مجلة الرسالة/العدد 204/رسالة النقد

مجلة الرسالة/العدد 204/رسالة النقد

مجلة الرسالة - العدد 204
رسالة النقد
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 31 - 05 - 1937


إسماعيل المفترى عليه

تأليف القاضي بيير كربتيس

وترجمة الأستاذ فؤاد صروف للأستاذ الغنيمي

تتمة

(12) وقال المؤلف يصف القلق الذي كان سائداً في مصر في آخر أيام إسماعيل باشا

,

فقال الأستاذ صروف في ترجمتها (في هذه الديار نوع من الاختمار الفكري. ولو كان هذا الاختمار طبيعياً لأوجد في النفس قلقاً) ونحن أولاً لا نستحسن ترجمته كلمة في هذا الموضع باختمار لأن فيها غموضاً كثيراً وكان الأفضل أن تترجم بكلمة (قلق) وثانياً وهو الأهم أن الجزء الأخير من الجملة هو عكس المعنى الذي أراده المؤلف وهو ولو كان هذا القلق طبيعياً (غير مفتعل) لعددناه من دلائل الخير. فأين هذا من قول المؤلف (لأوجد في النفس قلقاً).

(13) ومن أمثلة عدم الدقة في اختيار الألفاظ المناسبة قول المترجم عن رفض ضباط الجيش في عهد الوزارة الأوربية (هذا التدبير كان فظاً) فهل يوصف التدبير بالفظاظة؟

وقوله أيضاً عن الضباط المفصولين (جمع ألفاً وخمسمائة ضابط في حالة الغليان) وتلك أيضاً عبارة ثقيلة على السمع

وقوله عن الناظرين الأوربيين في وزارة نوبار باشا (وأهانا الشعب برفضهما التزني بالوشاح الوطني) يريد أنهما أساءا إلى الشعب أو جرحا عواطفه بعدم لبس الشعار القومي (الطربوش)

وقوله عن إسماعيل باشا (يمكن الاعتراف بأن إسماعيل كان كبش التضحية على هيكل الأنظمة الاقتصادية) وهي عبارة لا يقبلها ذوق. مثلها في ذلك مثل قوله الآخر

(15) (وقفز إسماعيل من المقلاة إلى النار) وقوله (فإسماعيل كان واقفاً وظهره إلى الجدار) يريد أن إسماعيل سدت في وجوهه السبل أو أظلم يومه أو نحو ذلك (14) ومن أمثلة العبارات التي يحار القارئ في فهم معناها لغموضها أو ضعف أسلوبها قوله عن وزارة نوبار باشا (ونظاره يحكمون تحت سيطرة الإلغاء من ولسن وبلنيير)

وقوله عن مقتل إسماعيل صديق باشا (فالذين يجهلون مصر كذبوا الخبر بحملته والذين يعرفونها صدقوه ورأوا فيه خاتمة غير فجائية ولا فاجعة لما بد مهزلة وانتهى إلى مأساة) وإذا فرضنا أن بد الواردة في آخر الجملة غلطة مطبعية صوابها بدأ فإن الجملة بعد هذا التصحيح تظل غامضة

(15) ومن الجمل التي تغير معناها لخطأ في ترجمة إحدى كلماتها قول الأستاذ صروف عن تقرير لجنة التصفية (وقد وضع نصفه الأول لورد كرومر) مع أن المؤلف يقول (وقد وضع صورته الأولى أو مسودته لورد كرومر)

وقوله (ولقد حان الوقت حقاً لحل مجلس النواب القديم) يريد مجلس النظار

(15) ومن أمثلة الأسلوب الضعيف قول الأستاذ صروف في وصف سفر الخديو إسماعيل باشا على ظهر المحروسة (فكل) مفكر راقب المحروسة تبحر من مرفأ الإسكندرية بعد ظهر ذلك اليوم في الصيف تنهد بطبيعة الحال أمام مشهد بارز في أفق العالم للفرص الذهبية تسنح وتلمع ثم تضيع)

فهل هذا وصف يمثل لخيال القارئ صورة ذلك المشهد الرهيب؟

(16) ومن الأشياء التي لا نستطيع أن نفهم لها سبباً حرص الأستاذ صروف حرصاً شديداً على أن يترجم كلمة دائماً أو في معظم الأحيان بكلمة مجلس نظر حتى ولو أدى ذلك إلى غموض المعنى وضعف الأسلوب فيقول مثلاً:

فقد مجلس النظار ثقة البلاد بدل أن يقول فقدت الوزارة ثقة البلاد ويقول، فقرر مجلس نوبار (يريد قررت وزارة نوبار) دفع جانب من المتأخرات ويقول فتألف مجلس نظار مصري (يريد وزارة مصرية) ويقول وعندما ألف نوبار مجلس نظاره ويقول انتدب نوبار لتأليف مجلس النظار، وكتب الخديو إلى نوبار يفوض إليه تأليف مجلس نظار وهكذا

وربما كان السبب أن الأستاذ صروف يظن أن كلمة وزارة لم تكن تستعمل في ذلك الوقت والحقيقة أنها كانت مستعملة وقد استعملها الأستاذ صروف في بعض المواضع يخيل إلينا أن الذي ترجم الجزء الأخير من الكتاب ليس هو الذي ترجم الجزء الأول منه

(17) قال المؤلف في معرض تبرير الرشا التي كان سمو الخديو يدفعها إلى رجال السراي

وهي عبارة معناها (إذا كان العالم لا يرضى عن تشجيع الرشوة) ولكن الأستاذ صروف ترجمها بهذه العبارة الغامضة التي لا يفهم لها معنى وهي (إذا كان العالم لا يرضى عن تشجيع ما يثير)

(18) ولينظر القارئ أيضاً إلى العبارة الآتية التي يذكر فيها المؤلف ما أنفقه سمو الخديو على التعليم

ومعنى الواردة في هذه العبارة هو إطعام التلاميذ الفقراء وهو معنى عادي لهذه الكلمة ذكر في القاموس صراحة بلفظ ومعنى العبارة إذن هو (نعم إن كثيراً من هذا المال ينفق على طعام التلاميذ الفقراء ولباسهم) ولكن الأستاذ صروف غفل عن ذلك فترجمها (المجلس) وأفسد معنى العبارة إذ قال (نعم إن جانباً كبيراً من هذه المبالغ استنفده المجلس) ولا ندري أي مجلس يريد. ولماذا لا يرجع الأستاذ للقاموس ليعرف معنى العبارات التي يشك فيها؟

ننتقل بعد هذا إلى أسماء الأعلام الواردة في الكتاب فنقول إن الأستاذ حرفها بل بدلها تبديلاً لم نر له نظيراً في كتاب من كتب التاريخ

إن أكثر ما يؤلم المصححين والمراجعين في دار الكتب المصرية عندما ينشرون كتاباً من الكتب العربية القديمة المخطوطة هو ما يجدونه في أسماء الأعلام من تحريف؛ وإذا علمت أن معظم هذا التحريف الذي يلاقونه إنما ينشأ من اختلاف في وضع نقطة على حرف بدل حرف أو حذفها أو نحو ذلك وأنه مع هذا يسبب لموظفي هذه الدار عناء ليس بعده عناء لأنهم يريدون أن يخرجوا للجمهور كتباً صحيحة مضبوطة، إذا علمت ذلك أيقنت أنه من حق القراء على الكتاب والمترجمين أن يتحروا الحقيقة فيما يكتبون وأن يتأكدوا من صحة الأسماء التي يكتبونها لهم. إن الأشخاص في التاريخ هم المحور الذي تدور حوله الحوادث وهم بمنزلة أحجار البناء فيه، فإذا كانت أسماؤهم خاطئة وبعيدة كل البعد عن الصواب فسد البناء كله. والأستاذ صروف لسبب ما لم يتجر صحة الأسماء فأخطأ في كثير منها خطأ لا يصح أن يقع فيه

(1) فعالي باشا الصدر الأعظم في عهد الخديو إسماعيل وقبل إسماعيل الذي ظل يتناوب هو وفؤاد باشا منصبي الصدارة ووزارة الخارجية قد سماه الأستاذ (علي باشا) لأنه ترجم الحروف الإنجليزية دون بحث عن الحقيقة

(2) وسرور باشا الذي تولى وزارة الخارجية في وزارة محمود نديم باشا الأولى بعد وفاة عالي باشا ثم تولاها مرة أخرى بعد ست سنين من ذلك التاريخ قد سماه الأستاذ (سيور). وليس خطأ المؤلف في هذا مما يبرر خطأ المترجم لأن واجب المترجم أن يحقق ويراجع لا أن ينقل ألفاظاً وحروفاً

(3) وهاك غلطة ثالثة من هذا النوع: من الأشخاص الذين كانوا يأخذون المال من إسماعيل باشا شخص يدعى (رشدي باشا الصغير الأقياني) وهو من إقليم يدعى أقيان أو أكيان قريب من أرضروم كتبه المؤلف فكتبه الأستاذ رشدي باشا المكنى بأقيان وليست أقيان كنية لرشدي باشا ولا لقباً له بل هي اسم الإقليم الذي ينتسب إليه. فإذا قلنا فليس معنى هذا الغنيمي المكنى بأسيوط بل الغنيمي الأسيوطي وهكذا

(4) ولا يقل عن هذا استبدال الأستاذ صروف (موافي) أفندي باسم سعاوي أفندي الذي ذكره المترجم وكتبه هكذا وهو أحد الفارين من وجه الاضطهاد التركي واسمه الكامل علي سعاوي أفندي وقد كرر الأستاذ هذا الاسم المحرف مراراً دون أن يفكر في البحث عن حقيقته

(5) ومثله أيضاً الشخص الذي يسميه الاستاذ صروف كربجي باشا مرة أو مرتين وكبريجي باشا مرة أخرى وليس هو كربيجي ولا كبريجي باشا بل هو القبرصي باشا أو القبرصلي باشا إذا شئت أن تذكره بصيغة النسب التركية. وقد أخطأ المؤلف في الاسم فاستبدل بحرف حرف ولكنه عاد بعد ذلك في صفحة 185 من الأصل الإنجليزي فصحح الخطأ

ولا يختلف عن هذا أيضاً الشخص الذي يسميه الأستاذ صروف (تاجي كاتب أمين بك) وهو اسم لا وجود له ولا الشخص الآخر الذي يسميه سعيد بك ولا خليج ممياز ولا سمعان بك الخ وبعد فأظننا بهذا قد أعطينا القراء فكرة عن ترجمة الأستاذ صروف لكتاب إسماعيل المفترى عليه، ولم يبق إلا أن نقول إن أسلوب الكتاب كله وبخاصة أسلوب فصوله الأخيرة معقد مفكك ملتوي العبارات تحس وأنت تقرأه إنك تقرأ عبارات مترجمة لا رابطة تجمعها. ويستطيع القارئ أن يلمس ذلك بيده في هذه الفصول

ولا ندري لماذا أغفل الأستاذ صروف دليل الكتاب أو فهرس الأعلام الذي عني به المؤلف فذكر الاسم والصفحات التي ورد فيها. أغفله الأستاذ ووضع بدله دليلاً ناقصاً من عنده لم يذكر فيه الصفحات، مع أن الدليل جزء لا غنى عنه في كل الكتب الحديثة لأنه يسهل على القارئ البحث والمراجعة

ونحب قبل أن نختم هذا النقد أن نعتذر إلى القراء وإلى الأستاذ صروف عن عبارة ذكرناها في المقال السادس على أنها غامضة المعنى تلك هي جملة (يخفي ضوءه تحت مكيال) وهي في الحقيقة غامضة إلا لمن درس الكتاب المقدس دراسة وافية وكان على الأستاذ أن يشير إلى مصدرها

ثم نورد هذه الفقرة من خاتمة الكتاب التي كتبها الأستاذ صروف من عنده وهي:

(ولقد توخينا في الترجمة أن تجمع بين سلامة الأسلوب العربي والدقة في متابعة الأصل الإنجليزي. ولما كانت القواعد التي وضعها مجمع اللغة العربية الملكي لتعريب أسماء الأعلام الأجنبية لم تظهر بعد فقد عربتها كما تعرب عادة في مصر. وإذا وجد القارئ اسم غوردون بالغين على الأكثر وبالجيم على الأقل، أو لفظ الخديو بغير الياء على الأكثر وبالياء على الأقل، ولفظ الأمريكي بتقديم الياء على الكاف على الأكثر وبتقديم الياء على الراء على الأقل، فما ذلك إلا من هنات الطبع. . . الخ

هذا كل ما يعتذر عنه الأستاذ. أما تحريف الأسماء وحذف الجمل وقلب المعنى وغموض العبارة وعدم سلامة الأسلوب فلا اعتذار عنه، بل ليقبله القراء وأنوفهم راغمة

إن في استطاعتنا أن نملأ بأغلاط الكتاب صفحات بل أعداداً من مجلة الرسالة لأن ما تتبعناه من فصوله هو الستة فصول الأولى وبعض أغلاط من فصوله التالية. لكننا آثرنا أن نترك الباقي لمن هو أقل منا عملاً أو أوسع منا وقتاً. على أننا قد نعود إلى الكتاب مرة أخرى إذا أمكنتنا الظروف الغنيمي