مجلة الرسالة/العدد 211/الخطابة في عهد علي بن أبي طالب

مجلة الرسالة/العدد 211/الخطابة في عهد علي بن أبي طالب

مجلة الرسالة - العدد 211
الخطابة في عهد علي بن أبي طالب
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 19 - 07 - 1937


للأستاذ أحمد أحمد بدوي

- 1 -

ارتقت الخطابة في عهد علي بن أبي طالب ارتقاء واضحاً وصارت سلاحاً قوياً يلجأ إليه الخليفة وخصمه؛ يثيران بها الأنصار، ويحفزان النفوس إلى الغارة والحروب؛ ولقد خلف لنا هذا العصر قدراً كبيراً من الخطب، لم يؤثر مثله طول عهد الخلفاء الراشدين؛ وليس ذلك بعجيب؛ فإن المسلمين لم يقفوا موقفاً يحتاج إلى كثرة الخطابة، كهذا الموقف الذي وقفوه أيام علي ومعاوية.

لم يقف المسلمون قبل اليوم يحارب بعضهم بعضاً، وإنما كانوا يجتمعون لحرب المشركين، ونشر لواء الدين، تملأ قلوبهم الروح المعنوية، والأيمان القوي المتين، وتحدوهم العقيدة أن لهم إحدى الحسنيين؛ فكان لهم من أنفسهم وازع أي وازع؛ قلبهم يدفعهم، وعقيدتهم تقودهم؛ فلم يكونوا يوم خرجوا لمحاربة الفرس والروم في حاجة إلى إطالة القول والإطناب في الخطابة لأن الدين الجديد وعقيدتهم في وجوب نشره كان يحفزهم إلى الجهاد، ويملأ قلوبهم ثقة بالنصر معتقدين أن الله يمدهم بروح من عنده، وأن المجاهد منهم تنتظره جنات وعيون، أو نعيم الدنيا وما يغنمه من العدو، وما يناله من الفيء.

أما اليوم فهم مدعوون لحرب قوم لا يشركون بالله، ولا ينكرون محمداً، بل هم على دينهم وعقيدتهم، ومن جنسهم وملتهم ولذلك كان الموقف الجديد في حاجة إلى خطيب يبرر حرب المسلم أخاه المسلم وقتل العربي بني قومه العرب، واحتاج قادة الفريقين وزعمائهم إلى الخطابة يقوون بها الروح المعنوية، ويخلقون في نفوسهم الأيمان بأنهم يحاربون من اجل الحق والدين الذي آمنوا به، وبأن جهادهم ليس إلا لتمكين الاسلام، وتنفيذ أحكامه، وكان المتحاربون في حاجة إلى هذه الروح حتى تشتد سواعدهم على قتل إخوانهم وذوي قرباهم، وكان الزعماء يلجئون إلى الخطابة كثيراً، حتى لا تفتر هذه الروح وتضعف؛ وكثرة تكرار القول تدخل في النفوس توهم صدقه وصحته، وذلك هو السر في فكرة ما ورثناه من خطب هذا العصر كثرة لم نعهدها في خطب الخلفاء حينما كانوا يحضون المسلمين على حرب المشركين.

- 2 -

ولكن الذي بين يدينا من خطب علي وصحبه، أكثر من ما ورد لمعاوية وأركان حربه، ويمكن أن نرجع ذلك إلى أن كثيراً من آثار معاوية وأنصاره، قد امتدت إليه يد النسيان والضياع، بعد سقوط دولتهم، وتشتت شمل معاونيها، فإن الدولة الأموية بعد سقوطها لم يحاول أنصارها يوماً رفع رؤوسهم ولا محاولة رجوعها، ففقد بفقدانها الكثير من آثار خلفاءها؛ أما العلويوين فمع أنهم كانوا يحاربون ويقتلون، ويلاقون من الحياة الشدة والعناء، كان لهم في كل مكان الأنصار والمروجون لدعوتهم والساعون إلى إقامة خلافتهم، وقد نجحوا في كثير من الأحيان فكان من الضروري لهم أن يحفظوا كلام إمامهم، وأن يتناقلوا أحاديثه وخطبه.

ويمكن أن نرجعه إلى أن كثيراً من الخطب التي نسبت إلى علي وضعت بعد عصره وضعاً، وأضيفت إليه من غير أن يكون قد قالها، ولا نريد الآن أن نمحص هذه الخطب، وأن نبين ما وضع منها وما لم يوضع، ولكن نقرر أن كثيراً من هذه الخطب الصق به إلصاقاً؛ فكان سبب ما نراه من كثرة كلام علي كثرة يقل أمامها ما قاله معاوية؛ هذا إلى أنه مما لاشك فيه أن علياً كان أبين من معاوية قولا وافصح منه لساناً.

ويمكن أن يكون السبب قلة حاجة معاوية إلى الخطابة بالنسبة إلى علي، فلقد كانت الروح المعنوية في نفوس أهل الشام أقوى وأشد منها في نفوس أهل العراق، لأن معاوية قد ألقى في روعهم أنهم إنما يقتصون لخليفة قتل مظلوماً، ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً؛ ومن أولى بالدفاع عن حق عثمان من معاوية؟ وكان مكر معاوية ودهاؤه حين يقول: إننا لا نريد منهم سوى قتلة عثمان، فليدفعوهم إلينا ونحن نبايع صاحبهم - يحرك الشاميين إلى الأخذ بثأر عثمان، فلا حاجة إلى كثرة الخطابة وتكرير القول، هذا إلى أن أهل الشام كانوا أطوع لمعاوية من أهل العراق لعلي. فمعاوية وأبوه وأخوه من قوادهم يوم حارب المسلمون في الشام، وإلى أن الشاميين كانوا في موقف المدافعين عن بلادهم، الذائدين عن حياضهم وعن آبائهم ونسائهم، وهذا مما يقوي في نفوسهم روح الجهاد ويدفعهم إلى الحرب والقتال.

وهناك سبب آخر هام دعا إلى كثرة خطابة علي وصحبه، فلقد كان الخلاف يمشي إلى قلوب أنصاره، وكان المخالفون يبينون رأيهم بالخطابة فكان من الضروري أن يقف بينهم خطباء يدعونهم إلى الألفة واجتماع الشمل؛ هذا إلى أن أصحاب علي قد خذلوا خليفتهم، وتقاعسوا عن نصرته، فاضطر إلى أن يرقى ذرا المنابر. وأن يرسل فيهم الصيحة تلو الصيحة يحرضهم على مناجزة أعدائه. وللإمام وأنصاره خطب كثيرة في هذا الغرض.

على أن معاوية كان يلجأ إلى الخطابة الصامتة: فما كان عليه إلا أن يعلق على المنبر أصابع زوج عثمان التي قطعت في الدفاع عنه، وقميص عثمان، فيغنيه هذا عن تدبيج القول وإطالة الحديث؛ إذ يجد من حوله ينادون: هيا إلى الأخذ بالثأر، هيا إلى الحرب والقتال؛ وقد يكون السبب مزيجاً من ذلك كله.

- 3 -

لم يكن لعلي بد من أن يخلق في أنصاره الروح المعنوية، وأن يبرر لهم موقفهم من حرب قومهم وإخوانهم، وأن يملأ قلوبهم بالحماسة والبسالة، ويوغر صدورهم ضد عدوه معاوية ومن معه، فأحياناً يلجأ إلى العاطفة الدينية يثيرها فيظهر عداءه في مظهر المارقين عن الدين، والهادمين لأسسه ومبادئه، هذا الدين الذي كان أجل ما يعتزون به ويحاربون في سبيله، فيقول علي في خطبة: (وأيم الله ما وتر قوم قط لشيء أشد عليهم من أن يوتروا دينهم، وأن هؤلاء القوم لا يقاتلونكم إلا عن دينكم؛ ليميتوا السنة، ويحيوا البدعة، ويعيدوكم في ضلالة قد أخرجكم الله عز وجلّ منها بحسن البصيرة؛ فطيبوا عباد الله أنفساً بدمائكم دون دينكم، فإن ثوابكم على الله، والله عنده جنات النعيم؛ وأن الفرار من الزحف فيه السلب للعز، ومغلبة على الفيء، وذل المحيا والممات، وعاب الدنيا والآخرة، وسخط الله وأليم عقابه)

وهذه الفكرة قد تكررت في اكثر خطب علي لتتأكد في نفس أصحابه؛ ولتصبح عقيدة إلى جانب عقيدتهم، تدفعهم إلى حرب قومهم وبني ملتهم.

وأحيانا يثير فيهم الأنانية، فيبين لهم سوء المغبة إذا أنتصر معاوية عليهم، ويحدثهم عما سوف ينالهم على يده من الذل والهوان، فيقول: (أما والله لئن ظهروا عليكم بعدي، لتجدنهم أرباب سوء، كأنهم والله عن قريب قد شاركوكم في بلادكم. . . وكأني أنظر إليكم تكشون كشيش الضباب، لا تأخذون لله حقاً، ولا تمنعون له حرمة، وكأني أنظر إليهم، يحرمونكم ويحجبونكم، ويدنون الناس دونكم). واحسب أن المرء حين يغرس في نفسه أنه إنما يدافع عن كيانه، ليحفظ على نفسه حياتها وسعادتها وأمنها - يدافع عن حياضه ببسالة وقوة وهو ما يرمي إليه علي بخطابته.

وتارة يلجأ إلى ماضي أعداءه؛ فيذكرهم به، ويتحدث عما كان لهم ولآبائهم من قبلهم من خصومة للإسلام، وسعي إلى تحطيم أساسه، ثم يأخذ في بيان ما له من مآثر ومزايا، تجعل الموازنة بينه وبين معاوية ضربا من العبث؛ قال علي: (. . . لم يرعني إلا شقاق رجلين قد بايعاني، وخلاف معاوية، الذي لم يجعل الله له عز وجلّ سابقة في الدين، ولا سلف صدق في الإسلام، طليق بن طليق، حزب من الأحزاب، لم يزل لله عز وجل، ولرسوله ﷺ، وللمسلمين - عدواً، هو وأبوه حتى دخلا في الإسلام كارهين؛ فلا غرو إلا خلافكم معه، وانقيادكم له، وتدعون آل نبيكم ﷺ، الذين لا ينبغي لكم شقاقهم ولا خلافهم، ولا أن تعدلوا بهم من الناس أحداً) وبيان مآثر علي ومزاياه، ونقائص معاوية والطعن في أغراضه ومقاصده، أهم ما يدور عليه خطب العلويين حين يدعون قومهم إلى الحرب والقتال.

أما معاوية بن أبي سفيان فقد لجأ أيضاً إلى الناحية الدينية يثيرها في نفوس قومه ويحفزهم بها إلى الجهاد والقتال؛ ينثر أمامهم حجته الوحيدة التي دفعته إلى الخلاف وشق عصا الطاعة وهي قتل عثمان، وادعاءه أن علياً آوى قتلته ولم يأخذ بثأره، ولذلك كان هو ومن معه قوماً نكثوا البيعة، وسفكوا الدم الحرام في البلد الحرام.

وهناك شيء آخر يستطيع أن يستغله معاوية في إثارة حفيظة قومه: ذلك أن علياً وصحبه قوم اقبلوا من بلادهم، واعتدوا على حرمة الشاميين وحرمة ديارهم، فليس أمامهم أن أرادوا الحياة خالية من العار إلا أن يقاتلوا ويذبوا عن نسائهم وأبنائهم، قال معاوية يحرض قومه على القتال: (. . . انظروا يا أهل الشام، إنكم غدا تلقون أهل العراق؛ فكونوا على إحدى ثلاث خصال: إما أن تكونوا طلبتم ما عند الله في قتال قوم بغوا عليكم؛ فأقبلوا من بلادهم حتى نزلوا بيضتكم، وإما أن تكونوا قوماً تطلبون بدم خليفتكم وصهر نبيكم؛ وإما أن تكونوا قوماً تذبون عن نسائكم وأبناءكم، فعليكم بتقوى الله والصبر الجميل واسألوا الله لنا ولكم النصر. . .)

وأيضاً كان يلجأ معاوية وصحبه في تقوية الروح المعنوية إلى الحديث عن ضعف جيش العراق وتفرق كلمته وأدبار امره، ولا ريب أن مثل ذلك الحديث يشجع قومه ويغريهم بالثبات، حتى يتم الانتصار؛ قام عمرو بن العاص يحرض أهل الشام، على القتال فقال: (إن أهل العراق قد فرقوا جمعهم وأوهنوا شوكتهم، وفلوا حدهم، ثم أن أهل البصرة مخالفون لعلي، قد وترهم وقتلهم وقد تفانت صناديدهم وصناديد أهل الكوفة يوم الجمل، وإنما سار في شرذمة قليلة منهم من قد قتل خليفتكم؛ فالله الله في حقكم أن تضيعوه، وفي دمكم أن تطلّوه)

أما العلويوين فإنهم لم يستغلوا هذه الناحية أيما استغلال، مما يدل على أن جيش معاوية لم يدع لهم هذه الفرصة، بل كان جيشاً متحداً متماسكا، ولكنهم استغلوا ناحية أخرى؛ هي أن معاوية ليس معه من له قدم سابقة في الإسلام، أما هم فمعهم جلة الصحابة والأنصار والبدريين؛ قال الاشتر النخعي يحث العلويين على الحرب: (. . . إنما تقاتلون معاوية وأنتم مع البدريين قريب من مائة بدري، سوى من حولكم من أصحاب محمد، اكثر ما معكم رايات قد كانت مع رسول الله ﷺ؛ فمن يشك في قتال هؤلاء إلا ميت القلب!. . .) وهذا هو الحق فلقد كان اكثر الصحابة منضمين تحت راية علي، ولكن ذلك لم يستطع الوقوف أمام دهاء معاوية وعمرو بن العاص؛ فقد استطاعا بفضل ما أوتياه من الحصافة والمكر أن يظهرا بقلتهما على كثرة علي ومن تبعه من صحابة وأنصار

- 4 -

لم يكن التحريض على القتال هو كل أغراض الخطباء في ذلك العهد؛ بل كان من أغراضهم أيضاً الصلح بين المتقاتلين؛ فلقد سعت الرسل بين الفريقين تريد حقن الدماء، وكانت الخطابة عماد أحاديثهم، وإن لم يوفق الخطباء إلى أداء مهمتهم؛ فلقد كانوا مهددين أكثر منهم سياسيين دهاة، يستلون السخائم من الصدور واستمع إلى حبيب بن مسلمة رسول معاوية إلى علي يقول: (. . . أما بعد فإن عثمان بن عفان رضي الله عنه كان خليفة مهديا يعمل بكتاب الله عز وجل، وينيب إلى أمر الله؛ فاستثقلتم حياته واستبطأتم وفاته، فعدوتم عليه، وقتلتموه رضي الله عنه، فادفع إلينا قتلة عثمان؛ إن زعمت أنك لم تقتله، نقتلهم به ثم اعتزل أمر الناس فيكون شورى بينهم، يولي الناس أمرهم من اجمع عليهم رأيهم) ولذا قال له علي: (وما أنت (لا أم لك) والعذل؟!). ويقول عدي ابن حاتم رسول علي إلى معاوية: (أما بعد فأنا أتيناك ندعوك إلى أمر يجمع الله عز وجل به كلمتنا وأمتنا ويحقن به الدماء، ويؤمن به السبل، ويصلح به ذات البين إن ابن عمك سيد المسلمين، أفضلها سابقة، وأحسنها في الإسلام أثرا، وقد استجمع له الناس، وقد أرشدهم الله عز وجل بالذي رأوا؛ فلم يبق أحد غيرك وغير من معك، فانته يا معاوية؛ لا يصيبك الله وأصحابك بيوم مثل يوم الجمل). فلما انتهى قال معاوية: كأنك جئت متهدداً، لم تأت مصلحاً.

والحق أن الخطابة التي كان يقوم بها سفراء الزعيمين لم تكن لتدل إلا على أنهما يرغبان في أن يستخلصا حقهما بالسيف؛ أما السفارة فلكيلا يكون ثمة مدعاة للوم أحدهما إذا اضطر إلى امتشاق الحسام

وكان من أغراضهما أيضاً نصح الصحب، وإرشاد المقاتلين إلى ما يجب أن يفعلوه في الحرب كما يفعل القائد قبل الهجوم، يوصي جنده ويمنحهم نصائحه: قال علي يرشد مقاتلته: (معاشر المسلمين، استشعروا الخشية وتجلببوا السكينة، وعضوا على النواجد فإنه أنبى للسيوف عن الهام، واكملوا اللأمة، وقلقلوا السيوف في أغمادها قبل سلّها، والحظوا الخزر، واطعنوا الشرر ونافحوا بالظّبأ، وصلوا السيوف بالخطا، واعلموا أنكم بعين الله ومع ابن عم رسول الله. . .)

ومن أغراض الخطباء لذلك العهد الدفاع عن الرأي، ومقارعة الحجة بالحجة، وتفنيد براهين الخصم، واظهر مثال لذلك الخطب التي قالها علي والخوارج؛ فهي خطب مليئة كلها بالحجج والبراهين من جانب الخوارج ومن جانب الإمام

- 5 -

كانت أساليب الخطابة لذلك العهد رصينة في جملتها، سهلة الألفاظ إلا في القليل، لها مميزات الخطابة القوية، تعتمد على الألفاظ الضخمة، وعلى الجمل القصيرة يقل فيها السجع إلا إذا جاء عرضاً غير مقصود، فالخطبة ترسل إرسالا، لا تكلف فيه ولا تنميق، ومع ذلك تكون قوية الأسر، متينة السبك، ولا غرو فلقد كان القائلون مقاويل العرب وأبلغهم وكان المقام يتطلب لساناً بليغا يحرضهم ويدعوهم

ولقد كثر الاقتباس من القرآن، وكان علي وصحبه أكثر غراما بالاقتباس يدخلون الآية والآيات في معرض خطبهم هناك ملاحظة تبدو في خطب علي وتظهر ظهوراً واضحاً إذا أنت وازنت بين خطبه التي قالها في أول النزاع وآخره،؛ فانك تجد خطبه التي قالها بعد التحكيم، والتي يستفز فيها القوم إلى حرب معاوية، ضخمة في ألفاظها، قوية في أسلوبها، متينة فخمة، أمتن وأقوى من تلك الخطب التي قالها في أول النزاع، وكانت خطبه تشتد وتقوى، كلما ضعف أمله في نصرة قومه، وزاد تواكلهم وتخاذلهم، وحسبك أن ترجع إلى خطبته التي قالها لرؤساء أنصاره ووجوههم بعد أن رجع من حرب الخوارج؛ أو إلى خطبته بعد أن أغار النعمان بن بشير على عين التمر، أو عندما أغار الضحاك بن قيس على الحيرة، أو حينما أغار سفيان بن الغامدي على الأنبار، واستمع إلى السيل المتدفق من فم علي حين يقول:. . . ألا وأني قد دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلاً ونهاراً وسراً وعلاناً، وقلت لكم أغزوهم من قبل أن يغزوكم، فوالله ما غزى قوم قط في عقر دارهم إلا ذلّوا، فتخاذلتم وتواكلتم، وثقل عليكم قولي، واتخذتموه وراءكم ظهريا، حتى شنت عليكم الغارات، وملكت عليكم الأوطان؛ هذا أخو غامد قد وردت خيله الأنبار، وقتل حسان بن حسان البكري ورجالاً منهم كثيراً ونساء، وأزال خيلكم عن مسالحها، والذي نفسي بيده، لقد بلغني أن كان يدخل على المرأة المسلمة والأخرى المعاهدة، فينتزع حجلها وقلبها وقلائدها ورعثها، وما تمتنع منه إلا بالاسترجاع والاسترحام، ثم انصرفوا وافرين، ما نال رجلا منهم كلم، ولا أريق لهم دم، فلو أن امرأ مسلما مات من دون هذا أسفا ما كان عندي فيه ملوما، بل كان به عندي جديرا

يا عجباً كل العجب! عجب يميت القلب، ويشغل الفهم، ويكثر الاحزان، من تضافر هؤلاء القوم على باطلهم، وفشلكم عن حقكم، حتى أصبحتم غرضا، تُرمَون ولا تَرمُون، ويغار عليكم ولا تغيرون، ويعصى الله عز وجل فيكم وترضون، إذا قلت لكم إغزوهم في الشتاء، قلتم هذا أوان قر وصر، وإن قلت لكم: إغزوهم في الصيف، قلتم: هذه حمارة القيظ، أنظرنا ينصرم الحر عنا؛ فإذا كنتم من الحر والبرد تفرون، فأنتم والله من السيف أفر، يا أشباه الرجال ولا رجال! ويا طغام الأحلام!! ويا عقول ربات الحجال! لوددت أني لم أركم، ولم أعرفكم، معرفة والله جرت ندما، وأعقبت سدما! قاتلكم الله لقد ملاءتم قلبي قيحا، وشحنتم صدري غيظا، وجرعتموني نُغَب التهمام أنفاسا، وأفسدتم عليّ رأيي بالعصيان والخذلان. . . .

وتعليل هذه الظاهرة سهل يسير، هو ذا التخاذل الذي بدا من القوم بعد التحكيم، فلقد سئموا القتال وملوه، وركنت نفوسهم إلى الهدوء والدعة، واستسلموا إلى الراحة، ووجدت الفرقة سبيلها إلى قلوبهم، فكان الإمام في أشد الحاجة إلى ما يبعث الحياة فيهم، ويعيد الحماسة إليهم، فلا غرو، كان يلجأ إلى الخطابة فيجعلها قوية الأسر، مليئة بالألفاظ الضخمة التي تثير النفس، وتبعث النخوة، مفعمة بالتحذير والانذار، علها تحيي الميت أو تبعث الروح في الجماد

نستطيع أن نقول: إن الخطب في عهد علي تؤرخ لنا الحالة السياسية، وتسجل أهم ما كان في فترة خلافة علي، وفضلا عن ذلك نستطيع إذا أنت تتبعت الخطب، أن تلمس الحوادث التي قيلت فيها لمسا، وهي تكشف لك صراحة نفسية الإمام علي، وتبين الأدوار التي مرت فيها آماله: من النهوض والتفاؤل في أول الأمر؛ إلى اليأس والقنوط في آخره، كما أنها تكشف أيضا نفسية قومه، وتضعها أمامك في صورة واضحة، وإن المؤرخ ليجد في هذه الخطب معينا لا ينضب، يساعده على فهم نفسيات المتقاتلين ليدرك النتائج التي وصلت إليها الحرب، وكيف كانت طبيعية لا بد من حدوثها

أحمد أحمد بدوي