مجلة الرسالة/العدد 196/صديق من صنوف الأعداء

مجلة الرسالة/العدد 196/صديق من صنوف الأعداء

ملاحظات: بتاريخ: 05 - 04 - 1937



للأستاذ أمين الخولي

- 1 -

مرت القرون تترى، والغرب يرمي الشرق بأفلاذ أكباده، ويرصد لكيده أنفس عتاده، ويهيج لقتله غطاريف أجناده، والشرق صامد باسل، صابر على هذا البلاء النازل. . . يا عجبا! هما يتنازعان قبرا، وإن يكن لسيد الحواريين، وكلاهما يؤمن أنه مرفوع، وفي السماء قار. ليس في الأرض مرقده، ولا بين أطباق الثرى جسده. ولولا دفع الله الناس بعضهم لبعض لفسدت الأرض. حكمة الله وسنة الاجتماع، لتتصل الأسباب، وتتم النواميس، وتنمو الحضارات، وتتواصل المدنيات

في القرن الثالث عشر الميلادي، وهذا الأتون لما يخمد، يؤجج الحقد أواره، ويؤرث البغض ناره، كانت تتدانى قلوب بهذا التباعد، وتتعارف نفوس بالتقاطع السائد، ويأبى الله إلا أن يكون هذا الكون خيراً شيب بشر، وشراً حمل خيراً، وأن تكون الحرب ناراً ونوراً

- 2 -

كان جرمانياً صليبة، أوربياً محضاً، غربياً صرفاً؛ البابا وصيه وهو صغير، والبابا مدبره وهو كبير؛ نشأ في حضن المسيحية، وغذاه حب الكنسية الكاثوليكية، وبورك به طفلا، وفتى وزوجا وأباً، كما توج بها ملكا وأيد منها، فبسط يده أمام المذبح يقسم أن يسير إلى الشرق غازياً، ويخلص قبر المسيح فادياً، ويعز النصرانية في شرقها والغرب: ذلكم فردريك الثاني هو هنشتاوفن، إمبراطور الدولة الرومانية المقدسة، وملك صقلية - 1212 - 1250م -

- 3 -

لكن الشرق الساحر، بسناه الباهر، ومجده الزاخر، وعقله القاهر، وفنه الفاخر، قد فتن الأنبرور على غربيته؛ واستهواه في أوربيته، وأصباه على جرمانيته، فإذا العاهل شرقي في هواه وميله، شرقي في علمه وفنه، شرقي في مزاجه وذوقه، شرقي في خاصته وجنده؛ وإذا هو لا يبر للكنيسة بقسم، ولا يفي بموعد،. . ثم إذا هو حرب على صاحب مفاتيح الجنة، ينتهك حرمته، ويحقر قداسته؛ يرفع على رأسه سيفه، بدل أن يحني أمامه رأسه. وإنها لمفارقة سجلها التاريخ دهشا

- 4 -

كان ذوقه شرقيا، في جده ولعبه، في قصره وحاشيته، في مركبه وسلاحه؛ يدبر ذلك من أمره أتباع شرقيون مسلمون، قد حكى في ذلك ما عرف الشرق من قصور الخلفاء، حتى ما أفرد من مقاصير النساء أنس إلى الفن الشرقي صامته وناطقه؛ تجري حياته على أنماط وعادات شرقية تحرسه أجناد من بني الشرق المسلمين يجيد العربية فيما يعرف من لغات حتى يتكلمها ويدرس بها وكم وراء ذلك من مظاهر فنية، وولع شرقي ليس أقل من هذا شانا ولا أيسر خطراً

كان عقله شرقيا، آثر الثقافة العربية على الثقافة اليونانية وعمل على اكتساب غربه من ذلك ما يصل إليه جهده، فمنح التفكير العملي لعصره اتجاها جديداً؛ وكان أقوى وأقدر من عرف الغرب في حركة نقل المعارف عن الشرق في تلك الأعصر؛ وفي كنفه نشط مترجمون من أنحاء أوربا المختلفة، لنقل ما حفظ الإسلام من تراث الإنسانية، وذخر المدنية

ونسى أو تناسى ما بين الشرق والغرب إذ ذاك، من حروب مشبوبة، وعداوة مذكاة، فراسل ملوكه في الود، وفي العلم، يسألهم فتاوى الرياضة، وفنون الحكمة، سواء في ذلك دانى الشرق منه، وقاصيه عنه؛ فكتب إلى علماء سبتة يسألهم في شئون فلسفية، رد عليه فيها ابن سبعين أبو محمد عبد الحق بن إبراهيم الاشبيلي، كما كتب إلى الملك الكامل بمصر في مسائل مشكلة من الهندسة والحكمة والرياضة، ورد عليه الشيخ علم الدين قيصر الحنفي وغيره من علماء مصر: التي كانت تتلقى هجمات الغرب، وتلقنه أصول الحياة في وقت واحد

- 6 -

كان شرقي الوجدان، غمره فيض الشرق الروحي، ونزوعه الصوفي فلم يأسره تلقينه، ولم يعقله تعميده؛ بل كان وراء ذلك كله: دخل بيت المقدس - حفظا لناموسه - برضا الملك الكامل صلحا فجامله المسلمون بمنع الأذان، وإذا هو يقول: والله كان غرضي في المبيت بالقدس أن أسمع أذان المسلمين وتسبيحهم في الليل. وإذا المسلمون يحسون تسامحه، فيقول مؤرخهم: إنه كانت دهريا، وإنما يتلاعب بالنصرانية. وحقا قد عرفت منه الكنيسة أشد ما عرفت في تاريخها من ثورة ونضال

- 7 -

تلك شخصية خليقة بالدرس الفلسفي والتاريخي، رجل أنقذ العقل إذ الجهل حالك، والظلام قاتم؛ وحرر الوجدان إذ العصبية طاغية باغية؛ وعرف الإسلام وتحبب إليه إذ أنكره الغرب وقاتله جاهداً جاهلا، وأخلص له الصداقة حتى لقبه قومه (السلطان المعمد).

إلا أنه فضل الشرق ومثله لا يجحد، وأنه مجد الشرق ومثله يعشق، وأنه عرف الشرق ومثله لا يجهل

- 8 -

أيها الشبان: تلك فتنة الشرق، فهل فقدها فيكم؟؟

أيها الشبان: تلك روحانية الشرق، فهل خسرها بكم؟؟

أيها الشبان: تلك قوة الشرق، فهل أضلها عندكم؟؟

ألا أجيبوا داعي الزمن المثوب!

أمين الخولي