصنعة يكون أفعل في النفوس من الأسلوب الذي تغلب عليه البهرجة والتأنق. والخطيب الذي يتراءى أمام السامعين وقد ضاق صدراً بالعبارة التي يبرز فيها فكرته ثم يرفق إليها يكون شأنه في التأثير شأن من يلقي قنبلة، أو من يشهد بركاناً ينفجر. وإني لأذكر فيما أذكر قول أحد كتاب الفرنسيين إنه يؤثر بربرية (جمبتا) في الخطابة على أناقة (جوريس) فيها؛ فالغابة الطبيعية أحب إلى القلب، وأشهى إلى النفس، وأمتع للنظر من الغابة التي نسقتها يد الإنسان.

ولقد ألِفَ الكتاب تقسيم الخطباء إلى: قارئ، وحافظ، ومرتجل؛ فأما القارئ فهو الذي يتلو من ورقة يحملها بيده؛ وأما الحافظ فهو الذي يلقي خطابه عن ظهر غيب كما يلقي الطلبة محفوظاتهم في المدارس؛ وأما المرتجل فهو الذي يلقي من وجي الخاطر وحاضر البديهة.

ولقد دلت التجارب على أن السامعين يتبرمون بالخطيب القارئ، ويشيع السأم في نفوسهم، وبخاصة حين يلمحون أكداس الورق أمامه، وإذا لم يُجد الإلقاء جاءت عباراته بمثابة قطع الثلج تتساقط فوق رؤوسهم، وهم يؤثرون أن يتلوها حين يخلون إلى ضمائرهم ليتذوقوا جمال الأسلوب ونضوج الفكرة فيها. والخطب المكتوبة تدعو للإطالة والإسهاب فتبعث على الملل، ولذلك جرت التقاليد البرلمانية على تحريمها. ثم إن ما يغتفر للخطيب المرتجل الذي يلقي من حاضر البديهة لا يغتفر للخطيب القارئ الذي أمعن في التحضير وأطال في الكتابة. فالأول، خلال فورة الخطابة وغليانها، إذا جرح أحداً، أو فاه بعبارة نابية، افترض فيه حين النية، وسقط عنه ركن العمد. فأما الثاني وقد قال عبارته في دم بارد، وضمير جامد، فإنه يتحمل الظروف المشددة المترتبة على العمد وسبق الإصرار.

على أنه لا مندوحة عن تلاوة الخطب الرسمية؛ فخطورة الموقف، ودقة المسئولية، تحتمان وزن العبارات، ولا تسمحان بمغامرات الارتجال الخطابي. وهنا تحضرني رواية (فون بيلوف) مستشار الإمبراطورية الألمانية قبل الحرب العالمية إذ قال في مذكراته أنه كان يعد لغليوم الثاني إمبراطور ألمانيا السابق الخطب التي يزمع إلقاءها في المواقف الرسمية الخطيرة، مخافة أن يتورط، وقت الاندفاع الخطابي، في عبارات تمس مسئولية الدولة الألمانية. على أن الإمبراطور كان كلفاً بالخطابة، وكان يزعم لنفسه قدرة على الارتجال لا تجارى ولا تبارى. وتحدد يوم ليلتقي بقيصر الروسيا على ظهر بارجة حربية، وأعدَّ له (فون بيلوف) الخطاب الذي سيلقيه، فما أن نهض غليوم للخطابة حتى ضرب صفحاً عن الخطبة الرسمية، وفاه بعبارات أقامت الدوائر السياسية البريطانية وأقعدتها؛ ففطنت الدبلوماسية الألمانية للمر، ونشطت لإنقاذ الموفق، وإصلاح ما أفسده زهو الطاووس.

والخطيب القادر على الارتجال لا يلبث أن يشعر بثقل قيود التلاوة حتى في أدق المواطن الرسمية وأخطرها. وسعد زغلول، وهو المثل الأعلى للخطيب المرتجل، كان يضيق بالتلاوة صدراً، فيلقي الأوراق من يده ويعمد إلى الارتجال، فيحلق في سماء البلاغة.

ولابد للخطيب الحافظ من ذاكرة جبارة لأنه إذا خانته الذاكرة بات في أدق المواقف وأحرجها؛ فقد يروى أن نائباً من نواب الإمبراطورية الفرنسية ألقى خطاباً شهد الجميع بأنه رائع فما لبث محرر صحيفة (الفيجارو) أن أماط اللثام عن أن الخطاب منتحل. فأقر النائب بمصدر الخطاب، وقال إن له ذاكرة قوية فيحفظ عن ظهر قلب أغلب ما يقرأ. وأنه قرأ ذاك الخطاب فوعته ذاكرته. فلما حمي وطيس الجدل في المجلس ألقاه وهو يؤمن بينه وبين نفسه (أنه له)! ودارت الأيام دورتها وأصبح عضواً بمجلس الشيوخ، فقام للخطابة وظل يهدر ويتدفق حتى اصطدم بكلمة فما يدري ما بعدها؛ ولبث يحاول ثم يحاول فلا يجد ما يقوله كأن ما بذهنه قد تبخر. فأنقذ رئيس المجلس الموقف بأن رفع الجلسة، فلما أعيدت نهض صاحبنا وعالج الكلام فلما بلغ تلك الكلمة ارتج عليه، وما كان يغني عنه أن يبدأ الجملة من أولها إذ كان عندما يبلغ تلك الكلمة يرتج عليه ثانية، فبادر الرئيس إلى إنقاذ الموقف برفع الجلسة نهائياً، وما ارتقى صاحبنا المنبر بعد ذلك أبداً.

والخطيب الحافظ إن لم يكن حسن الإلقاء، لطيف الإيماءة، كان ضعيف التأثير في سامعيه؛ وشعور الجمهور يهديه إلى اكتشاف الخطب المحفوظة عن ظهر قلب. فالألفاظ البراقة، والصور الخلابة، والعبارات المصقولة، والجمل المسجوعة، مضافة إلى الاندفاع الخطابي؛ كل أولئك يمزق القناع عن وجه الخطب المحفوظة ويهدم دعوى الارتجال من أساسها.

استغفر الله أن يفهم من قولي أن الخطيب لا ينبغي له أن يلبس فكرته ثوباً جميلاً، وإنما أريد أن أقول إن الخطيب الجدير بحمل هذا اللقب لا يجمل به أن يكون أسيراً لألفاظ رصها وعبارات رصفها. فليس العيب في العناية بإعداد الخطاب، وإنما العيب أن يكون الخطيب عبداً للاستعارات والمجازات والتشبيهات والكنايات، وعلى الجملة عبداً لكافة المحسنات اللفظية وعبارات البديع والبيان.

كان (جان جوريس) الخطيب الاشتراكي العظيم يعترف صراحة بأنه يعد خطبه ولا يرى في ذلك عيباً على الإطلاق. ففي 21 نوفمبر من عام 1893 كان يستجوب الوزارة الفرنسية عن سياستها العامة، فلما فرغ من خطابه نهض المسيو شارل ديبوي رئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية للرد عليه فقال: (أعتقد أنكم بعد أن سمعتم خطاب مسيو جوريس تجدون بعض العناء في تصديق دعواه بأني لم أدع له الوقت الكافي لإعداد خطابه) فنهض جوريس وجهر بتلك العبارة: (إني لأشعر قلبي الاحترام لمنبر الخطابة ولزملائي فأعد ما ألقيه).

وكان (بربو) المحامي الفرنسي المدره يترافع يوماً فدفعت الصفاقة خصمه لأن يداعبه مداعبة ثقيلة، فقال: إن رائحة الزيت تنبعث من ثنايا مرافعته؛ كناية عن أنه أفنى الليل في إعدادها على ضوء المصباح. فأجاب (بربو): (ليس يضيرني أن يسجل علي أني أعد مرافعاتي بدقة، وإن إجلالي للقضاء يحول بيني وبين التورط في العبارات الجوفاء والصيحات الفارغة التي تجد لها موطناً في ساحة أخرى غير ساحة العدل)، وكان المحامي الخصم عضواً بمجلس النواب فأفحمته عبارة شيخ المحاماة.

ومن الأوهام الشائعة أن الارتجال في الخطابة يعني أن الخطيب ينهض ولم يعد خطبته، بل إن ذهنه خلو من كل ما يتعلق بالحديث الذي سيخوض فيه، ولسنا نتردد في الجهر بأن مثل هذا الخطيب عاجز إلا عن الثرثرة والكلام الأجوف الفارغ، وكل بضاعته ألفاظ طنانة وعبارات رنانة لشد ما لاكها حتى حفظها عن ظهر غيب، فأصبح يتجر بها في كل موقف خطابي. وصدقوني أن الخطيب لا يستطيع أن يرتجل الكلام عن موضوع إلا إذا درسه دراسة عميقة، ولا يقوى على الارتجال في كل المواقف إلا إذا كانت له ثقافة عالية ومعلومات عامة واطلاع واسع في العلم والفلسفة والأدب والتاريخ؛ وفي كلمة، أن يكون عبارة عن (دائرة معارف). ولابد له من إعداد فكرته، أستغفر الله، بل لابد له من إعداد ألفاظه وعباراته قبل إلقاء خطابه، إنما لا ينبغي له أن يكون أسيراً لألفاظ بعينها أو عبداً لعبارات بذاتها وإلا انحدر إلى طبقة الخطباء الحافظين. وليست تهم طريقة إعداد الخطبة وإنما تهم إجادتها، فمن الخطباء من يفكر وهو يكتب، ومنهم من يفكر وهو يمشي، ومنهم من يفكر وهو يتحدث إلى صحبه، ومنهم من يفكر وهو في مضجعه، ومنهم من يفكر في الفترة بين دعوته للخطابة ووقوفه على المنبر؛ وإنما يلتقي الخطباء المرتجلون عند أمرين: سعة الاطلاع، وهبوط وحي الفكرة وسط حرارة الاندفاع الخطابي.

وما أخالك بعد هذا الشرح الموجز إلا قد فهمت مغزى عبارة (برييه) الخطيب الفرنسي العظيم: (إن سر الخطباء المرتجلين هو أنهم لا يرتجلون على الإطلاق).

عبد المجيد نافع المحامي