مجلة الرسالة/العدد 174/بين شوقي وابن زيدون

مجلة الرسالة/العدد 174/بين شوقي وابن زيدون

مجلة الرسالة - العدد 174
بين شوقي وابن زيدون
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 02 - 11 - 1936


بقلم الدكتور زكي مبارك

تتمة

- 4 -

واشترك شوقي وابن زيدون في التفجع والحنين، أما ابن زيدون فيقول:

يا جنة الخلد أُبدِلْنا بسَلْسلها ... والكوثر العذب زقوماً وغسْلينا

كأننا لم نبتْ والوَصلُ ثالثُنا ... والدهر قد غض من أجفان واشينا

سِرَّان في خاطر الظلماء يكتُمنا ... حتى يكادَ لسانُ الصبح يُفشينا

لا غَرْوَ أنَّا ذكرنا الحبَّ حينَ نهتْ ... عنهُ النُّهى وَتركنا الصبرَ ناسينا

إنا قرأنا الأسى يوم النوى سوراً ... مكتوبةً وأخذنا الصبرَ تلْقيِنا

أما هَواَكِ فلم نعدِلْ بِمَنهَلهِ ... شِرباً وإن كان يُروينا فيُظمينا

لم نجفُ أُفقَ جمالٍ أنتِ كوكبهُ ... سالينَ عنه ولم نهْجُرْهُ قالينا

ولا اختياراً تجنبناكِ عن كثب ... لكن عَدتنا على كرهٍ عوَادينا

والشاعر في هذه الأبيات يصف أيام الوصل أجمل وصف، ويرى نفسه انتقل من كوثر الخلد إلى الزَّقوم والغسلين، ويرى ورد الهوى القديم شرباً لا بعد له شرب، وإن كان يرويه فيظميه، ونعيم الوصل يرهف الحس فيزيد القلب ظمأ إلى ظمأ والتياعاً إلى التياع، وتحدث الشاعر عن البين فذكر أنه لم يقع عن سلوة ولا صدود، وإنما أكرهته العوادي.

ويروقنا هذا التعبير المؤنق:

(لم نجفُ أفقَ جمالٍ أَنتِ كَوكبُه)

فكأن الدنيا كانت لعهده أفقاً من المفاتن، وكانت محبوبته كوكب ذلك الأفق المطلول بأنداء الفتون.

هذا جزع من صنع الدهر صرخ به ابن زيدون، وعارضه شوقي فقال يصف قسوة الليل وقسوة الفراق:

ونابغىٍ كأنَّ الحشرَ آخِرُهُ ... تُميتُنا فيهِ ذِكراكم وتح نطوي دُجاهُ بجُرحٍ من فِرَاقِكُمو ... يكاد في غَلَسِ الأسحار يطوينا

إذا رسا النَّجم لم ترقأ محاجرنُا ... حتى يزولَ وَلم تهْدَأ ترَاقينا

بتنا نُقَاسي الدَّوَاهِي مِنْ كَوَاكِبِه ... حتى قَعَدْنا بها حَسرَى تُقاسينا

يبدُو النهارُ فيُخفِيه تجلدُنا ... للشَّامِتِينَ ويأسُوه تأسِّينا

وهذا من الشعر الرفيع، ومن العجز ألا نجد غير هذا الوصف، وإلا فكيف نصل إلى بيان الفتنة في هذا البيت:

يطوي دُجاهُ بجرح من فراقكمو ... يكادُ في غلس الأسحار يطوينا

أترون كيف يطوى الدجى بالجرح؟ أترون كيف تكون الجراح أعظم من ظلمات الليل؟

ثم ما هذه الوثبة الشعرية حين يقاسي الشاعر بطء الكواكب، ثم ينظر فيراها ابتليت به فباتت تقاسيه، وهي حسرى لواغب؟ والشاعر قد يعظم سلطانه على الوجود فيرى الدنيا تجزع لجزعه وتأسى لأساه.

وكان الشعراء الأقدمون يرون النهار يبدد الأشجان يفضل ما فيه من الشواغل، أما شوقي فيرى أشجانه لا تهدأ نهاراً إلا بفضل التأسي والتجلد للشامتين.

- 5 -

بقي النظر فيما تفرد به الشاعران

ونحن نرى ابن زيدون تفرد بهذين البيتين في خطاب حبيبته التي أقصاه عنها الزمان

نأسى عليك إذا حثت مشعشعة ... فينا الشَّمُول وغنَّانا مُغنِّينا

لا أكؤس الرَّاح تبدي من شمائلنا ... سِيما ارتياحٍ ولا الأوتارُ تلهينا

وهذا من أدق المعاني النفسية، فالشراب والعناء يهيجان العواطف الغافية، ويبعثان الوجد الدفين؛ وللشوق في أمثال هذه اللحظات لذعات أعنف من الجمر المشبوب. وأين الجمر بجانب ما يثور في القلب عند الشراب والسماع؟ إن هذه لحظات تكشف المقنع من سرائر النفوس، وتصنع ما تصنع الحمى العاتية حين تنطق المحموم بأسماء لم يهذ بها لسانه ولا وجدانه منذ سنين.

وقول ابن زيدون:

ولو صبا نحونا من علو مطلعه ... بدر الدجى لم يكن حاشاك يصبينا هو أصل المعنى الذي ساقه شوقي في السينية:

وطني لو شغلت بالخلد عنه ... نازعتني إليه في الخلد نفسي

وهو أخذ رفيق لا يحاسب على مثله الشعراء

وتفرد شوقي بالفخر، الفخر بنفسه وبأمجاد النيل، فقال:

لم يجر للدهر إعذارٌ ولا عُرس ... إلا بأيامنا أو في ليالينا

ولا حوى السعدُ أطغى في أعنَّته ... منَّا جياداً ولا أرخى ميادينا

نحن اليواقيتُ خاض النارَ جوهرُنا ... ولم يَهُن بيدِ التشتيت غالينا

ولا يحول لنا صِبغ ولا خُلقٌ ... إذا تلوَّن كالحرباء شانينا

لم تنزل الشمس ميداناً ولا صعِدت ... في ملكها الضخم عرشاً مثل وادينا

ألم تُؤلّهْ على حافاته ورأت ... عليه أبناءها الغُرَّ الميامينا

إن غازلت شاطئيه في الضحى لبسا ... خمائل السندس الموشية الغينا

وبات كل مجاج الواد من شجر ... لوافظَ القزِّ بالخيطان ترمينا

وبهذا دافع الشاعر عن الوثنية المصرية أجمل دفاع، وهل عبد المصريون الشمس إلا لأنهم عرفوا فضل الشمس؟ وما الدنيا بدون الشمس إلا وجود تافه سخيف!

وشوقي لم يعن إلا نفسه حين قال:

نحن اليواقيت خاض النار جوهرنا ... ولم يَهُن بِيدَ التَّشتيت غالينا

وقد صدق، فقد قامت في وجه الرجل أحداث تهد الجبال، وانتاشه الخصوم أشد انتياش، ولكن من كان يملك مثل قلبه وإحساسه وشاعريته يصعب هدمه، وإن تكاثرت المعاول، واستحصدت سواعد الهادمين

وتفرد شوقي بالحديث عن الأهرام فقال:

وهذه الأرض من سهل ومن جبل ... قبل القياصر دِنّاها فراعينا

ولم يضع حجراً بان على حجر ... في الأرض إلا على آثار بانينا

كأن أهرام مصرَ حائط نهضت ... به يدُ الدهر لا بنيانِ بانينا

إيوانه الفخم من عُليا مقاصره ... يُفنى الملوك ولا يُبقي الأواوينا

كأنها ورمالاً حولها التطمت ... سفينة غرقتْ إلا أساطينا كأنها تحت لألاء الضحى ذهباً ... كنوز فرعون غطين الموازينا

وللقارئ أن يتأمل هذه الأبيات، له أن يتأمل قوة الفخر في هذا البيت:

ولم يضع حجراً بان على حجر ... في الأرض إلا على آثار بانينا

وله أن يعجب من روعة الخيال في هذا البيت:

كأن أهرام مصر حائط نهضت ... به يد الدهر لا بنيان بانينا

وله أن يتأمل دقة التشبيه في هذا البيت:

كأنها ورمالاً حولها التطمت ... سفينةٌ غرقت إلا أساطينا

ذلك شوقي وتلك آياته البينات.

- 6 -

وتفرد ابن زيدون بوصف الجمال الإنساني، وتفرد شوقي بوصف الجمال الطبيعي. أعطى ابن زيدون محبوبته صورة هي تحفة في الصور الإنسانية، وأعطى شوقي مفاتن النيل صورة هي غرة في الصور الطبيعية؛ أما صورة النيل فقد رآها القارئ من قبل. وأما محبوبة ابن زيدون فقد صورها بهذه الأبيات:

ربيبُ ملكٍ كأن الله أنشأهُ ... مسكاً وقدَّر إنشاَء الورى طينا

أو صاغه وَرقاً محضاً وتوَّجه ... من ناصع التبر إبداعاً وتحسينا

إذا تأوَّدَ آدتهُ رَفاهيةً ... تومُ العقودِ وآدته البرى لينا

كانت له الشمسِ ظئراً في أكلَّته ... بل ما تجلى لها إلا أحايينا

كأنما أُثبتت في صحن وجْنتهِ ... زُهر الكواكب تعويذاً وتزيينا

ما ضرَّ أن لم نكن أكفاَءه شرفاً ... وفي المودة كافٍ من تكافينا

وهذه نظرة شاعر يعرف جواهر الصَّباحة. وفي الحسن ألوف من الأفانين يعرفها الراسخون في علم الجمال، فالجمال المنعم غير الجمال المحروم، والزهر النضير الذي يضاحك الشمس في حديقة غناء بقصر من قصور الملك، غير الزهر الظمآن المنسي الذي يتفتح وهو مهجور في ربوة قاصية لا يعرفها غير الذئاب. إن جواهر الجمال تختلف أشد الاختلاف، ولكل لون من ألوان الجمال وحي خاص. وجوهر الشعر يتبع جوهر الجمال، وهل يمكن أن يكون ما يوحيه الجمال المحجب شبيهاً بما يوحيه الجمال المباح؟ إن الطبيعة قد يبدو لها أحياناً أن تكايد الناس فتنشئ من الحسن في حي بولاق ما تغيظ به الناعمين في حي القصر العالي، ولكنها لا تفلح، فالجمال الذي ينبت في البيئات السوقية يظل سوقي الشمائل والنوازع، أما الجمال الذي يفتح في البيئات المنعمة فيظل ملحوظ المشارب والميول.

فمعشوقة ابن زيدون ربيبة ملك، وربيبة الملك تألف السيطرة منذ أيام المهد، ويظل دلالها طول الحياة دلالاً سماوياً يأخذ فيضه من قوة الطبع، لا من لؤم التمنع، وينزل رضاها على القلب نزول الطل على الريحان. وابن زيدون يتمثل محبوبته خلقت من المسك، ويرى الناس ما عداها خلقوا من طين، وكلمة (طين) وقعت قبيحة في شعر ابن زيدون، إلا أن يكون أراد الإشارة إلى بعض الناس؛ والمرء حين يغضب يرى الناس خلقوا من طين، وإن كان الطين أشرف من بعض من نرى من المخلوقات؛ والطين تربة يحيا بها الزهر ويتغذى منها الشوك، وفوقه تتخطر الظباء، وعليه تزحف الأفاعي والصلال.

وبلغ ابن زيدون نهاية الترفق حين قال:

إذا تأوَّد آدته رفاهية ... توم العقود وأدمته البرى لينا

والجمال الذي تؤذيه العقود والدمالج والأساور والخلاخيل جمال غض رقيق يشبه في رقته نواظر العيون، ولفائف القلوب، وهذا الجمال منثور في المدائن نثر الزهر واللؤلؤ، ولولا وجوده في هذه الدنيا لما عرف شاعر قيمة النعمة العظيمة، نعمة البصر والحس والذوق، لولا الجمال المنعم المصون الذي لا يطمع في تفيء ظلاله غبي ولا لئيم لأقفرت الدنيا من الشعر وخلت من الأنفاس العطرة، أنفاس الشعراء؛ لولا الجمال المنعم المصون الذي لا يطمع في تفئ ظلاله غبي ولا لئيم لما استطاب شاعر سهر الليل، وألم الجفون. وهل يعني القلب في سبيل الجمال المبتذل الذي ترنو إليه جميع العيون؟ إن الجمال المبتذل شبيه بالكوكب المتهالك الذي لا تألم من النظر إليه عين رمداء، أما الجمال المنعم المصون فشبيه بالشمس لا يقوى على النظر إليه إلا الفحول من الشعراء، والأقطاب من الكتاب، هو الجمال الفرد؛ ولا يصاوله إلا الرجل الفرد، وإن كان يتواضع فيقول:

ما ضرَّ أن لم نكن أكفاءه شرفاً ... وفي المودة كافٍ من تكافينا

هذا تواضع، فإن جوهر الحب في قلب الشاعر أنفس من جوهر الحسن في وجه الجميل.

وهل تعربد معاني الصباحة في الوجه المليح كما تعربد عرائس الشعر في قلب الشاعر الذي يقلى الأنوار والظلمات وحوله جيش من الهوى المتمرد والوجد المشبوب؟

إن قلب الشاعر جوهر نفيس، ولولا فضله على الدنيا ما عرف أحد جمال الصبح المشرق، ولا تنبه مخلوق إلى لمح الكواكب ولألاء النجوم، ولا تلفت باحث إلى شعر ابن زيدون وقد طمره الزمن بتسعة أحجار تسمى تسعة قرون.

- 7 -

ثم ماذا! بقي أن نشرب صبابة الكأس من نونية شوقي، وكل صبابة في الكأس صاب، بقي أن نتوجع لبلواه وهو يتشوق إلى مصر فيقول:

أرض الأبوّة والميلاد طيبها ... مر الصبا في ذيول من تصابينا

كانت محجَّلة فيها مواقفُنا ... غرّاً مسلسلة المجْرى قوافينا

فآب من كُرة الأيام لاعبُنا ... وثاب من سِنة الأحلام لاهينا

ولم ندع للَّيالي صافياً فدَعتْ ... (بأن نغص فقال الدهر آمينا)

لو استطعنا لخضنا الجو صاعقة ... والبر نار وغى والبحر غسلينا

سعياً إلى مصر نقضي حق ذاكرنا ... فيها إذا نسي الوافي وباكينا

أرأيتم هذا الشعر؟ أرأيتم الخيال في هذا البيت:

فآب من كرة الأيام لاعبنا ... وثاب من سنة الأحلام لاهينا

أرأيتم صورة الهول المقتحم في هذا البيت:

لو استطعنا لخضنا الجو صاعقة ... والبر نار وغى والبحر غسلينا

ثم ماذا؟ بقي ختام القصيدة، وهي أبيات ما قرأتها إلا بكيت على أمي يرحمها الله. وانظروا كيف هفا قلب الشاعر إلى أمه في حلوان:

كنز بحلوان عند الله نطلبه ... خير الودائع من خير المؤدينا

لو غاب كل عزيز عنه غيبتنا ... لم يأته الشوق إلا من نواحينا

إذا حملنا لمصر أو له شجناً ... لم ندر أي هوى الأمين شاجينا

طيب الله ثراك أيها الشاعر، ورحم والدي ووالديك، فالدعاء في أعقاب شعرك كالدعاء في أعقاب الصلوات.

زكي مبارك