مجلة الرسالة/العدد 223/أبحاث تاريخية جديدة

مجلة الرسالة/العدد 223/أبحاث تاريخية جديدة

مجلة الرسالة - العدد 223
أبحاث تاريخية جديدة
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 11 - 10 - 1937


الإسلام في غرب أفريقية

مدى انتشاره في تلك الأقاليم ومبلغ أثره في الأهلين

للأديب جمال الدين محمد الشيال

تقدمه

بدا الإسلام في شبه جزيرة العرب. . . ومنها انتشر سريعاً في مختلف أنحاء العالم فوصل إلى الصين شرقاً امتد إلى الأندلس والمحيط الأطلسي غربا. وأينما وصل الإسلام ونشأت حضارة إسلامية جديدة أخذت عناصرها من حضارة الإقليم الهرمة المحطمة ومن حضارة الدين الجديد وتعاليمه. . . ثم استقرت هذه الحضارات، كل حضارة في إقليمها الخاص بها. . . وظهرت لها بمرور الزمن مميزات خاصة. . . ولكن هذه الحضارات كانت تتصف بصفات مشتركة تجتمع فيها عند نقطة واحدة تميزها جميعاً. . . تلك هي أنها حضارات إسلامية

وفي كل بلد من هذه البلاد الإسلامية وجدت معاهد للعلم ونشأ العلماء في كل فن. . . ونبغوا. . . ورحلوا. . . ونشروا دينهم. . . وكتبوا الكتب تتحدث عن كل علم وفن. . . وتصف كل قطر عرفوه أو رحلوا إليه أو نقلوا إليه دينهم. . .

وكانت بلاد المغرب إحدى تلك الأقاليم التي انتشر فيها الإسلام وإحدى تلك الأقاليم التي نشرت الإسلام في طول الصحراء وعرضها حتى وصل إلى حدود الكمرون جنوباً وإلى شاطئ المحيط الأطلسي غرباً. . . وقد تحدث المؤرخون الإسلاميون عن هذه الجهات في كتبهم ورحلاتهم. . .

فأبو عبيد البكري الأندلسي وابن فياض الأندلسي وابن خرداذبة كلهم يتحدثون عنها وعن حدودها فيقولون: (فأول بلاد المغرب مما على ساحل البحر الرومي مدينة أنطابلس المعروفة ببرقة، وآخرها مما على ساحل البحر الأعظم مدينة طنجة، وطنجة هذه آخر بلاد المغرب المحقق وما بعدها من البلاد فإنما هو في الجنوب إلى أن يأتي بلاد الحبشة والهند. . .) أما ابن بطوطة فقد جاب الصحراء المسلمة واتصل بقبائلها وملوكها ووصل حتى بلدة كارسخو بين نهري النيجر والشنغال. وابن بطوطة رحالة عاش في النصف الأول من القرن الرابع عشر، وقد طاف في معظم الجهات الإسلامية المعروفة في ذلك الحين ومنها غرب أفريقية؛ وقد أحببت أن أنقل عنه أخبار انتقاله باختصار لتكون دليلاً مادياً على وصول الإسلام لتلك الجهات وإن كان الرجل يخلط خلطاً غريباً بين نهري النيل والنيجر، ولكن له في الواقع عذره لجهل العالم كله في ذلك العصر بأواسط أفريقية ومنابع أنهارها. يقول ابن بطوطة:

(ثم سرنا من زاعزي فوصلنا إلى النهر الأعظم وهو النيل وعليه بلدة كارسخو؛ والنيل ينحدر منها إلى كابرة، ثم إلى زاغة؛ ولكابرة وزاغة سلطانان يؤديان الطاعة لملك مالي. . . وأهل زاغة قدماء في الإسلام ولهم ديانة وطلب للعلم؛ ثم ينحدر إلى تنبكتو، ثم إلى كوكو، ثم إلى بلدة مولي من بلاد الليمين - وهي آخر عمالة مالي - ثم إلى يوفي، وهي من اكبر بلاد السودان، وسلطانها من أعظم سلاطينهم؛ ثم ينحدر إلى بلاد النوبة وهم على دين النصرانية؛ ثم إلى دنقلة، وهي اكبر بلادهم وسلطانها يدعى بابن كنز الدين أسلم أيام الملك الناصر؛ ثم ينحدر إلى جنادل، وهي آخر عمالة بالسودان، وأول عمالة أسوان من صعيد مصر)

(ثم سرنا من كارسخو فوصلنا إلى نهر صنعرة، ثم رحلنا إلى بلدة ميمة فنزلنا منها على آبار بخارجها، ثم سافرنا منها إلى مدينة تنبكتو، ومن تنبكتو ركبت النيل في مركب صغير منحوت من خشبة واحدة، ثم سرت إلى مدينة كوكو وهي مدينة كبيرة على النيل؛ ثم سافرت منها إلى تكدَّا، ووصلنا إلى كاهر من بلاد السلطان التكركري؛ ثم سرنا بعد ذلك خمسة عشر يوماً في برية لا عمارة فيها إلا أن بها الماء، ووصلنا إلى الموضع الذي يفرق به طريق غات الآخذ إلى ديار مصر وطريق ثوات، وسرنا من هنالك عشرة أيام ووصلنا إلى هكار وهم طائفة من البربر ملثمون، وسرنا من بلاد هكار شهرا، ووصلنا يوم عيد الفطر إلى بلاد برابر، ثم وصلنا إلى بودا وهي من أكبر قرى ثوات، وأقمنا ببودا أياماً ثم سافرنا في قافلة، ووصلنا في أواسط ذي القعدة إلى مدينة سجلماسة. . . الخ)

وهو إذ يتحدث عن معدن النحاس ص320 يقول (ويحملون النحاس منها إلى مدينة كوبر من بلاد الكفار - وإلى زغاي - وإلى بلاد برنو وهي مسيرة أربعين يوماً من تكدا وأهلها مسلمون ولهم ملك اسمه إدريس. . .)

من هذا نستبين بكل وضوح أن أقصى ما وصل إليه ابن بطوطة غرباً هو مدينة (كارسخو) وهو في كل تلك المنطقة التي طاف بها يذكر أنه كان ينزل بسلطان الولاية المسلم فيرحب به ويجمعه بقضاة الولاية وعلمائها. غير أن ابن بطوطة لم يصل إلى شاطئ المحيط من جهة الغرب في حين أن الإسلام كان منتشراً في غانة في ذلك الحين كما سنرى من قول ابن خلدون المعاصر لابن بطوطة في كتابه (المغرب في تاريخ الدول الإسلامية بالمغرب) وهو يبدأ بتحديد بلاد المغرب وغرب أفريقية على عهده، وقوله في ذلك ثقة لأنه نشأ في تونس وتنقل في معظم بلاد المغرب كتلمسان وبسكرة وبجاية وغيرها. واتصل بالحكام في كل تلك الأقاليم، وله كتابه المشهور (العبر وديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والعجم والبربر)

حدود المغرب كما جاءت في كتاب (المغرب) لابن خلدون

(إن المغرب قطر واحد متميز الأقطار، فحده من جهة الغرب البحر المحيط، وعليه كثير من مدنه مثل طنجة وسلا وأدفو وأنفى وأسفى، وهي كلها من مساكن البربر وحواضرهم؛ وأما حده من جهة الشمال فالبحر الرومي المتفرع من هذا البحر المحيط يخرج في خليج متضايق ما بين طنجة من بلاد المغرب وطريف من بلاد الأندلس؛ وأما حده من جهة القبلة والجنوب فالرمال المستهيلة الماثلة حجزاً بين بلاد السودان وبلاد البربر، ويعرف عند البادية بالعرق، وهذا العرق سياج على المغرب من جهة الجنوب مبتدئ من البحر المحيط وذاهب في جهة الشرق على سمت واحد إلى أن يعترضه النيل الهابط من الجنوب إلى مصر فهنالك ينقطع؛ وأما حده من جهة الشرق فيختص بطرابلس وما وراءها إلى جهة المغرب مثل أفريقية والزاب والمغرب الأوسط والمغرب الأقصى والسوس الأدنى والأقصى. هذا هو المغرب في العرف لهذا العهد وهو الذي كان في القديم ديار البربر ومواطنهم)

ومن هذا نرى أن ابن خلدون في وصفه للبلاد أدق بكثير من غيره من كتاب العرب؛ وتبدو لنا دقته من وصفه لتفرع بحر الروم من البحر المحيط، وتبدو لنا دقته بوضوح بعد هذا بقليل عندما يتتبع العرق حتى يصل إلى النيل. وسيبدو لنا ابن خلدون أكثر دقة عند كلامه عن شعوب البربر، وقد أردت أن أبدأ بوصف جونستون لهذه الشعوب ثم أتبعه بوصف ابن خلدون؛ وسنرى بعد قراءة الوصفين أن ابن خلدون على تقدم عصره كان أجمل وصفاً وأدق تعبيراً من جونستون. ولا غرو فابن خلدون ابن تلك الفيافي والبلاد. وسنأتي الآن بتقسيم جونستون لجماعات البربر: في أوائل القرن السابع كان الجنس الليبي أو بربر شمال أفريقية الذين كانوا يسكنون كل المنطقة بين الحدود الغربية لمصر (بعد واحة سيوه) شرقاً وساحل مراكش غرباً ينقسمون إلى: -

(1) البربر الشرقيون أو الليبيون (لواتا وهوارة وأوريغا ونفوسة ويسكنون قيرينيقا وطرابلس وتونس وجزءاً من شرق الجزائر

(2) البربر الغربيون أو صنهاجة وكانوا يشغلون سواحل الجزائر وغربيها وكل مراكش حتى يصلوا إلى حدود الصحراء جنوبا

(3) أقتم لوناً وقد انحدروا من وقد يتصلون في الأصل بالغولا الذين سكنوا في القرن السابع أجزاءً كانت تقل أو تكثر من الإقليم الصحراوي جنوب الجزائر وتونس ومراكش ومن زناتة انحدر البربر المزاب الحديثون وقبائل الورجلي وبنو مرين الذين أسسوا أسرة حكمت البربر فيما بعد

وقد دفع كثير من زناتة السود إلى شواطئ البحر الأبيض المتوسط في فترات مختلفة، كما أن كثيرين من البربر الشرقيين أو الليبيين قد دفعوا إلى قلب الصحراء تحت تأثير العرب الفاتحين ومنهم نشأت مزقة الطوارق فيما بعد. وكذلك هاجر كثيرون من البربر الغربيين أو الصنهاجيين في القرن السابع إلى الصحراء جنوباً واستقروا شمال نيجيريا وشمال حدود السنغال فليس هناك من شك أن كلمة (اسم قبيلة من قبائل البربر) قد أخذت من صنهاجة ثم حرّف البرتغاليون زناجا فيما بعد فأصبحت (سنغال)

وفي القرن السابع كذلك كانت هناك علاقات تجارية بين زنوج جنوب وشرق ليبيا ووصلت هذه العلاقات حتى كانم وبحيرة شاد ودارفور وكردفان، فكانت هذه الطرق أكبر مسهل للعرب في فتوحهم المستقبلة للسودان وبلاد المغرب

هذا ملخص تقسيم جونستون لهذه القبائل. ولنر الآن ماذا يقول ابن خلدون في وصفها قال: (هذه الأمم السودان من الآدميين هم آهل الإقليم الثاني وما وراءه إلى آخر الأول، بل وإلى آخر المعمور متصلون ما بين المغرب والمشرق يجاورون بلاد البربر بالمغرب وأفريقية وبلاد اليمن والحجاز بالوسط، والبصرة وما وراءها من بلاد الهند بالمشرق؛ وهم أصناف وشعوب وقبائل أشهرهم بالمشرق والحبشة والنوبة، وأما أهل المغرب فنحن ذاكروهم، وأما نسبهم فإلى حام بن نوح)

(وعد ابن سعيد من قبائلهم وأممهم تسع عشرة أمة فمنهم بالمشرق الزنج على بحر الهند ولهم مدينة منبسة وهم مجوس ويليهم بربرا، والإسلام لهذا العهد فاش فيهم ولهم مدينة مقدشوا على البحر الهندي يعمرها تجار المسلمين، ومن غربيهم وجنوبهم الدمادم وهم حفاة عراة؛ ويليهم الحبشة وهم اعظم أمم السودان وهم مجاورون لليمن على شاطئ البحر الغربي منه؛ ويليهم البجا وهم نصارى ومسلمون ولهم جزيرة مدينة دنقلة غرب النيل وأكثرهم نصارى؛ ويليهم زغاوة وهم مسلمون ومن شعوبهم تاجرة؛ ويليهم كانم وهم خلق عظيم والإسلام غالب عليهم ومدينتهم حيمي ولهم التغلب على بلاد الصحراء إلى فتران؛ ويليهم عن غربيهم كوكو وبعدهم نقارة والتكرور ولمى وغنم وجابي وكوري وانكرار ويتصلون بالبحر المحيط إلى غانة في الغرب)

(ولما فتحت أفريقية المغرب دخل التجار بلاد المغرب منهم فلم يجدوا فيها أعظم من ملك غانة. كانوا مجاورين للبحر المحيط من جانب الغرب وكانوا أعظم أمة ولهم اضخم ملك، وكانت تجاورهم من جانب الشرق أمة أخرى فيما زعم الناقلون تعرف بصوصو. ثم بعدها أمة أخرى تعرف بمالي. ثم بعدها أمة أخرى تعرف بكوكو ويقال لها كاغو. ثم بعدها أمة أخرى تعرف بالتكرور. ثم إن أهل غانة ضعف ملكهم وتلاشى أمرهم واستفحل أمر الملثمين المجاورين لهم من جانب الشمال مما يلي بلاد البربر واعتزوا على السودان واستباحوا حماهم واقتضوا منهم الأتاوات والجزى، وحملوا كثيراً منهم على الإسلام فدانوا به؛ ثم اضمحل ملك أصحاب غانة وتغلب عليهم أهل صوصو المجاورون لهم من أهل السودان واستعبدوهم وأصاروهم في جملتهم. ثم إن أهل مالي كثروا أمم السودان في نواحيهم تلك وأستطالوا على الأقاليم فتغلبوا على صوصو وملكوا جميع ما بأيديهم من ملكهم القديم، وملك أهل غانة إلى البحر المحيط من ناحية الغرب وكانوا مسلمين يذكرون أن أول من أسلم منهم ملك اسمه (برمندانة). ثم يذكر ابن خلدون بعد ذلك من تولى الحكم بعد هذا الملك حتى يصل إلى الملك ساكورة (سبكرة) فيقول عنه: (وحج أيام الملك الناصر وقتل عند مرجعه بتاجور وكانت دولته ضخمة اتسع فيها نطاق ملكهم وتغلبوا على الأمم المجاورة لهم وافتتح بلاد كوكو وأصارها في ملكة أهل مالي فاتصل ملكهم من البحر المحيط وغانة بالمغرب إلى بلاد التكرور في المشرق، واعتز سلطانهم وهابتهم أمم السودان وارتحل إلى بلادهم التجار من بلاد المغرب وأفريقية. . . الخ)

هذا هو كلام ابن خلدون وقد تعمدت أن أنقله في هذه السطور الكثيرة لأنه قد شرح ما ألم به ابن بطوطة وما أجمله جونستون، فمن كلام ابن خلدون نستطيع أن نفهم بوضوح أي القبائل كانت تسكن في كل تلك الأقاليم، ونستطيع أن نفهم بوضوح أي هذه القبائل كانت تدين بالإسلام وإلى أي حد وصل الإسلام؛ ولكن ابن خلدون عاش في أوائل القرن الرابع عشر كما قلنا وهو إذ يتحدث عن هذه الديار يتحدث عنها كديار إسلامية انتقل إليها الإسلام من مختلف الجهات واستقر بها وأثر في أهلها، ولكننا قد نتساءل بعد هذا: كيف دخل الإسلام إلى تلك الجهات وكيف اقتحم على أولئك الزنوج غاباتهم وإحراجهم وبيوتهم ومدنهم؟ وكيف أثر في الأهلين وفي عاداتهم وأخلاقهم؟ هذا ما سنتناوله الآن بالبحث

(يتبع)

جمال الدين محمد الشيال