مجلة الرسالة/العدد 241/الترجمة خطرها وأثرها في الأمم المختلفة

مجلة الرسالة/العدد 241/الترجمة خطرها وأثرها في الأمم المختلفة

مجلة الرسالة - العدد 241
الترجمة خطرها وأثرها في الأمم المختلفة
ملاحظات: بتاريخ: 14 - 02 - 1938



للدكتور عبد العزيز عزت

1 - عند الرومان

تمر على الأمم في تاريخها فترات تشعر خلالها بحاجة إلى رفع نفسها إلى مستوى من سبقها من الشعوب في مضمار التقدم الفكري، فيحدث إبان ذلك نوع من الهجرة الثقافية في أنواع المعارف المختلفة وخاصة في مجال الفلسفة، لأنها حتى منتصف القرن الثامن عشر، أي قبل أن تأخذ فلسفة كانْت شكلها الحاسم، كانت تفهم بأنها مجموع العلوم الإنسانية. ومن الطرق التي تمهد لهذه الهجرة الثقافية: الحروب تارة كما حدث إبان الحروب الصليبية من اشتباك التفكير المسيحي والتفكير الإسلامي، وتارة التجارة فهي بجوار ما تحمله من السلع تحمل على وجه خاص تفسيراً لها وشرحاً عقلياً. وأمر الفينيقيّين معروف في هذا الباب؛ ومنها الرحلات وأهميتها ظاهرة عند أفلاطون وتأثره بالتفكير المصري القديم كما يلاحظ ذلك عنده في مقدمة كتابه (طيماؤس) وكذلك عن ابن خلدون في (مقدمته)؛ ومنها البعثات العلمية في خارج البلاد كبعثات فرنسا في ألمانيا، فرافيسون يشيد بذكر أستاذ شلنج واستاذنا بوجليه يشيد بذكر أهرنج وكبعثات مصر في فرنسا، فهناك من ينطق باسم جوستاف لوبون وهناك من يبشر باسم ديكارت وغير ذلك. ولكن مهما يكن لهذه الطرق من الأهمية في هجرة الثقافة، فهي في نظري ناقصة لأنها لا تخلق إلا عرفاً ثقافياً.

ومن أصول العرف عامة إلا يستقر على قرار متين، لأنه يخضع لظاهرة التقليد في المجتمعات البشرية كما يؤكد ذلك العلامة تارد في كتابه (القوانين الاجتماعية). لهذا لوم خلق قانون وضعي للثقافة يحدد شرعتها واتجاهها ويضمن لها الاستقرار والإنتاج خلال نزعة معينة، وهذا لا يمكن تحقيقه إلا بالترجمة فهي الأساس الأول الذي عليه يبنى (التماسك) الفكري في عقلية الفرد، والتماسك الفكري في عقلية المجتمع

وأهمية الترجمة تتلخص في أربعة أفكار نجدها عند زعيم الأدب الفرنسي وأستاذه السابق بمدرية المعلمين العليا بباريس العلامة لانسون في (مجلة التاريخ الأدبي لفرنسا) عام 1896

أولاً - تمهد الترجمة لخلق (فكرة عامة) عن الشعب المترجم عنه، لأن الشعب المترجم إ سيهتم في ذلك الحين بتعرف تاريخه في كل نواحيه، وحالته السياسية والاجتماعية الراهنة، وآدابه وفنونه، وسائر أنواع نشاطه التي تكوّن حضارته في مجموعها

ثانياً - الترجمة تحقق (الاستفادة المؤكدة) في موضوعات معينة، خلال تيارات محدودة للفكر، إبان زمن معين للشعب المترجم عنه، فهي استفادة مباشرة تفصيلية تشتق من مطالعة الكتب المترجمة ذاتها

ثالثاً - الترجمة تخلق موجة فكرية فتوجه الرأي في الشعب المترجم إلى غايات معينة، هذه الموجة هي موجة (تقليدية) فهي استفادة غير مباشرة، وذلك بأن يأخذ كتاب الشعب المترجم إليه نفس موضوعات التراجم ولكنهم يعالجونها من وجهة نظرهم الخاص بهم في بلادهم، أي الاستمرار بالاستفادة المباشرة من قراءة التراجم لمعالجة موضوعات تحل بروح وطنية على ضوء ما تحتويه التراجم من علم جديد، فهي تمهد الاستمرار الوطني الأهلي (بالاستفادة المؤكدة)

رابعاً - بعد هذا ينتج عن الترجمة نوع من الانسجام بين عقلية المترجم عنه والمترجم إليه، وهذا الانسجام هو تداخل عقليتهما، وظهور نوع من التشابه في ألوان تفكيرهما، فيحصل ضرب من الاتحاد في الذوق والتفكير والميول، ويكتسب نشاط الاثنين نفس الشكل، ويتجهان إلى نفس الغاية

لهذا عندما أحس الرومان أنهم أهل حروب وسفك دماء يفرضون استعباد السيف باسم القانون والتشريع على الهادئين المطمئنين من خلق الله - ذهبوا إلى اليونان القدماء ينشدون أصول العقل، واتزان الحس، ومنطق الجمال، ليقللوا من حدة طباعهم، وتنافر غرائزهم، ولينعموا - قليلاً - بما للإنسانية من معان سامية، وآيات قدسية، وأهم من يمثل حركة الترجمة عندهم هو بلا شك، شيشرون ولقد حاول دراسة هذا الرجل كل من العلامة فان هوسدو والعلامة بومهور الأول يبحث عن أثر أفلاطون في مؤلفاته والثاني عن أثر أرسطو فيها، وذهبا إلى طريقة عقيمة في ذلك تتلخص في مقارنة النصوص وتشابه معانيها، مع أن شيشرون أخذ العلم والفلسفة في بلاد مختلفة وليس في أثينا فقط مهبط المشائين من الفلاسفة، فهو قد ساهم في تأثره العقلي لمدارس فلسفية مختلفة، فدرس بجوار ذلك على فدروس الأبيقوري، وفيلون دي لاريس ومن ينتمي إلى تعاليم الأكاديمية الجديدة كأنطيوخس ودرس على الخصوص على ديودوتس الروافي ومن ينتمي إلى هذه المدرسة كبسدونيس ثم إنهما لم يرجعا إلى الصفات الأساسية التي تميز العقلية الرومانية وأخصها كما يذكر العلامة - الجمع - ' فحقيقة نجد عنده أثراً لأفلاطون وأثراً لأرسطو وإنما كذلك (وقبل ذلك) هناك أثر الرواقيين والأكاديمية الجديدة، فهي التي سادت تربيته عندما رحل إلى بلاد اليونان، وهي التي سادت كذلك في كل مكان في زمانه وقبل زمانه، لأن حروب الأسكندر الأكبر عاقت انتشار مذاهب أفلاطون وأرسطو سواء في المجتمع اليوناني أن المجتمع الروماني - كما يؤكد العلامة جانيه فبعد هذه الحروب حدث كما يحدث عادة بعد انتهاء كل حرب من ضعف أخلاقي لهبوط قيمة الحياة في إفهام المحاربين والانغماس في اللذات كنتيجة للانتصارات، وكذلك ضياع الفهم السياسي وأهمية الفرد في المجتمع، وكذلك انعدام الروح الدينية والاهتمام بالنتائج المادية للغزو، وهذا بطبيعة الحال يجني على التصور السامي لغايات النفس في أمور الحياة. ولما كانت فلسفة أفلاطون كأساس فلسفة (طبيعية) تهتم بفهم عالمنا الخارجي على قياس عالم داخلي هو عالم الأفكار الخالدة، ولما كانت فلسفة أرسطو كأساس فلسفة منطقية تبغي إقامة العلم والوصول إلى الحقيقة المجردة، شعر اليونان بعد تلك الحروب بحاجة إلى فلسفة جديدة تسمو بنفوسهم إلى مستوى أرفع مما وصلوا إليه، أي كانوا بحاجة ماسة إلى فلسفة أخلاقية، لهذا سادت مباشرة تعاليم الرواقيين وظل أرسطو نسياً منسياً حتى القرن التاسع الميلادي حيث ولد من جديد عند العرب، ومن جديد كذلك إبان القرن الثالث عشر الميلادي عند آباء الكنيسة في أوربا خاصة القديس البير الكبير والقديس توماس فهذه هي الحوادث التاريخية الصريحة التي بدونها لا يمكن أن يفهم المنطق التاريخي للفلسفات في جولاتها المتعاقبة

على أية حال لقد كان شيشرون (زنجياً أبيض) لأسياده اليونان القدماء في تفكيره وهو يعترف بذلك في نص صريح تعبنا في استخلاصه من مؤلفاته حيث يقول في الأتيكوس , , ما ترجمته: (إن مؤلفاتي لم أجد في كتابتها عناء كبيراً، لأنني بحثت فقط عن الاصطلاحات التي وقفت في وضعها)

وفي واقع الأمر أن أغلب مؤلفات شيشرون إن لم تكن كلها عبارة عن (ترجمة حرفية) للكتب اليونانية القديمة، بل أحياناً يعجز عن وضع الاصطلاحات لبعض التعابير اليونانية فيتركها على حالها دون نقل، كما فعل بعد ذلك العرب في كلمة (ميتافيزيقا) و (إيساغوجي)، فهو يترك مثلاً اللفظين اليونانيين لكلمتي الأفكار والمغريات عندما يعرض للأخلاق العملية، ونجد في وضوحٍ أثر أفلاطون ظاهراً في نواميس شيشرون وجمهوريته وفيهما يعرض فهمه للسياسة، فهو يبغي تحقيق دولة فيها تمتزج مبادئ الملكية والأرستقراطية والديمقراطية في آن واحد، حتى يستقيم ظل الحكم وتسود الطمأنينة بين عباد الله، لأن الحكومات القائمة في عهده يعتبرها صورية تتخذ من الحكم سبيلاً لفرض السيف على رقاب الناس ووضع الحبل في أعناقهم باسم الحرية تارة وباسم الصالح العام تارة أخرى. وأثر أرسطو على الخصوص في التوسكيلان وفي هورتنيوس حيث يعرض في الأول للنفس الإنسانية في أصلها وطبيعتها وقدرتها في التصور وأنواع ملكاتها المختلفة، وخاصة الشهوات والانفعالات النفسية في كل نواحيها بدقة تفوق الوصف؛ وفي الثاني يعرض للأسباب التي دعته لدراسة الفلسفة وأهمية أرسطوا في هذا الباب

(البقية في العدد القادم)

عبد العزيز عزت

خريج جامعات القاهرة، وباريس، وكليرمون

عضو بعثة الجامعة المصرية لدكتوراه الدولة