مجلة الرسالة/العدد 176/هكذا قال زرادشت

مجلة الرسالة/العدد 176/هكذا قال زرادشت

مجلة الرسالة - العدد 176
هكذا قال زرادشت
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 16 - 11 - 1936


للفيلسوف الألماني فردريك نيتشه

ترجمة الأستاذ فليكس فارس

- 2 -

وما فرغ زارا من كلامه حتى ارتفع صوت من الحشد قائلا (لقد كفانا ما سمعنا عن البهلوان، فليبرز لنا الآن لنراه)

فضحك الجميع مستهزئين بزارا، وتقدم البهلوان ليقوم بألعابه وهو يعتقد أنه كان موضوع الحديث.

- 4 -

وبهت زارا مجيلا أنظاره في القوم، ثم قال:

ما الإنسان إلا حبل منصوب بين الحيوان والإنسان الكامل فهو الحبل المشدود فوق الهاوية

إن في العبور للجهة المقابلة مخاطرة، وفي البقاء وسط الطريق خطرا، وفي الالتفات إلى الوراء وفي كل تردد وفي كل توقف خطر في خطر

إن عظمة الإنسان قائمة على أنه معبر وليس هدفا، وما يستحب فيه هو أنه سبيل وأفق غروب

إنني أحب من لا غاية لهم في الحياة إلا الزوال، فهم يمرون ما وراء الحياة، أحب من عظم احتقارهم لأنهم عظماء، المتعبدين يدفعهم الشوق إلى المروق كالسهام إلى الضفة الثانية

أحب من لا يتطلبون وراء الكوكب معرفة ما يدعو إلى زوارهم أو ما يهيب بهم إلى التضحية، لأنهم يقدمون ذاتهم قربانا للأرض، لتصبح هذه الأرض يوما ميراثا للإنسان الكامل

أحب من يعيش ليتعلم، ومن يتوق إلى المعرفة ليحيا الرجل الكامل بعده، فأن هذا ما يقصد طالب المعرفة من زواله

أحب من يعمل ويخترع ليبني مسكنا للإنسان الكامل فيهيئ ما في الأرض من حيوان ونبات لاستقباله. فان هذا ما يقصد طالب المعرفة من زو أحب من يحب فضيلته، فما الفضيلة إلا الطموح إلى الزوال وإن هي إلا السهم تنشبه أشواقه

أحب من لا يحتفظ لنفسه بشرارة واحدة من روحه، فيتجه إلى أن يكون بكليته روحا لفضيلته لأنه بهذا يجعل روحه تجتاز الصراط

أحب من يكون من فضيلته ميوله ومطمحه، لأنه بمثل هذه الفضيلة يتوق إلى إطالة حياته كما يتوق إلى قصرها

أحب من لا يريد الاتصاف بعديد الفضائل، إذ في الفضيلة الواحدة من الفضائل أكثر مما في فضيلتين، والفضيلة الواحدة حلقة ترتبط فيها الحياة

أحب من يجود بروحه فلا يطلب جزاء ولا شكورا، ولا يسترد، فهو يهب دائما ولا يفكر في الاستبقاء على ذاته

أحب من يخجل من سقوط زهر النرد لحظه فيرتاب بغش يده، إن أمثاله التائقون إلى الزوال

أحب من يبذل الوعود وهاجة ثم يتجاوز عملة وعده، إن أمثاله هم التائقون إلى الزوال

أحب من يبرر أعمال الخلف ويدافع عن السلف لأنه بذلك يسلم نفسه إلى نقمة معاصريه، فهو ممن يتوقون إلى الزوال

أحب من يعلن حبه لربه بتوجيه اللوم إليه، إذ يجب أن يهلك بغضب ربه

أحب من يبلغ التأثر أعماق روحه في جراحها فيعرضه أتفه حدث للفناء، إن أمثاله يعبرون الصراط دون أن يترددوا

أحب من تفيض نفسه حتى يسهى عن ذاته، إذ تحتله جميع الأشياء فيضمحل فيها ويفني بها

أحب من تحرر قلبه وتحرر عقله حتى يصبح دماغه بمثابة أحشاء لقلبه، غير أن قلبه يدفع به إلى الزوال

أحب جميع من يشبهون القطرات الثقيلة التي تتساقط متتالية من الغيوم السوداء المنتشرة فوق الناس، فهي التي تنبئ بالبرق وتتوارى

ما أنا إلا منبئ بالصاعقة، أنا القطرة الساقطة من الفضاء، وما الصاعقة التي أبشر بها إلا الإنسان الكامل.

- 5 -

وبعد أن ألقى زارا هذه الكلمات أجال أنظاره في الحشد وسكت ثم قال في قلبه: لقد تملكهم الضحك، فهم لا يفهمون ما أقول، وما أنا بالصوت الذي يلائم هذه الأسماع

أعلي أن أسد آذانهم ليتمرنوا على الإصغاء بعيونهم؟ أم يجب أن أضرب الصنج أسوة بوعاظ الصيام؟ لعل هؤلاء القوم لا يثقون إلا بالألكن من المتكلمين

إن لهؤلاء الناس ما يباهون به فما عساه أن يكون؟

إنهم يسمونه مدنية ليميزوا بها أنفسهم من الرعاة. فهم لذلك ينفرون من لفظة الاحتقار إذا ما ذكرت في معرض الكلام عنهم، فلسوف أخاطبهم إذن عن غرورهم

سأخاطبهم عن أحقر الكائنات، عن الإنسان الأخير، وتوجه إلى الحشد قائلا:

لقد آن للإنسان أن يضع هدفا نصب عينيه، لقد آن له أن يزرع ما ينبت أسمى رغباته، ما دام للأرض بقية من ذخرها؛ إذ سيأتي يوم ينفذ هذا الذخر منها فتجدب ويمتنع على أية دوحة أن تنمو فوقها.

ويل لنا! لقد اقتربت الأزمنة التي لن يفوق الإنسان فيها سهام شوقه محلقة فوق البشرية إذ تخونه قوسه وتتراخى أوتارها

الحق ما أقوله: لن يخرج من الإنسان كوكب وهاج للعالم حين تزول بقية السديم من نفسه، وهذا السديم لم يزل فيكم

ويل لنا! لقد اقتربت الأزمنة التي لن يدفع الإنسان فيها بالكواكب للعالم. ويل لنا؟ لقد اقترب زمان الإنسان الحقير الذي يمتنع عليه أن يحتقر نفسه

اسمعوا! هأنذا منبئكم عن الرجل الأخير

إنه من يقف متسائلا عن نفسه فلا يعلم أمحبة هي أم إبداع أم تشوق، أم توهج كوكب

وستصغر الأرض في ذلك الزمان فيصطفر على سطحها الرجل الأخير الذي يحول إلى حضارة كل ما يدور به، إن سلالة هذا الرجل لا تباد، فهي أشبه بالبراغيث، والإنسان الأخير أطول البشر عمرا

ويقول أناسي الزمن الأخير متغامزين: لقد اخترعنا السعادة اخترعا لقد هجر هؤلاء البقاع التي تقسو عليها الحياة، لأنهم شعروا بحاجتهم إلى الحرارة فأصبح كل واحد يحتك بجاره وقد احتاجوا إلى الدفء جميعا

إنهم يقتحمون الحياة باحتراس لأن الوجل والمرض في عينهم خطأ، وما سلم من الجنون من يتعثر منهم بالجارة وبالناس

إنهم يأخذون قليلا من السموم حيث يجدونها طلبا لملاذ الأحلام ويكرعون منها ما يكفي دفعة واحدة طلبا للذة الموت

وإذا هم عملوا فإنما يعملون للتسلية محاذرين أن تذهب هذه التسلية بهم إلى حدود الإنهاك

ليس بينهم من يصبح غنيا أو يمسي فقيرا، وكلا الفقر والغني يجلب الضنى، وما منهم من يطمح إلى الحكم أو يرضى بالخضوع وكلاهما محرج مرهق

ليس هنالك راع وليس هنالك إلا قطيع واحد. إن كلاً من الناس يتجه إلى رغبة واحدة، فالمساواة سائدة بين الجميع. ومن اختلف شعوره عن شعور المجموع يسير بنفسه مختارا إلى مأوى المجانين

ويغمز أمكر هؤلاء الناس بعينهم ويقولون: لقد كان الجميع مجانين فيما مضى

لقد ساد الاحتراس بين هؤلاء القوم لأنهم أخذوا بالعبر، فهم يتلقون المحادثات متهمكين، وإذا نشأ بينهم خلاف بادروا إلى حسمه صلحا، لأنهم يحاذرون أن تصاب معدهم بالعلل والأدواء

لهؤلاء الناس لذات للنهار ولذات أخرى لليل، غير أنهم يراعون صحتهم أولا

(لقد اخترعنا السعادة اختراعا) ذلك ما يقوله أناسي الزمن الأخير وهم يغمزون

عند هذا أنهى زارا خطابه أو بالحري تمهيد خطابه فتعالت أصوات التهليل من الحشد وهو يقول: (إلينا بهذا الرجل الأخير يا زارا، اجعلنا على مثال أناسي الزمن الأخير فقد تخلينا لك عن الإنسان الكامل

ولكن زارا وجم أمام هذا الحشد يسوده مثل هذا الروح فاستولى الحزن عليه وقال في نفسه:

إنهم لا يفهمون كلامي، فلست بالصوت الذي تتطلبه هذه الأسماع

لقد عشت طويلا في هذه الجبال وأنصت طويلا إلى هدير الغدران وحفيف الأشجار فأنا أكلم هؤلاء الناس الآن كأنني أخاطب رعاة الماعز إن روحي صافية تغمرها الأنوار كما تغمر القمم تباشير الصباح، ولكنه يحسون بالصقيع في قلبي ويحسبونني مهرجا يأتيهم بالمفجع من النكات

ها هم أولاء يحدجونني بأنظارهم ويتضاحكون، ففي قلبهم ثورة البغضاء وعلى شفاههم بسمة الثلوج

- 6 -

وطرأ حادث كم الأفواه واسترعى الأبصار، وكان البهلوان بدأ بألعابه فاندفع من النافذة وأخذ يتمشى على الجبل الممدود بين برجين فوق الساحة وما عليها من المتفرجين وما وصل إلى وسط الجبل حتى فتحت النافذة مرة ثانية واندفع منها فتى مخطط بالألوان كالمهرجين وسار متبعا خطوات البهلوان صارخا:

- إلى الأمام أيها الأعرج! إلى الأمام أيها الكسلان، أيها المرائي ذو الوجه الشاحب! اذهب لئلا تداعبك نعلي، ما هو عملك بين هذين البرجين؟ أفليس في البرج مكان سجنك؟ إنك تسد الطريق في وجه من هو أفضل منك)

وكان الفتى يتقدم خطوة كلما قال كلمة حتى أصبح قاب قوس من البهلوان، وعندئذ وقع الحادث الذي كمَّ الأفواه واسترعى الأبصار. فان الفتى لم يلبث أن صرخ صرخة الجن وقفز فوق العقبة القائمة في سبيله. ولما رأى البهلوان انتصار خصمه عليه أخذه الدوار وخلت رجله عن الحبل فرمى عارضة التوازن من يديه وسقط في الفضاء حيث لاحت رجلاه ويداه كعجلة تدور في الهواء.

وماج الحشد على الساحة كالبحر اجتاحته العاصفة الهوجاء وانفرط الناس مولين الأدبار وانفرط المكان حيث كان يتجه الجسم بانحداره

ولكن زارا لم يتحرك فوقع الجسم على مقربة منه حيث تقطعت أوصاله وتهشم غير أنه كان لم يزل حيا، وما عتم أن عاد روع الجريح إليه فرأى زارا جاثيا قربه فرفع رأسه وقال له:

- ماذا تفعل هنا؟ ما كنت أجهل أن الشيطان سيضل خطواتي يوما وها هو ذا الآن يجرني إلى جحيمه، أفتريد أن تمنعه؟

فقال زارا: - وشرفي يا صديقي إن ما تذكره لا وجود له، فليس من شيطان وليس من جحيم، إن روحك ستموت بأسرع من جسدك فلا تخش بعد الآن شيئاً

فرفع الرجل بصره مشككا وقال:

إذا كان ما تقوله صحيحا فأني لا أفقد شيئاً بفقد الحياة. فلست أنا إذن إلا حيوانا رقصت بالضرب وغذيت بأفخر غذاء

فقال زارا: لا، ليس الأمر كما تقول فأنك اتخذت المخاطرة مهنة لك ولم يكن فيها ما يشين. أما الآن فمهنتك هي أن تفنى، من أجل هذا سأدفنك بيدي

ولم يحر المدنف جوابا بل حرك يده باحثا عن يد زارا ليصافحها دلالة على شكره

(يتبع)

فليكس فارس