مجلة الرسالة/العدد 176/نظرية العامة للالتزامات في الشريعة الإسلامية

مجلة الرسالة/العدد 176/نظرية العامة للالتزامات في الشريعة الإسلامية

مجلة الرسالة - العدد 176
نظرية العامة للالتزامات في الشريعة الإسلامية
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 16 - 11 - 1936


للدكتور شفيق شحاته

3

ملاحظات موضوعية على المؤلفات - أول ما يلاحظ على الفقهاء أن نظرهم لم يتجه أثناء وضعهم للحلول إلى طريقة تطبيق أحكامهم. فتلك الناحية العملية لا تكاد تظهر خلال جدلهم وأبحاثهم

على أن هذا ليس معناه كما ادعاه بعض المستشرقين أن التشريع الإسلامي لم يوضع إلا على أنه مثل أعلى، يوصى باتباعه، وأنه في الواقع ونفس الأمر، لم تتبع أحكامه في الدول الإسلامية فإنا، وقد رجعنا في بحثنا إلى كثير من الأوراق البردية المثبتة للوثائق القانونية مما كان يجري به التعامل في العصور الأولى للإسلام، وإلى أحكام محكمة مصر الشرعية القديمة، ويرجع بعضها إلى أكثر من خمسمائة سنة خلت، نستطيع أن نؤكد فيما يتعلق بموضوع الالتزامات أنه لم يكن هناك تشريع أو قواعد أخرى متبعة في المعاملات سوى قواعد الشريعة الإسلامية.

وإذا كانت هذه القواعد قد خولفت بالفعل في بعض الأحايين، فقد كان ذلك خضوعاً لظاهرة معروفة، وهي أن الاحتياجات العملية تخلق دائما بجانب التشريع قواعد أكثر مرونة تلطف من حدته.

من ذلك - وهذا في نظرنا، دليل على حيوية التشريع الإسلامي - ما وضعه الفقهاء من (الحيل) لتلافي بعض ما وضعوه من القواعد التشريعية الجامدة

على أن هذه الحيل تندمج تماماً في الهيكل التشريعي، لأنها لا تصدم قاعدة من قواعده، فهي عبارة عن عقود أو إقرارات صورية، تنطبق عليها الأحكام التي وضعت للصورة التي اتخذتها لا لحقيقتها، وقد ساعد على نجاح هذه الوسائل قواعد الإثبات وأحكام الصورية في التشريع الإسلامي

فالحيل إذن ستكون محل دراستنا، على أنها الجانب الحي للتشريع الإسلامي، وهي قد كانت موضعاً لعناية (محمد) نفسه وهو أحد واضعي المذهب

وتظهر أيضاً الناحية العملية للفقه الإسلامي من خلال كتب (الشروط)، وقد عنيت هذه الكتب بوضع صيغ لكتابة العقود والإقرارات. وقد اهتم بهذه الناحية أيضاً (محمد) في (المبسوط)؛ على أن لهذه الناحية من الفقه فقهاءها الاخصائيين، نذكر منهم (أبا زيد الشروطي) و (الطحاوي) ويتضح لمن يتصفح كتب الشروط هذه أنها لم توضع لمجرد النظر: فهي تراعي دائما الاحتياجات العملية، وتحيط العاقد علماً بما يجب أن يتخذ لنفسه من الحيطة في اشتراطاته مع اختلاف المذاهب

وهذه الصيغ لا تخلو من (الرطانة) القضائية كتكرار الألفاظ والمبالغة في الاحتياطات، ومن الغريب أنها على قدم عهدها يرد بها عبارات تشبه كثيراً ما نقرؤه في العقود التي تحرر في أيامنا هذه

وتظهر أخيرا الناحية العملية من خلال (الفتاوي)، وهي مؤلفات جمعت ما أجاب به المفتون عما عرض عليهم من الأسئلة في حوادث واقعية، ولدينا من هذه المجموعات ما يرجع عهده إلى سنة 1100هـ، وهي جميعها تتبع آثار الكتب الفقهية، ولا تحيد عن الأحكام التي وردت بها قيد أنملة

ومما يؤخذ أيضاً على المؤلفين اهتمامهم الزائد بدقيق التفصيلات وتفننهم في افتراض المسائل البعيدة الوقوع

وإن كان هذا التطرف في التصورات، وهذا التوغل في الدقائق قد أفاد التشريع بعدد وفير من الأفكار والآراء، فانهما مع ذلك قد أساءا إلى الروح القانونية. ذلك أن هذه الروح تمج التدني إلى صغائر المسائل كما تمج الدقة التي تتطلبها الرياضيات. فمما يثقل على القانوني، أن يرى المؤلفين يسترسلون في عمليات حسابية معقدة

ويلاحظ أن المتأخرين قد وقعوا في محظور آخر، وهو التراشق بالأدلة اللفظية البحتة، والاعتماد في الاستدلال على المنطق المجرد

الروح العامة للفقه الإسلامي - يظهر لنا أن هناك نزعات ثلاثا تسيطر على التشريع الإسلامي

(1) أما الأولى فهي النزعة الفردية. وقد يذهب البعض إلى أن هناك نصوصا كثيرة ترمي إلى حماية مصالح الجماعة. على أن هذه النصوص لا تنهض دليلا على أن النزعة الفردية ليست متغلبة ذلك أن التشريع الإسلامي اصطبغ في الأصل بصبغة دينية.

فهو يرمي بطبيعته إلى توفير السعادة على الفرد. والفرد - مهما حاول أنصار الاشتراكية في عهدنا هذا - سيبقى دائما أبداً هو الغاية التي يسعى إليها كل تشريع، وإذا غلبنا في بعض الأحيان مصلحة الجماعة فليس ذلك في الواقع إلا لكونها تتضمن في نفس الوقت مصلحة الفرد.

(2) أما النزعة الثانية فهي السعي وراء العدالة المطلقة عن المساواة. وقد ظهرت هذه النزعة في نظرية الالتزامات في صورة المساواة بين المتعاقدين. على أن الفقهاء قد توغلوا في هذا الاتجاه إلى أقصى حدوده، ومن آثار هذه النزعة نظرية الربا

(3) والنزعة الثالثة ترمي إلى الابتعاد عن كل ما من شأنه خلق القلق أو المنازعات في المعاملات. لذلك هم ينفرون من الغرر على كافة صوره. وقد توسعوا في بيان أحكام الجهالة الفاحشة واليسيرة. وذلك كله اتقاء للمنازعات. وسنرى أن هذه النزعة أيضاً قد ذهبت بهم بعيدا.

وأخيرا نقول كلمة عما وضع في القرن التاسع عشر الميلادي من التقنينات في التشريع الإسلامي

أما (المجلة العدلية) فقد قام بوضعها في آخر عهد الدولة العثمانية فريق من الفقهاء. وقد جعلوا منها مجموعة نصوص أوردها تحت أرقام متسلسلة. على أنهم لم يحاولوا قط إخضاع المسائل لقواعد عامة تكون هي موضوع المواد. فالمواد جاءت بالمسائل على أنها مسائل. وإن قليلا من المواد جاءت بتعاريف، منقولة هي كذلك عن الكتب الفقهية

وقام بعد ذلك في مصر (قدري باشا)، فوضع كتاباً سماه (مرشد الحيران) ذكر به مجموعة من الأحكام الشرعية على نسق القوانين المصرية. على أن محاولته وضع نظرية للالتزامات لم تفلح، فاكتفى بذكر طرق انقضاء الالتزامات وبعض أوصافها، وإن المواد التي وردت بها هذه الأحكام لا تخلو مع ذلك من الأغلاط. أما نظرية العقد كما أوردها فهي في الواقع نظرية عقد البيع

القانون المقارن - أما وقد بينا منهاج بحثنا في التشريع الإسلامي، نتساءل هنا هل يجدر بنا بعد الوصول إلى تعرف حقيقة هذا التشريع الرجوع إلى غيره من التشريعات لمقارنته بها قد يبدو هذا ضروريا في زمن يكاد لا يخلو مؤلف فيه من مقارنة الشرائع. ولكنا رأينا الإعراض عن هذا الاتجاه، لنتمكن من توجيه جميع جهودنا نحو بناء هيكل التشريع الإسلامي في موضوع الالتزامات، حتى إذا ما تم هذا البناء، نكون قد مهدنا لمن يهمه ذلك، أن يقوم بدراسته المقارنة على أسس متينة

وهذا كله لا ينفي أننا في الواقع قد رجعنا إلى أكثر من تشريع واحد في موضوع دراستنا هذه. فأنا لم نخط سطرا واحدا إلا بعد إعمال الفكر في مختلف التشريعات، ليصح فهمنا، ووضعنا للمسألة على وجهها المطلق. فالمقارنة قد تمت بالفعل، ولو أن القارئ لا يقرؤها في الغالب قراءة العين

ونلاحظ هنا أنه من السخف محاولة الوصول عن طريق مقارنة الشرائع إلى إصدار الأحكام التقويمية على هذه الشرائع. فان التشريع كما قلنا ظاهرة من الظواهر الاجتماعية مقيد ككل ظاهرة بظروف الزمان والمكان، ويخضع كذلك لمنطقه هو نفسه، وإذا كان يجوز للغريب عن العلوم القانونية أن يدهش لغرابة بعض الأحكام، ففقيه النفس يرى فيها على العكس دليلاً جديداً على أن العقل البشري قد جاهد وناضل في مختلف البيئات في سبيل الوصول إلى (الحقيقة القانونية)

مقارنة المذاهب - وقد استبعدنا كذلك مقارنة المذاهب واكتفينا مؤقتا بدراسة مذهب (أبي حنيفة)

ذلك أنه قد تبين لنا أن الفقه الحنفي يمثل التشريع الإسلامي في أولى صوره وأنقاها، ولا نرى مجاراة ما هو شائع من أن المذهب الحنفي هو أقرب المذاهب إلى التشريعات الحديثة، فهو أبعدها عنها وإن كان في مسائل العبادات يبدو أكثرهم تسامحا من غيره

أما التقسيم المشهور للمذاهب، ما بين أهل الرأي وأهل الحديث، فهو أيضاً تقسيم لا نرى له معنى. فان جميع المذاهب في الواقع تلجأ إلى الاستدلال العقلي. سواء منها المالكية والشافعية والحنبلية. فمن المعروف أن نظرية (المصالح المرسلة) عند المالكية، و (الاستصحاب) عند الشافعية، تؤديان ما يؤدي إليه (الاستحسان) عند الحنفية. وهذا التقسيم لا يفيد سوى أن الفقه الإسلامي قد انتابه ما انتاب غيره من التشريعات. ففيها جميعها يتجاذب المفسرين دائما تياران، تيار التوسع، وتيار التضييق في التفسير.

ونلاحظ أن في موضوع الالتزامات قد راعى فقهاء المذاهب غير الحنفية احتياجات الحياة العملية أكثر مما صنعه فقهاء الحنفية. وذلك على رغم أن الأولين يتمسكون بالأحاديث في أكثر المسائل خلافا للأخيرين. ويبدو لنا أن فقهاء الحنفية قد اجتهدوا في جعل بنائهم التشريعي محكما، ففاتهم شيء من المرونة. أما الفقه المالكي فهو ظاهر الأخذ بما يتطلبه العمل من القواعد المعقولة. أما الفقه الشافعي فقد بقى مترددا بين النزعتين. بينما الفقه الحنبلي قد اكتفى بتخير الآراء من مختلف المذاهب، ولم يظهر عليه أي طابع خاص. وفقه الشيعة يقرب كثيرا من فقه الشافعية

يتضح مما تقدم أنه من المفيد إن لم يكن من الضروري إفراد الفقه الحنفي بدراسة خاصة. وفي الواقع أن الصناعة مختلفة فيه عنها في المذاهب الأخرى. وقد لا نبالغ إذا قلنا إن هناك تشريعا مالكيا، وتشريعا شافعيا، وتشريعا حنبليا كذلك

ونذكر هنا أنه قد حاول بعض الفقهاء في هذه المذاهب الارتقاء إلى المبادئ العامة، ومنهم (القرافي) في الفقه المالكي، و (العز بن عبد السلام) في الفقه الشافعي، و (ابن رجب) في الفقه الحنبلي، وفي الفقه المالكي نوع من المؤلفات وردت بها أحكام المحاكم، وقد سميت (بالعمليات)

ونذكر أخيرا أنه قد اكتشف المستشرق (جريفيني) كتابًا في فقه الشيعة الزيدية، قال عنه إنه أقدم ما وجد من كتب الفقه الإسلامي

وقد اهتم بعض الفقهاء منذ العصور الأولى، بإيراد أحكام المذاهب المختلفة مجتمعة، وهو ما يسمونه بعلم (الخلافيات). نذكر منهم (الطبري) و (الشعراني)؛ على أن هذا العلم لا يفيد في دراسة موضوعية للنصوص، ذلك أنهم يوردون الأحكام، كلاً منها بجانب الآخر، منتزعة من مذاهبها، والمسألة إذا انتزعت هكذا فقدت الكثير من قيمتها، وقد حاول (الشعراني) التقريب بين مختلف المذاهب، على أساس من الصوفية لا يهمنا

ومما تقضي به الطريقة التي نقول بها الاستعانة بكتب الطبقات، وتاريخ القضاة، والتاريخ العام لتتبع التطور التاريخي للتشريع، وتقضي كذلك بالرجوع إلى ما وصلنا إليه من الوثائق عما جرى عليه العمل بالفعل، من قواعد التشريع الإسلامي، كالأوراق البردية، وما قد يرد في كتب الآداب العامة من النصوص القانونية (انتهى)

شفيق شحاتة