مجلة الرسالة/العدد 223/الفروسية والتربية

مجلة الرسالة/العدد 223/الفروسية والتربية

مجلة الرسالة - العدد 223
الفروسية والتربية
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 11 - 10 - 1937


للسيد جرجيس القسوس

كلمة تمهيدية

يعاني العلم مشقة كبيرة في التوفيق بين مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة؛ وما عرف التاريخ منذ بدئه حرباً أشد هولاً من هذا النزاع بين الفرد والمجموع برغم محاولة الفلاسفة وعلماء الاجتماع ورسل الأديان التوفيق بينهما. إذ تؤثر الجماعة المحافظة، وتكره كلَّ ظاهرة يرجى من ورائها انتقاض كيانها وهدم صرح نظمها وتقاليدها. بيد أنه ينهض أحياناً فردٌ يشهر عليها حرباً عواناً فيصطدمان، فإن كتب الخلود انتصر عليها، وغلا طمس أثره وراح ضحية شذوذه

ولقد برهن التاريخ أن الحق في أغلب الأحيان للقوة، لذا ترى أن عدد أسماء العظماء في التاريخ قليل جداً إذا ما قيس بعدد من خضع لأحكام الجماعة وسلطتها، وتمشى بموجب تقاليدها ونظمها. والعظيم بحق هو من فاضل الجماعة وغلبها، وتمكن من أن يسيرها حسبما يراه صالحاً

أما في العصور الوسطى فقد كانت للجماعة السلطة التامة على الفرد، دينياً وعلمياً واجتماعياً. فهناك الكنيسة تستأثر بالسلطة الدينية، وترى أن ما تسنه للفرد على الأرض من شرائع وقوانين يُسنُّ في السماء، وتتسلح ضده محاكم التفتيش والقطع والتأديب، وتتذرع بكل سلطة زمنية فوق الدينية لتقي حقها الذي هو حق الجماعة، وتحارب الزنادقة وهم - في رأيها - من شذّوا عن مبادئها وخالفوا أحكامها. ويلحق الكنيسة نظام الرهبنة وقد حل هذا النظام محل معاهد التربية في نشره الفضيلة، وتعزيزه ناحية من نواحي الرسالة النصرانية. وهنالك الطريقة الزهدية التي دعت إلى الزهد وعيشة التقشف والاتصال بروح الله في الحياة الدنيا، فسيطرت بذلك على فكر الفرد وحياته الروحية وقيدتهما مدة ليست قصيرة

أما الطريقة هيمنت على عقل الفرد، ووضعت له قواعد وحدوداً ثابتة، ليس له أن يتعداها أو يشذ عنها في حياته الفكرية. آما الاجتماع والسياسة فمعهدهما - كما سترى - لم يختلف كثيراً عن فعل غيره من الأنظمة والمعاهد التي ذكرناه كل هذه الأنظمة تعاونت وتضافرت على صيانة الحضارة في العصور الوسطى وخاصة المظلمة منها، لكنها كانت تتوخى دائماً إعلاء كلمة الجماعة واخفات صوت الفرد، فحالت بذلك دون تقدم الحضارة تقدماً حثيثاً، إذ كلما حاولت سفينة الحضارة الإقلاع، ألقت الجماعة مرساتها لتوقفها وتعيقها عن السير المطرد. والصراع بين الفرد والمجموع قائم على هذا الأساس. فالفرد يبتغي رفع المرساة وتحطيمها ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، بينا الجماعة تريد خلاف ذلك. ومهمة التربية والتعليم في كل عصر ومكان - كما بينا - التوفيق بينهما، وإصلاحهما إصلاحاً يكفل معه تقدم الحضارة. وسنتناول في هذا المقال الفروسة ونرى كيف كان مرساة للنظم والمبادئ الاجتماعية والأخلاقية، وما كان فضله على التربية خصوصاً

الفروسة، طبيعتها، نشأتها

الفروسة في أكمل وضع لها: نظام أو معهد اجتماعي لا ديني (من حيث نشأته)، ذو مبادئ، ومثل اجتماعية وأخلاقية عالية قائمة على قواعد وتقاليد رسمية راسخة. ومن شروط الانتظام في هذا السلك أن يكون المرء حر المولد، شريف المنبت، (أو يكون قد نال النبل من أحد الملوك)، يملك ضيعة، ويستطيع أن يعول نفراً من الضعفاء. ولم تمنح العضوية إلا لمن زاد عمره على الحادية والعشرين، اللهم إلا في آخر عهد هذا النظام، فقد كانت تمنح لأبناء العائلات المالكة الذين لم يبلغوا، أو تجاوزا السن القانونية لنيل هذه العضوية. وكان لابد لكل طالب من أن يقضي مدة معينة يجوز في خلالها بعض الامتحانات والمراسيم، ويتقن العلوم والفنون، ويتحلى بالسجايا التي يقتضيها شرف هذه المهنة. وقد اقتصرت العائلات النبيلة على هذا النوع من التربية في القرنين الثاني عشر والثالث عشر للميلاد، خصوصاً مع عدم توفر العلوم فيه كما سترى

كانت مبادئ الفروسية ومثلها العليا خليطاً مما ورثته عن النصرانية والحضارة الرومانية، واحتفظت به من عادات قبائل البربر الجرمانية وطباعها. وكان للفروسة صبغة عسكرية في القرون التي تلت سقوط الدولة الرومانية حتى القرن التاسع والعاشر للميلاد، فكل ملك أو بارون أو لورد أو نبيل، سافر أو ناضل على ظهر جواد، وكان له اتباع وحشم عُدَّ فارساً: فالفروسة والإقطاع هما في الحقيقة توأمان من حيث نشأتهما وشيوعهما. ولقد ازدهر نظام الفروسة واستكمل نموه منذ الغزوات الصليبية الأولى في القرن الحادي عشر للميلاد، وما فتئ ينمو حتى أوائل القرن السادس عشر. فكان المعهد التربوي الوحيد خلال تلك القرون للعائلات النبيلة والمالكة، حتى جاء عصر العالية، فحلت هذه محل الفروسة وغيرها من المعاهد والطرائق التي سبق الإيماء إليها

مبادئها وصفاتها

لعهد ليس بالبعيد كانت هناك مبادئ وصفات تؤهل الفرد لاكتساب لقب (جنتلمان) تلك التي إذا ما حازها عُدَّ فارساً. من هذه المبادئ والسجايا الشجاعة والأنفة واحترام النفس والانتصاف للشرف واللطف والرقة في المعاملة ونكران الذات وطلب الشهرة عن طريق الحرب، وغير هذه من الصفات الخشنة كالشراسة والقسوة والغضب إلى حد الجنون، والتبهرج والإسراف والرغبة في الحياة العسكرية العنيفة الجافة، والإيمان القويم بالله. وكما إن للرهبنة فضلاً على الناحية الدينية من علمي التربية والأخلاق، فللفروسة فضل على الناحية اللادينية منها، إذ رفعت من شان فكرة لدى قوم غلاظ الطباع، وذلك بأن فرضت عليهم شروطاً وقواعد لابد لهم من مراعاتها مدة انضوائهم تحت لواء الفروسة. ولو أنعمنا النظر قليلاً في هذه الفكرة لألفينا انه حينما وجدت الطاعة والخدمة، وجد معها الاستعباد والقسوة. فإذا كان تشجيع الطاعة والخدمة من حسنات الفروسة، فتعزيز الاستعباد والإذلال هو من سيئاتها

ولم تكن الفروسة في الواقع إلا خادمة للرسالة النصرانية، فقد ولدت في معهد الكنيسة، ثم نشأت وانتشرت تبشر بمبادئها، وتنشر النصرانية بين برابرة الجرمان. وحينما تحولت الكنيسة إلى السلطة الزمنية تستنجدها وتستفزعها لمهاجمة المسلمين في عقر دارهم، كانت الفروسة أول من لبى نداءها. وقد كان لاتصال الفروسة بالكنيسة اثر ملموس في خلق الفارس، فكان لابد له، إذا نشد الكمال، من أن يتوخى مبدأ الاعتدال في حياته وأن يستسلم لأسياده وينقاد إليهم انقياد الأعمى، ويتضع لمن هم دونه رتبة، ويشفق على الضعفاء والفقراء ويحسن إليهم، وأخيراً أن يجل الجنس اللطيف كل الإجلال

ويجازي من نكث هذه الشروط بأن يطلب للبراز مع غيره مبارزة قد تؤول إلى هلاكه. بذا وبغيره من الوسائل السلبية والإيجابية، وبالمزاولة الطويلة ثبت نظام الفروسة ورسخت قواعده ومبادئه رسوخاً متيناً، وانتشر انتشاراً عمّ مختلف طبقات المجتمع البشري في أوروبا حقبة طويلة من الزمن.

ومن الصفات التي لم يكن يقتضي اكتسابها تعليماً خاصاً ومجهوداً كبيراً الشجاعة والإقدام؛ بيد أن ما يرافقهما من التمرن على حمل السلاح واستعماله، والتفنن في ركوب الخيل، أمور يتلقاها الفرد في سلك الفروسة. وما يصدق على الشجاعة يصدق على الشهامة واحترام السيدات، فإن ذلك لم يكن يقتضي تعليماً رسمياً. على أنه لابد لاكتساب كل سجية مطبوعة بطابع الفروسة الخاص من وقت طويل وعناء كبير لدقتها وتعقدها. وفيما يلي نبذة للمؤرخ (كورنشْ) تبين باختصار مبادئ الفروسة وأثرها في حياة الفرد والمجموع يقول:

(لقد علمت الفروسة العالم واجب الخدمة الطوعية الشريفة ورفعت من شأن الشجاعة، والخضوع لحكام السلطة، ووقفت قوتها العسكرية على خدمة الدين، وشجعت السخاء والإحسان والإيمان القويم ونكران الذات والشهامة؛ وفوق كل هذا إجلال السيدات. ومع أن للفروسة فضلاً كبيراً على علمي التربية والأخلاق فمثالبها شتى، لأنها كانت تشجع بعض الرذائل كالغرور وحب القتال وازدراء الرعاع والتهتك والخلاعة. ولا مراء في أن هذا المعهد - على ماله من مناقب ومثالب - كان ملائما لروح العصر والبيئة اللذين نشأت فيهما.)

نظامها ومنهاجها

للتربية في هذا النظام ثلاث مراحل، تبتدئ أولاها من السنة السابعة وتنتهي بالرابعة عشرة، ويسمى الفتى في هذا العهد وتبتدئ المرحلة الثانية من السنة الخامسة عشرة وتنتهي بالحادية والعشرين، ويطلق على الفتى في هذه السن لقب (الرفيق) أما المرحلة الثالثة والأخيرة فتبتدئ من السنة الحادية والعشرين، وفيها يعرف الفتى بالفارس

كان يجري التعليم والتمرين في معهد بلاط أحد الملوك أو قلعة أحد النبلاء. ففي قلاع النبلاء يجري التعليم الخاص بالطبقة التي هي دون النبلاء. أما النبلاء فيبعثون أولادهم إلى بلاط الملك حيث يخدمون في حاشيته؛ وفي كثير من الأحيان يمارس أبناء الملوك الخدمة في قصور آبائهم كسائر أبناء النبلاء، ولم يجر التعليم في بيوت العامة لندرة وسائله، وقلة معدات التمرين فيه؛ لهذا كانت دور النبلاء وقلاعهم وقصور الملوك مزدانة بالفتيان والفتيات طيلة سني التعليم والتمرين، ولقد كان للفتيات كما للفتيان حق ونصيب من التربية في هذا المعهد، فقد كان في عصر الإقطاع شريعة تقضي بأن يرث النبيل ضياع آباء الفتيان والفتيات الذين هم في خدمة النبيل، وتخوله حق السلطة على أولئك الفتيان والفتيات والتصرف بهم كما يشاء قبل أن يدركوا سن الحادية والعشرين. فأدى هذا الحق، أعني التحكم في أولاد الميت وبناته إلى تزويجهم حسبما يراه النبيل صالحاً، بهذا كان التزاوج بين الفتيان والفتيات شائعاً جداً في قلاع النبلاء، وخصوصاً في القرنين الثالث عشر والرابع عشر للميلاد. وطبيعي أن يقوم النبيل بكل ما تتطلبه معيشة هؤلاء الفتيان والفتيات ماداموا قاصرين وعاجزين عن القيام بذلك من تلقاء أنفسهم

أما الفتيات فقد كُنَّ يتلقين العلوم والفنون المنزلية من خياطة ونسج وموسيقى وغناء ثم الفرنسية وبعض اللاتينية. وكانت تعلم هذه العلوم في مدارس الأديرة؛ من هذه في إنكلترا دير (دارتْفوردْ) في كنتْ، وقد اختصَّ ببنات العائلة المالكة، ودير (كاروْ) قرب نوردش وكان خاصاً ببنات الطبقة النبيلة، ومدرسة دير ماري في ونشستر وغيرها. وبعد أن تتم الفتاة تحصيلها في هذه المدارس تعود إلى قلعة النبيل المتولي أمرها، حيث تكتسب صفات الفروسة، وتجالس الفتيان في (الصالون) حتى تصل إلى اختيار زوجها منهم. وغالباً ما دفعت هذه العادة الكثيرين إلى أن يبعثوا بناتهم وأبنائهم إلى هذه القلاع، ليلتحقوا في خدمة النبيل ظاهراً، وينشدوا التزوج باطناً. فالتزوج هو في الحقيقة غاية ما كانت ترمي إليه تربية الفروسة في هذه المرحلة، لأن من كان خليقاً بالزواج عن هذه الطريق كان جديراً بنيل شرف الفروسة

نعود الآن إلى الوصيف لنرى كيف يتدرَّج في مراحل هذه التربية حتى يصبح فارساً. ينشأ الوصيف والوصيفة مع نساء حاشية النبيل حتى السنة السابعة، وفي خلال هذه المدة يكون الوصيف قد ألف ركوب الخيل، وتعلم هو والوصيفة القراءة والكتابة وبعض مبادئ العلوم البسيطة التي تقتضيها الخدمة المنزلية. وكلما تقدم الوصيف في السن، تعقدت العلوم التي يتلقاها وصعبت. فحينما يصل سن السابعة يشرع في تعلم فنون الصيد واللعب بالسيف والترس ورمي القرص والرمح. وليست هذه الفنون سهلة المنال يظهر؛ ففن الصيد مثلا يتطلب إلماماً بقوانين الغاب وهو ينقسم إلى قسمين: - (1) صيد الغزال وما كان من فصيلته وعلى شاكلته

(2) والبيزرة؛ وهذا القسم ضرب معقد من ضروب الصيد يقتضي معرفة بأنواع الطيور وكيفية اقاتتها وتدريبها على الصيد. وعدا هذا يتعلم الوصيف أصول المصارعة والملاكمة والجري وركوب الخيل واللعب بالسيف والرمح ومبارزة الدببة والجواميس. كان الوصيف مشغوفاً بهذه الفنون العملية كل الشغف، لأنها كانت ذات أثر مباشر في حياته؛ لهذا لم يُعن كثيراً بتعلم القراءة والكتابة والموسيقى. بيد أن إعراضه عن هذه العلوم النظرية إلى غيرها لا يعني عدم اهتمام مدارس الفروسة بها، فقد كان للوصيف فرصة سانحة ليتعلم فيها العزف على بعض الآلات الموسيقية والتدرّب على الغناء. وقد تخرّج في هذا المعهد المنشدون الكثيرون الذين كانوا يرحلون من بلد إلى آخر، ويحلون حيث غواة الموسيقى وعشاق الفن. ولقد عنيت بعض العائلات المتدينة بتعليم الموسيقى والنشيد الديني، فكان منها مدارس خاصة، عدا نظام الفروسة

كان الوصيف يصرف أوقات فراغه في الخدمة المنزلية، ومشتركاً في حياة النبيل العائلية؛ فتراه يرافق سيدته (زوجة النبيل) أنى ذهبت، ويقوم بخدمتها المنزلية بكل طاعة وإذعان. ومن الخدمات البسيطة التي اختص بها تجفيف عرق سيدته، وذب الذباب عنها ساعة نومها بمروحة لا تكاد تفارق يده طيلة أشهر القيظ

وما يكاد الوصيف يشب ويصبح (رفيقاً) حتى يشرع في تعلم فنون جديدة كفن المناداة وهو فن معقد يقتضي إتقانه ومجهوداً كبيرين، و (تقطيع اللحم) وهذا أيضاً فن قائم بذاته، وقد أهمل وتنوسي على مرور الزمن. وأهم واجباته المنزلية في هذا العهد تحضير الموائد، فهو الذي يقطع اللحم - كما قلنا - ويتناولصحون الأطعمة وكؤوس الخمر من الوصفاء، ويوزعها على الضيوف. وعلى الرفيق أن يُعدّ فراش النبيل، وأن يتولى سياسة حصانه، وان يقوم بتعبئة البنادق وصقلها وتنظيفها. وعليه أن يرافق سيده في سفراته الطويلة، ويتولى رعايته وحراسته في الليل، فلا يغمض له جفن ما دام سيده نائماً. وعلى (الرفيق) أن يلقن كل ما تقتضيه الخدمة المنزلية، وتتطلبه الحياة العملية كركوب الخيل، وتعلم اللغات الألمانية والإنكليزية وبعض اللاتينية (أما الوصيفات فالفرنسية)، والعزف على الناي والقانون، والرقص والغناء ولعبة الشطرنج، ومبادئ الفروسة وقوانينها. ومن الكتب التي كانوا يعتمدونها في تعلم مبادئ الفروسة وصفاتها في إنكلترا خصوصاً كتاب (سلوك الغلام على المائدة) لقروستست ' وعلى (الرفيق) أن يرافق زوجة النبيل في روحاتها وجيئاتها وأن يلاعبها الشطرنج ويراقصها ويعزف ويغني لها. أما علاقته معها فعفيفة غاية العفة، بريئة غاية البراءة، قلما تؤدي إلى الفعل المنكر، لنه بمرافقته وإذعانه لها يكتسب صفة من أسمى صفات الفروسة وأنبلها، ألا وهي إجلال الجنس اللطيف وإيناسه. وكان يتجلى هذا الشعور في المرحلة الأخيرة من مراحل الفروسة وخصوصا في أوان المبارزة. فعندما تعقد حفلات المبارزة تهرع إليها أجمل الفتيات وأنبلهن؛ وقد تستغرق الحفلة الواحدة ثلاثة أيام أو أكثر. وللمبارز إذا انتصر على خصمه أن يجرده من سلاحه وجواده، وأن يمر بالفتيات، فيتعهدهن بنظره حتى يقع بصره على إحداهن، فيختارها لتسمى ملكة الحب والجمال فتتوج بإكليل وتشرف على بقية الحفلات بينا السيدات يحطن بها من كل جانب، راغبات في التقرّب منها تشرفاً

وللكنيسة أثرٌ ملموس في حياة الفارس، فتراها إذا ما قارب السنة الحادية والعشرين من عمره، سيطرت عليه، ووجهت حياته السلمية والحربية إلى ما فيه خيرها ونفعها. فتعرض له بعض المراسيم والامتحانات الدينية المعقّدة التي لابد له من اجتيازها. أهم هذه ما يجيء في الحفلة النهائية التي يصبح فيها (الرفيق) فارساً؛ وتستغرق هذه الحفلة أحياناً عدة أسابيع، فيصرف بضعة أيام في الصوم وليلة في إحدى الكنائس القديمة المظلمة، مسترسلا في التأمل والتفكير، ثم يستحمّ، ويعترف عند أحد الكهنة، وبعد ذلك تعقد الحفلة النهائية، ويترأسها أحد الكهنة، وفيها يخلع عليه الكاهن ثوباً أبيض رمز الطهر والنقاوة، وآخر أحمر إشارة إلى ما سيسفكه من الدم في الدفاع عن مبدئه ودينه، وسُتْرةً سوداء قصيرة تذكره بشبح الموت الذي سيلقاه دون خوف أو وجل، ثمّ يصغي إلى عظة بليغة يلقيها الكاهن عن حياة الفروسة. وفي النهاية يقسم الفارس يمين الفروسة الرسمي وخلاصته: (أن يذود عن الكنيسة، ويكافح الشرار، ويحترم رجال الدين، ويجل الجنس اللطيف، ويصون الضعفاء، ويحسن إلى الفقراء، وألا يحجم عن سفك دمه في الدفاع عن بني دينه وجنسه). ثم ينادي فارساً باسم الله، والقديس جورج، والقديس ميخائيل، ويناول السيف والمهماز ويلطم على وجهه لطمة خفيفة رمزاً إلى آخر إساءة يستطيع أن يصفح عنها، وإلى حياة العنف والجهاد التي سيحياها

ويقضي الفارس السنين العشر الأولى التي تسبق السنّ القانونية للالتحاق بالفروسة في الدرس المتواصل، والاستعداد الدائم لهذه الحفلة التي تعد أكبر حادث في حياته. ولقد ورد في رسالة كتبها دي روم لتلميذه الملك هنري دي جاند في صغره بعض الموضوعات والدروس التي يتعلمها (الرفيق) والصفات التي لا مناص له من اكتسابها لكي يكون فارساً، منها الإحسان والشجاعة والاعتدال؛ والقسم الخير من الجزء الثاني من هذه الرسالة ذكر واجبات (الرفيق) نحو الكنيسة. أما الفصل السابع فيقتصر على الموضوعات العلمية كتعلم اللاتينية والإلمام بالفلسفة، وعلم البيان وهذا خاص بأبناء الأمراء والملوك، وعلم الحساب الذي لابد منه لإتقان الموسيقى، وتعلم الهندسة التي لا غنى لطالب علم الفلك عنها. كل هذه العلوم خاصة بأبناء الطبقة الوسطى وهناك عدا الفنون السبعة المعروفة فنون وعلوم أخرى لابد للطالب من تعلمها وهي:

(1) العلوم الطبيعية لأنها تتعلق بطبيعة الأشياء

(2) علم ما فوق الطبيعة لأنه يبحث عن الله وملائكته

(3) علم اللاهوت

(4) علم الأخلاق لأنه يعلم الفرد ضبط نفسه

(5) علم السياسة لأنه يعلم إدارة المدن والممالك

وشعار الفارس في حياته - كما رأيت - الدين والحب والحرب، فهو الخادم الأمين المطيع للكنيسة ولسيدته التي تمثل الجنس اللطيف كله، ولسيده الذي يمثل الملوك والنبلاء

وترى مما تقدم أن الفروسة لعبت دوراً باهراً في تاريخ التربية خصوصاً والحياة الاجتماعية عموماً، وأن منهاجها لا يقل عن منهاج الجامعات والمدارس القرن الثالث عشر للميلاد خصوصاً؛ وأثره في أدب الإفرنج لا يقل عن آثره في التربية والاجتماع والسياسة. فقد أصبح مستقى فياضاً لآدابهم، وعلى الفروسة تدور بعض القصص الرائعة والقصائد الحماسية والأناشيد الشائقة؛ وحسبنا في هذا المقام أن نذكر أن الرجوع إلى العصور الوسطى عموماً والفروسية خصوصاً لاختيار الموضوعات الأدبية كان من اكبر خواص ومظاهر العصر الابتداعي في الأدب الإنكليزي في القرن التاسع عشر. واثر هذا ظاهر في بعض قصص سرْ ولتر سكوت وخاصة (إيفنهو) (وتلسمان) (والأبوت)

وفي إحدى قصص وليم أعني (هنري إزموند) وفي غير ذلك العصر من عصور الأدب الإنكليزي كعصر الياصابات مثلا وخصوصاً في بعض ملاهي شكسبير مثل (جعجعة ولا طحن) و (رجلا فيرونا) (وكما تشاء)

والمقام يضيق عن التوسع في هذه الناحية، فعسى أن يقوم من بين الأدباء من يجد في نفسه الكفاية للبحث في علاقة الفروسة بكل من الأدب والسياسة وفضلها وتأثيرها عليهما.

جريس القسوس

الجامعة الأمريكية: بيروت

مصادر هذه الرسالة

1. '

2. '

3.

4.

5. '

مقالة الأستاذ عبد الله عنان عن (الفروسة) في (أحسن ما كتبت) ص25 6.