مجلة الرسالة/العدد 218/من تاريخ الأدب المصري

مجلة الرسالة/العدد 218/من تاريخ الأدب المصري

ملاحظات: بتاريخ: 06 - 09 - 1937



أحمد بن يوسف

المعروف بأبن الداية

للأستاذ محمد كرد علي

(لاحقة)

ليس ما نشرته (الرسالة) لي في عدد 215 هو كل ما عُرف من أخبار أحمد بن يوسف الكاتب. فقد ذكر من ترجموا له أن أباه يوسف بن إبراهيم كان من ذوي المروءات التامة والعصبيات المشهورة، وأنه كان كاتباً مجيداً يعد من كتاب الطبقة الأولى، وأنه ولد داية أبن المهدي، وكاتب إبراهيم بن المهدي ورضيعه وصاحبه، وأنه صنف كتاباً في أخباره وفي أخبار المتطببين وغير ذلك، وأنه قدم دمشق سنة 225، ولعلها كانت سنة هجرته من بغداد إلى مصر. وذكروا أسماء من روي عنهم ورووا عنه؛ وممن روي عنهم من غير المسلمين جبرائيل بن بختيشوع الطبيب وعيسى بن حكم الطبيب

وكان يوسف بن إبراهيم من أصحاب الثروة يجري على كثرين في الفسطاط. ولما حبسه أبن طولون في (بعض داره، وكان اعتقال الرجل في داره يؤيس من خلاصه، فكاد ستره أن ينتهك لخوف شمله عليه) جاء جماعة من أبناء الستر إلى أحمد بن طولون وطلبوا إليه أن يقتلهم إذا كان معتزماً على قتله، وقالوا إن لهم ثلاثين سنة ما فكروا في ابتياع شيء مما احتاجوا إليه ولا وقفوا بباب غيره. وفي الساعة التي توفي فيها يوسف بن إبراهيم بعث أحمد بن طولون أيضاً بخدم فهجموا الدار وطالبوا بكتبه (مقدرين أن يجدوا كتاباً من أحد ممن ببغداد، فحملوا صندوقين وقبضوا على أحمد وعلى أخيه، وصاروا بهما إلى داره، فأدخلوهما إليه وهو جالس وبين يديه رجل من أشراف الطالبيين، فأمر بفتح أحد الصندوقين، وأدخل خادم يده، فوقع على دفتر جراياته على الأشراف وغيرهم، فأخذ الدفتر بيده وتصفحه، وكان جيد الاستخراج، فوجد أسم الطالبي في الجراية، فقال له وأحمد يسمع: كانت عليك جراية ليوسف بن إبراهيم. فقال: نعم أيها الأمير، دخلت هذه المدينة وأنا مملق، فأجرى عليّ في كل سنة مائتي دينار، أسوة بابن الأرقط والعقيقي وغيرهما. ث امتلأت يداي بطول الأمير فاستعفيت منها)

هذا الوالد هو الذي أنجب أحمد بن يوسف. وأنت ترى أن أحمد بن طولون كان يتخوف منه، لمكانته واتصاله الوثيق بالبيت العباسي وربما وقع في خاطره أنه عينٌ عليه، في زمن كان فيه أبن طولون يرمي إلى نزع يده من الخلفاء وتأسيس ملك في مصر يكون له ولعقبه على عنق الدهر.

ولذا كان أبن طولون حذراً يقظاً وقد أتخذ أساليب مهمة لأخذ الأخبار، واتقاء عادية كل من طرأ على مصر، وعنده أن كل غريب يجعل تحت الترقيب، ولا سيما إن كان عراقياً أو يمت إلى السياسة بأدنى سبب.

تثقف أحمد بن يوسف ثقافة أبناء الأعيان في عصره، فجاء كاتباً شاعراً رياضياً منجماً أو هو كما وصفوه (مجسطي إقليدسي) حسن المجالسة والعشرة تام المروءة كأبيه، وصار له اتصال دائم بأرباب الدولة ومنهم عظماء في الأدب والكتابة والفقه والطب والهندسة والفلك لم تتعرض كتب التراجم لهم، مثل على المتطبب المعروف بالديدان وقال فيه إنه كان (حسن المعرفة لكتب أفلاطون ورموزه ومبرزاً في الطب) وكان على صلة بالمهندسين واستفدنا من كلامه أنه كان لهم في بغداد موضع يجتمع فيه وجوه العلماء بالهيئة والهندسة في دار العباس بن سعيد الجوهري ترب المأمون

ولم نعرف حقيقة الديوان الذي كان يعد من كتابه أو من رؤسائه، فأن أبن النديم وصفه في الفهرست بالمهندس المصري، وقال إنه فسر كتاب الثمرة، وكتاب الثمرة من تأليف بطليموس أما سائر كتبه فقد ذكر منها ياقوت في معجم الأدباء طائفة صالحة، ومنها سيرة أحمد بن طولون وسيرة أبنه خُمارَوَيْه وسيرة هارون أبن أبي الجيش، وأخبار غلمان بني طولون، وكتاب أخبار الأطباء، وكتاب مختصر المنطق ألفه للوزير العالم الكاتب العف علي بن عيسى، وكتاب ترجمته، وكتاب أخبار المنجمين، وكتاب أخبار إبراهيم بن المهدي، وكتاب الطبيخ. وكل هذه الأسفار فقدت، ولولا أن عثر له في الأعوام الأخيرة على كتاب (المكافأة) بل على جزء منه لغطى الزمن على فضل أحمد ونبوغه في الكتابة أيضاً. وكم من رجل سدل على صيته القناع بعد قليل من رحيله لفقد ما كتبه وقلة أنصاره، وربّ رجل تضاعفت شهرته في مماته أكثر من حياته لإغفال حساده أمره بعد موته ولكثرة من أشادوا بعلمه وأدبه وإبداعه.

وإذا كتب لأحمد بن يوسف أن تدرس حياته وأدبه دراسة أدبية، وتهيأ لبعض المتفرغين من الباحثين أن يجمعوا طائفة من كلامه، وهو قليل في المطبوعات التي بين الأيدي، ولا يبعد أن يعثر له على أشياء في بعض المخطوطات - يسهل على نقاد الأدب أن يسلكوه مع سمّيه أحمد بن يوسف الكاتب وزير المأمون في سلك واحد، وربما يثبت لهم أن أحمد بن يوسف المصري أوسع علماً من سميه البغدادي بما أصابه من الحظ العظيم من الثقافة التي تنم عليها أسماء مصنفاته فقط. وكيف لا تتأفق شهرة الكاتب البغدادي واتصاله كان بأعظم خليفة، وكيف لا تضؤل شهرة الكاتب المصري وصلته كانت ببيت يعد في عرف السياسة يومئذ خارجاً على الخلافة؟ وبغداد في ذلك العصر يحمل إليها كل جميل ويعد ما يحمل منها جد جميل

إن كتاب (المكافأة) بأسلوبه ورشاقة بلاغته من أبلغ ما كتب كتاب العرب في القصص، يشبه أسلوب أبن المقفع فهو من غراره في السلاسة وعدم الكلفة. وقد نقل فيه شيئاً من القصص عن والده وعن رجال البلاط الطولوني وغيرهم وعن أبن المقفع وقال إنه (مما نقله أبن المقفع عن الفرس وتعالمه العرب)

روي لي أحد أصدقائي أن حافظ إبراهيم (رحمه الله) أستظهر هذا الكتاب في سنة نشره وقال لي الأستاذ عبد العزيز البشري إنه قرأه ثلاثين مرة وما أرتوي من ديباجته. لا جرم إن بلاغة أحمد بن يوسف من النوع الذي لو راهنت على أنه ليس في وسع جهابذة النقد أن يسقطوا لفظة من جملته لربحت الرهن، وصدقك الأدباء في قولك بتفرده في أسلوبه، وأنه بلا جدال المفرد العَلَم بين من أنبتتهم مصر من الكتاب في الدهر الغابر

وبعد فمن عجيب ما فهمناه من حياة أحمد بن يوسف أنه كان يحاذر محمد بن سليمان لما دخل مصر في سنة 292 للقضاء على الدولة الطولونية، وكان يستدعي (الواحد بعد الواحد من أسباب الطولونية ويستصفي ماله بالسوط وعظيم الإخافة). وكان الطولونيون يعرفون أن هواه مع بني العباس بالطبيعة ويراقبون حركاته، وما ندري وهو الذي جمع سيرة دولتهم ورجالها إن كانوا راضين عما كتب أم غير راضين؟ لأن حرية القول ظاهرة في كلامه من كتاب المكافأة، ولا شك أن سائر ما دونه من تاريخ القوم من هذا النمط. مات أحمد بن يوسف سنة نيف و 330 وقال ياقوت وأظنها 340

وسواء صحت الرواية الأولى أو الثانية فإن الظاهر أن أحمد أبن يوسف عُمّر طويلاً لأنه يروي عن رجال عرفهم في أيام أحمد بن طولون، وهذا هلك في سنة 272 والظاهر أنه كان صاحب مزارع انتقلت إليه من أبيه ومنها ما كان على مقربة من المحلة الكبرى

محمد كرد علي