مجلة الرسالة/العدد 201/رسالة الشباب

مجلة الرسالة/العدد 201/رسالة الشباب

مجلة الرسالة - العدد 201
رسالة الشباب
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 10 - 05 - 1937


الزحف الاجتماعي

لم نكد نفتح هذه الفرجة لآراء الشباب نرى منها اتجاه موجاته ومنزع

خلجاته حتى انثالت علينا رسائله الفتية تعرض مسائله، وتبحث

مشاكله، وتصور هواه. وسننشر منها ما يستحق النشر، ونناقش ما

يستوجب المناقشة، عسى أن يكون من وراء ذلك الطريقُ الذي يستقيم

عليه الجهاد ونوفي منه على الغاية كتب (شاب) مكتمل الشباب ناضج

الفكر يقول:

قرأت مع الإعجاب كلمتكم البليغة في مجلة الرسالة المحبوبة تعلنون فيها أنه يهمكم على الأخص أن تعرفوا رأي الشباب وتطلعوا على انفعالاته واتجاهاته وتبدون فيه رأيكم، في أن واجب الشباب أن يستمر على صياله في ميدان الكفاح السياسي.

ولسنا معشر الشباب نوافق على رأيكم في أن الجيل الماضي قد أنهكه النضال في المعركة الكبرى، ونعتقد أن قولكم هذا ناشئ من تواضع طبيعي، إذا أنكم من ذلك الجيل الماضي فلستم تريدون أن تستأثروا بالمفاخر كلها فتنازلتم عن المجد طواعية واختيارا. فأنا نرى أن ذلك الجيل الماضي قد أخذ على عاتقه أمانة قومية ثقيلة الحمل، ولا يزال قادرا على المضي في سبيله رافعاً علم البلاد موفقا إن شاء الله. ولا نزال نرى رجال هذا الجيل أمثلة نحتذيها ونسير في آثارها إذ لابد للمعركة من قواد وجنود، فإذا كانوا هم القواد ونحن الجنود فليس ذلك بمنقص من مقدار جهادهم، لأن جهاد القواد لا يقل في عظمته ومجده عن جهاد عامة الجند. وإننا ندخر لمستقبلنا أن نكون في آخر عهدنا بالجهاد قوادا عندما يجيء الوقت الذي يكون علينا القيام بالقيادة - وإنه ليقر أعيننا أن نتصور أننا نكون عند ذلك جديرين بالثقة والتقدير، ينظر إلينا شبان عهدنا فيجدوننا لا نزال إخوانا مجاهدين متضامنين معهم في القيام بالواجب

نرى أن الشباب يستطيع أن يؤدي واجبه الوطني في ناحية لا يستطيع أن يجول فيها رجال الجيل الماضي، فإننا أقدر على الاتصال بجمهور الشعب وأخف حركة وأقوى على احتمال المجهود الجسماني الذي تطلبه الحركة المستمرة، ولهذا نرى أن من واجبنا هذا الاتصال بالجمهور لكي نعمل على نشر المبادئ السياسية السامية والعمل على تنوير الشعب وتثقيفه وتنظيم ما يحتاج إلى التنظيم من حياته العامة.

ويستطيع شبان البلاد ولاسيما طلبة المدارس والكليات أن ينتشروا في الريف والمدن في أثناء العطلة الصيفية ويقوموا على إنفاذ برنامج وطني شامل، وأقترح لهذا أن تقوم دعوة واسعة على تكوين جمعية منظمة من هيئات الطلبة والشبان لتنظيم البرنامج الذي يقوم الشبان على انفاذه؛ وأعتقد أن شباب البلاد إذا تضافر في مدى خمسة أعوام يسميها (أعوام الزحف العام الاجتماعي) على أن يغزو أطراف الريف والمدن بدعاية تهذيبية واقتصادية قوية أمكن أن تخرج البلاد بعد تلك الأعوام الخمسة بفائدة عظمى تساعد أكبر المساعدة على جعل استقلالنا حقيقياً بكل معنى الكلمة، ونكون عند ذلك قد قمنا بحمل الواجب مع الكتلة الوطنية المخلصة.

فأرسل إليكم هذه الدعوة لعلها تصادف قبولا عند إخواني الشبان وأسأل الله أن يوفقنا جميعاً إلى خدمة بلادنا التي نرجو أن تتضامن على خدمتها كل الصفوف وكل الأجيال

(شاب)

اعتراض الشاب الفاضل وجيه واقتراحه أوجه؛ ورأيه يستحق النظر المتقصي والبحث المفصل. وسنعود إليه في العدد المقبل فنناقش الوسائل إلى تنفيذه

السياسة فتوة هذا العصر

وكتب إلينا الأديب صاحب الإمضاء يقول:

. . . يظهر مما كتبتموه في العدد الماضي أنكم ترون دخول الشبان في الميدان السياسي، وفي هذا على ما أظن توجيه لجهوده في طريق غير مأمون ولا موصل. إذا كان واجبنا الأعظم في الحياة أن نقدم للمجتمع خير ما نستطيعه من إنتاج فلماذا لا نصرف هذا النشاط المتدفق إلى ميادين العلم والأدب والفن والاقتصاد فيؤتي أكله وينتج ثمره، وندع السياسة لأهل الرأي من شيوخ الأمة الذين مارسوها واضطلعوا بها وعرفوا مداخلها ومخارجها؟ - إن السياسة حطمت كثيراً من المواهب الصالحة، وجرف تيارها كثيراً من العناصر النافعة، فهلا ترون أن يكون شباننا كشبان إنجلترا لا يسمعون بالسياسة إلا بعد أن يقطعوا أكثر مراحل الحياة وتمرسوا بكل عمل من أعمال الأمة؟ إن الموضوع في نظري يحتاج إلى إثارة المناقشة ومعاودة البحث فلعلي أكون المخطئ، ولعلي أكون المصيب. . .

العباسية

محمد زهدي ناصر

ربما كان رأي الكاتب الفاضل يستقيم إذا كانت مصر كإنجلترا في شدة بنيانها وثبات دعائمها وقوة مجتمعها ونضوج أحزابها واطراد سياستها، ولكننا نعيش في شعب ناشئ لا يزال يصارع أطماع القوة من الخارج، وعوامل الضعف من الداخل؛ ومادامت القلوب خانعة والنفوس قانعة والطرق وعرة والأحداث راصدة، فإن العمل السياسي أو التوجيه القومي يبقى أول الواجبات وأنبل الأعمال على الشباب. أن الشاب هو أجلد على انتجاع الطريق المخوف، واكتشاف الموضع المجهول، ومواجهة العدو الكامن، وإيقاظ الشعور الخامد؛ ولا يهمه أن يحترق وهو يضيء، ويغتال وهو يهدي، ويسقط وهو يدافع. ولا ريب أن الشيوخ أنضج رأيا وأنفذ بصيرة وأوسع ثقافة ولكن الشباب هم الأيدي التي تنفذ، والروح التي تنشط، والأجنحة التي تطير، على أن السياسة التي نريدها للشبان أوسع وأشمل مما يتصوره الكاتب الفاضل؛ فالسياسة دعوة وتدبير وقيادة، وقوى البلد المادية والأدبية معطلة من طول الإغفاء والترك؛ والإحساس الشاب هو وحده الذي يستطيع أن يحرك في طبقات الشعب هذا الجمود المزمن بالدعوة الصارخة، والإرشاد الصالح، والقدوة الحسنة، إن السياسة هي فتوة العصر الحديث في الأمم الحديثة؛ وإن الأمم الأوربية التي أضعفها انحلال الخلق، أو فتكت بها أدواء الحرب، لا يجدد الآن ما رث منها ولا يحيى ما مات فيها إلا الشباب

قد يكون صحيحاً أن الشباب لو انصرف إلى الاختصاص في العلم لجاء بأعظم المخترعات ودون خير المؤلفات؛ ولو كتب في الأدب لخلد اسمه بين أعلامه؛ ولو مارس الفن لتألق نجمه في سمائه، ولكن أي علم يفيد أكثر من هذا الذي تنير به للشعوب المغلوبة طريقها إلى الحرية والمجد؟ وأية قصة تكتبها أروع من هذه التي تكون أنت أحد أبطالها؟ وأية قصيدة تنظمها أبلغ من أن تكون مثال التضحية؟ وأية صورة ترسمها أجمل من هذه الجموع البائسة تعمل على نقلها من حال البؤس إلى حال النعيم؟ وأي طب أنفع من طب الجموع؟ وأي تدوين للتاريخ أتم من أن تصنع التاريخ! قل معي: حيا الله السياسة وأدامها فتنة للشباب!