مجلة الرسالة/العدد 220/الفلسفة الشرقية

مجلة الرسالة/العدد 220/الفلسفة الشرقية

ملاحظات: بتاريخ: 20 - 09 - 1937



بحوث تحليلية

بقلم الدكتور محمد غلاب

أستاذ الفلسفة بكلية أصول الدين

- 22 -

الفلسفة الصينية

العصر الأول

عقيدة العامة

لا يستطيع الباحث أن يحصل على نتائج قيمة في دراسة عقيدة شعب من الشعوب إلا إذا صعد مع الماضي إلى العناصر الأولى لهذه العقيدة بقدر المستطاع. ولا شك أن العقيدة الصينية هي إحدى تلك العقائد القديمة التي تتكون من عناصر مختلفة وأساطير شعبية متباينة. ولهذا وجب علينا قبل أن ندرس الوحدتين الصينيتين: الدينية والفلسفية أن نلم بمعتقدات العامة في عصور ما قبل التاريخ، حتى إذا ما وصلنا إلى العصور الراقية، استطعنا أن نربط بين الأصل والفرع على نحو يرضي البحث العصري.

تتكون عقيدة العامة عند الصينيين من أقدم عصورهم من عبادة الأرواح الخفية والقوى الغامضة التي كانوا يشاهدون آثارها دون أن يدركوا كنهها على نحو ما فعلت جميع الشعوب الغابرة. وكانت هذه الأرواح المعبودة مؤلفة من نوعين: أرواح الموتى: من آباء وأجداد وغيرهم، وتسمى عندهم بالـ (كُوِي) وأرواح القوى الطبيعية مثل الشمس والقمر والكواكب وتسمى عندهم (شين).

وكانت هذه الأرواح بنوعيها تنقسم من حيث المكان إلى قسمين: الأرواح العليا أو السماوية، وهي جميع الكواكب والنجوم؛ والأرواح الدنيا أو الأرضية، مثل: الأنهار والبحيرات والمنابع، والغابات والمروج والأودية والجبال والتلول والربوات. وتندرج في هذا القسم الأدنى أو الأرضي أرواح الموتى كذلك.

ولقد كان الصينيون ولا يزالون إلى اليوم يؤمنون بأن هناك أرواحاً موكلة بالمطر، وأخرى بالجفاف، وثالثة بالإنبات، وغير ذلك، وأن هناك أرواحاً خاصة لحماية المنازل ورعاية أفراد الأسر.

كان هذان النوعان الـ (كُوِي - شين) إذن هما اللذين يحكمان الكون، ويسيران كل حركاته. ولهذا كان من الطبيعي أن تنحصر تفكيرات أفراد الشعب وحكامه ومشاغل قلوبهم في البحث عن نيات هذه الأرواح ومقاصدها، وما يرضيها، وما يغضبها، لكي يعمل كل فرد من أفراد الأمة حاكماً كان أو محكوماً على اجتذاب رضى هذه الأرواح، وجلب خيرها ودفع شرها. وكانت هناك وسائل كثيرة تستعمل للحصول على هذه الغاية مثل السحر والرقى واستنطاق الوحي على لسان رجال الدين

تمتاز العقيدة الصينية القديمة عن عقائد الشعوب الأخرى بالمغالاة في تقديس الأجداد إلى حد لم يعرف له نظير عند الأمم الغابرة، ففي الماضي قدموا عبادتها على عبادة أرواح السماء، وقد حافظوا على هذا التقديم من أي تغير طوال هذه العصور السحيقة، ولا يزالون إلى هذا العصر يشعرون الباحث في معتقداتهم بنفس هذا الشعور الذي يذكرنا بطفولة الإنسانية، ولكن لعل هذا النوع من العبادة قد بقي إلى الآن، لأنه يحمل في ثناياه مبادئ أخلاقية سامية تدفع الأبناء إلى احترام الآباء في حياتهم وبعد مماتهم وليس بغريب عن الصينيين أن يكون أثبت العقائد عندهم هو ما يمت بصلة إلى الأخلاق كما أشرنا إلى ذلك في الفصل الماضي

هناك ناحية أخرى قد تميز الشعب الصيني عن غيره، وهي الإغراق في تقديس الأرض وعبادتها حتى كانوا يطلقون عليها اسم: (القوة المحسنة التي تتسم البذور لتردها ثماراً مضاعفة) ولا ريب أن السبب في هذا هو أن الشعب الصيني كان شعباً زراعياً يضع الاستغلال والاستنبات في المنزلة الأولى في الحياة.

عقيدة الخاصة أو عبادة السماء

بقدر ما كان العامة يقدسون الأرض لما تفيضه عليهم من نعمة الخصوبة ووفرة الإنبات، كان الخاصة يعبدون السماء لما يرونه بعين الفكر كامناً فيها من قوة معنوية لها كل السلطان على الأرض وما فيها، وهكذا ظهر الفرق منذ أقدم العصور واضحاً بين عقيدة العامة الساذجة التي تأمر بعبادة الأجداد وغيرهم من الموتى، وعقيدة الخاصة التي تحصر العبادة في السماء أو في (شانج - تي) أي السلطان الأعظم

لم تكن عقيدة الخاصة هذه مستحدثة في العصور المتأخرة، وإنما هي قديمة جداً، إذ نراها مسطرة في أقدم فصول كتاب (إِي - كينج). ولقد كانت الرياسة في هذه العبادات الراقية مقصورة على الملك الذي كان يسمى: (تي) أي السلطان وكانوا يلقبونه أيضاً بابن السماء؛ وقد تطورت هذه الرياسة في العصور المتأخرة فتجاوزت الملك إلى حكام المقاطعات والأقاليم

لم تكن عقيدة الخاصة مجرد عبادات وطقوس دينية فحسب، وإنما كانت ممتزجة بتفكيرات قيمة حول الكائن من حيث هو كائن وتحليلات لا بأس بها للقوى الطبيعية السماوية والأرضية التي كانوا يشاهدون آثارها، وكان ذلك مقصوراً على الخاصة ومحرماً على العامة تحريماً قاسياً. ويتضح هذا التحريم من قراءة أقدم فصول (إِي - كينج) إذ لا يكاد الباحث يتصفحها حتى يجزم بأنها لم تكتب إلا للحكماء والملوك وخاصة الأمراء وعلماء كبار رجال الدولة

وفي الواقع أن حكماءهم كانوا يقولون: ليس من العقل أن تُسَلَّم إلى الجمهور الأداة التي يسيء استعمالها، والتي قد تجرحه فترديه قتيلاً. وقد ظلت فكرة (المضنون به على غير أهله) قائمة في بلاد الصين حتى هذه العصور الحديثة، ولهذا قال: (لا أُو - تسي) حكيمهم المتنسك في العصور التاريخية: (كما أنه من غير الممكن إبعاد الأسماك عن الماء دون أن تموت، كذلك من المستحيل أن تكشف أسرار الدولة أمام العامة دون أن تفسد الحال)

من هذا نعرف مقدار حرص الخاصة على عدم تسرب أسرار عقيدتهم إلى العامة. والآن نريد أن نشير إلى شيء من تفاصيل هذه العقيدة، وعلى أي نحو كانت العقلية الصينية تفهم القوى المتصرفة في الكون وتؤمن بها وتوجه إليها التقديس. وإليك هذه الإشارة:

كان أولئك الخاصة من أقدم العصور يسندون التأثير في جميع الكائنات إلى قوتين عظيمتين: السماء والأرض؛ ولكنهم كانوا يرون في السماء وحدها السلطان الأعلى (اللامحدود) القوة، وكانوا يعتقدون أن السماء نفسها كائن حي متحرك بالإرادة، وبعبارة أدق: أن السماء هي العالم الحي المتحرك حسب نظام دقيق عجيب، وأنها هي كل الكون، وأن الأرض وجميع ما عليها من خصوبة وتناسل ومظاهر أخرى ليست إلا رمزاً تمثيلياً من رموز السماء. وقد كانت الأرض هي الرمز النسوي للسماء لما يظهر على سطحها من خصوبة ونباتات؛ ولكن ليس معنى هذا أن خاصة الصينيين كانوا يعتقدون - كما اعتقدت بعض الشعوب الأخرى القديمة - بأن الكائنات تناسلت من زواج السماء مع الأرض، كلا. وإنما كانوا يعتقدون بالوحدة المطلقة وبأن الأرض ليست إلا مظهراً للسماء بحيث يستحيل تصور فصلها عنها كما تستحيل تثنيتهما في الحقيقة، لأن كل واحدة منهما هي الأخرى، وهي أصل جميع الكائنات في نفس الوقت. ولئن وجدنا في كتاب (إِي - كينج) أن عناصر الوجود الإيجابية مستقرة في السماء وعناصره السلبية موجودة في الأرض مثلاً، وأن الأرض تدعى بالأميرة المخصبة، فليس معنى هذا هو التثنية الحقيقية، وإنما هي رموز لا أكثر ولا أقل

وهكذا نتلاقى عند هذه النقطة من الفلسفة الصينية بوحدة الوجود سافرة جلية بعد أن قصرها أولئك المتفيقهون على العقلية الآرية وجزموا بأنها برهان السمو الفكري. وليست هذه الوحدة موجودة في الفلسفة الصينية بهيئة غامضة، أو قابلة للفرض والتخمين، كلا، بل إنهم يصرحون بأن كل كائن من الكائنات الموجودة حية كانت أو جامدة إنما هو نتيجة لإحدى حركات الوحدة المطلقة، وأن جميع الحوادث الكونية ليست ناشئة إلا عن تغير المظاهر الطبيعية، وأن هذه الوحدة هي المنشأ والمرد لجميع الموجودات بغير استثناء. غير أن هذا التأثير لا يتجه من الوحدة إلى الكثرة الناشئة عنها بطريقة مباشرة، وإنما يتجه إليها بوساطة قوى هي كذلك ناشئة عن تلك الوحدة، وعلى هذا النحو تحدث الموجودات. فمثلاً الرعد يحدث الحركات الأبدية التي تجذب أحد الضروريين إلى الآخر، والهواء يحدث فرقتهما وكذلك المطر يحدث الخصوبة، والشمس تحدث الحرارة، والجبال تحقق السكون، والماء يحدث السرور؛ وهكذا تحدث القوة الطبيعية وحدها بعض الحوادث حيناً، وتتكاتف مع إحدى القوات الأخرى إحداث البعض حيناً آخر، وتتضارب مع قوة ثالثة إما للإحداث أو للكف عنه حيناً ثالثاً، وبناء على ذلك كله فليس للعالم عند الصينيين منشئ أجنبي عنه، وإنما المنشئ هو عين المنشأ، كما هي الحال عند الهنود وعند الرواقيين مع الاحتفاظ بالفروق الدقيقة المميزة لكل واحدة من هذه الفلسفات وعلى أن أهم ما يجمل بنا أن نشير إليه في هذا الموضع هو تصريح الفلسفة الصينية أو عقيدة الخاصة منذ عصور ما قبل التاريخ بأن جميع الكائنات هي نتائج التغير والتحول الدائمين والناشئين من الحركة. تلك النظرية التي طالما تلألأت في سماء الفكر الإغريقي في عصر ما قبل (سقراط) وكانت منشأ مجد (هيراكليت) ومبعث تلك المجادلات الفلسفية التي احتدم أوارها بينه وبين (بارمينيد) وتلميذه (زينون الإيليائي).

وليست هذه هي النظرية الفلسفية الوحيدة التي سبق الصينيون فيها الإغريق، بل إنهم قد سبقوا أفلاطون بتلك النظرية التي أسلفناها آنفاً، وهي تصريحهم بأن السماء كائن حي، متحرك بالإرادة. وإذا أردت التوسع في إيضاح هذه النظرية فارجع إلى أفلاطون أو إلى كتب ابن سينا وابن رشد فإنك ستجد فيها الفصول الضافية والبحوث المستفيضة.

لا يفوتنا قبل أن نغادر هذا الفصل أن نعلن أن هذا الكون الأوحد عند الصينيين لم يكن مادياً محضاً، وإنما كان طبيعياً أي مادة مشتملة على روح، بل إنهم صرحوا بأن الجانب المادي في الطبيعة لم يحتفظ بنظامه كاملاً إلا بفضل الجانب الروحي، وكذلك ينبغي أن نشير إلى أن الإنسان له عندهم منزلة خاصة، بل إنهم كانوا يعتبرونه عالماً مستقلاً ويضيفون اسمه إلى اسمي السماء والأرض كمظهر قوى من مظاهر الوحدة الكونية أو الكون الأوحد، لأنه هو المشتمل على الروح من بين جميع الكائنات وفي هذا يقول كتاب (شو - كينج): (إن السماء والأرض هما أبوا الكائنات جميعها، والإنسان من بين جميع الكائنات هو وحده الموهوب روحاً).

ولكن ليس معنى إضافة اسم الإنسان إلى اسمي: السماء والأرض هو تكوين ثالوث كثالوث الهنود أو المسيحيين، بل إنها وحدة مطلقة كما أسلفنا. وكذلك يجب أن نعلن أن هذه النظريات الراقية لم تكن يوماً ما عامية ثم تهذبت، وإنما هي وليدة أفكار الخاصة والمهذبين استخلصوها مباشرة من دراسة ما حولهم من الظواهر الطبيعية

(يتبع)

محمد غلاب