مجلة الرسالة/العدد 228/بين ابن زيدون وولادة

مجلة الرسالة/العدد 228/بين ابن زيدون وولادة

مجلة الرسالة - العدد 228
بين ابن زيدون وولادة
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 15 - 11 - 1937


شاعر الحب. . .

للأستاذ محمد بهجة الأثري

مهداة إلى الصديق (الزيات) مصور الحقيقة والجمال والخير

(الأثري)

حيِّهِ من شاعرٍ في الغابرينْ ... عاشَ حيّاً في قُلُوب العاشقينْ

شاعرُ الحبِّ، وما أعظَمَهُ ... لَقَباً يَحْيَا به في الخالدين!

شاعرُ الحبِّ، وما الدنيا سوى ... نَغَمِ الحبِّ وشعرِ المُغْرَمين

وبقاياها فضول مُنِيَتْ ... بتعاطيها نفوسُ الأكرمين

هل يروق العيشُ في غيرِ هوى ... أو يروق العيش في غير حنين؟

لا ودلِّ الغِيدِ في فتنتِهِ ... وجلالِ الحسنِ في الخُلْق الحصين

جلَّ ما رقرقه في شعره ... من دموعٍ وزفير وأنينْ

قِطَعٌ من كبِدٍ مقروحة ... صَلِيَتْ في الحب نيرانَ الشجونْ

وفؤادٍ من تباريح الضَّنى ... ذابَ إلاّ رَمَقاً لا يَسْتبين

قطّرتها شَجَناً أنفاسُهُ ... كحنَان الإِلْف ناءاه القرين

وجَلَتْها فتناً أشعارُهُ ... كرُواءِ السحر، تسبي الناظرين

ضحِكٌ في دمعةٍ رقراقةٍ ... وتعالٍ في خضوعٍ مستكين

لَمحَاتٌ تنبري مسرعةً ... كوميض البرق أو نبض الوتين

من ضلالِ النفس في حَيْرتها ... وخداعِ القلب بالوصل الضنين

يرهبُ الفُرقةَ أنْ تُفْزِعَهُ ... ويخاف الدهرَ أَلاَّ يستكين

بين يأسٍ من يقينٍ عنده ... ورجاءٍ يبتغيه في الظنون

ما درى الأمنَ فؤادٌ عاشقٌ ... ساعةً دون ارتياعٍ من كمين

أيُّ قلبَيْنِ إذا ما اجتمعا ... وعيونٍ تتلاقى بعيون!

قفْ تأمَّلْ خفقاتٍ نطقتْ ... بالهوى وارْنُ إلى السحر الم وتصوَّرْ مبسِمَيْن الْتَقَيَا ... وعناقيْنِ: خَدِيناً لخدين

في أحاديثَ كأنفاس الصَّبا ... وشذا الوردِ ورَقْراق المعين

يقطعانِ الدهرَ في ظلّ الصِّبا ... بين لَثْم وعناق وأنين

كلَّما جَدَّ الهوى زادا به ... لَعِباً يُغْري ولهواً وحنينْ

هل ترى من غِبطةٍ رفَّتْ على ... مشهد أبدعَ يحلو ويَزِيْن؟

وقف الدهرُ عليه ثَمِلاً ... يغبِط الإِلفَيْن كالصبِّ الغَبينْ

لا أخافَ اللهُ قلباً هائماً ... ببنات الحسن من حُور وعِين

يا دعاءً ما استجابَتْه السما ... لعشيقيْن على كرّ السنين

ليتها في عاشقيْ قُرْطُبة ... لبّتِ القولَ لذُلِّ الضارعين

إن ما ذاقاه في ظل الهوى ... من أفاويق حَلَتْ، عادَ وَزِينْ

ضَرَبت أيدي النوى بينهما ... والنوى أقتلُ داءِ العاشقين

النوى؟ سل بالنوى مَنْ ذاقها ... يُزِلِ الشكَّ ويُخْبِرْك اليقينْ

ظمأٌ بَرْحٌ، وشوقٌ دائم ... وجوىً يُذوِي، وسقم وجنون

ما لها طِبٌّ يداوِيها خلا ... عودةَ الوصل قريناً لِقرين

يا لساناً وقَّع الشجوَ الذي ... سَحَرَ الدنيا وهزَّ المُغْرمين

ولدتْ (ولاّدةٌ) أنغامَه ... فتناغى بأفانين اللحون

قد أصاب الحبُّ من قَلْبَيْهما ... عاشقاً طهراً ومعشوقاً رزين

ما مشى الرَّيْبُ إلى قُدْسِهما ... وهوى الناسِ ارتيابٌ ومُجُونْ

يُعْصَمُ النُّبْلُ ويُحْمى حوضُهُ ... بقُوى النفس وبالخُلق المتينْ

يعرِفُ الصدقَ أخو الصدقِ فَدَعْ ... كذِبَ الشكِّ وغَمْزَ الجاهلين

ربَّ حبٍّ كنمير الماء في ... صفوه: طُهْرٌ وعذب ومصونْ

(بغداد)

محمد بهجة الأثري