مجلة الرسالة/العدد 245/إلى سر السيد جمال الدين

مجلة الرسالة/العدد 245/إلى سر السيد جمال الدين

مجلة الرسالة - العدد 245
إلى سر السيد جمال الدين
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 14 - 03 - 1938


بمناسبة ذكرى وفاته

للأستاذ عبد المنعم خلاف

على القبر الذي في ضفاف البوسفور سلام دائم كِفَاء الحرب الدائمة التي شنها مدى عمره على الطواغيت الثلاثة: الجهل والاستبداد والتفرق. . . عناصر الشر العريق الخالد، وثالوث الشقاء الأسود الذي تبتلى به الإنسانية حين يراد ضياعها وإهدارها وتبديد معناها

وسلام على القصر الذي سلسله فيه عبد الحميد بسلاسل الذهب وأضواه فيه بالموفور الميسور من الغذاء والديباج والخز. . . وخنقه فيه بشذا الورود والريحان. . . ثم أعجل أجله بالطب. . . حتى اطمأن إلى أن درع روحه قد ووري التراب. . .

وقبلات طاهرة مقدسة على اليد البالية التي أشارت لمحمد عبده وسعد زغلول وشكيب أرسلان وغيرهم إلى الطريق فسلكوا بالقطيع فيه ليخرجوه من المهالك والمضايق والجدب والعقم. . .

يا أيتها النفس المطلقة الحرة التي ضرب الله بها مثلاً لسطوة العلم والروح وبطشهما بقوة الملك والسياسة. . . تُرَى ما الذي تَيَّمك حتى يَتَّمك من الأرض والوطن وفطمك من حياة الزوجية والاستقرار والهدوء والعيش السالم الناعم؟!

ترى ما الذي شرد النوم من جفونك ورمى بجسمك المرامي القاضية، وجعلك (طيراً على كل غصن) يضرب بجناحه في أجواء الشرق الإسلامي ويصرخ في الأرض النائمة ليوقظ صرعى الطواغيت الثلاثة في الهند والأفغان وإيران والعراق والشام والحجاز ومصر وتركيا والمغرب. . .؟

ثم ما الذي شرد النوم من جفون (جونبول) وعبد الحميد وناصر شاه وتوفيق، حتى طاردوك وتآمروا ودبروا وكادوا واحتالوا باليد الباطشة الحمراء. . . و (العين) الرنانة الصفراء؟. أهو روح النار التي كانوا يخافونها على ما جمعوه من هشيم. . .؟

أهو روح القوة التي خافوها من مثل صيحتك في ميدان باب الخلق بالقاهرة بكلمتك المشهورة: (أيها الفلاح المصري الذي يشق الأرض بالمحراث، لم لا تشق به قلوب مستعبديك؟!) فخشوا أن تحيل النفوس الخزفية إلى حديد ذي بأس شديد. . . وأن تركِّب براثن ومخالب وأنياباً لذوات الحوافر والأظلاف، والقواضم والأضراس من القطعان السائمة التي ترعى لتذبح أو تحلب أو تجرجر الأثقال الدائمة أو تدور على نفسها في الحظائر تمضغ الجفاف وتجترُّه في غيبوبة عن الدنيا ذات الجنات والأنهار والعيون. . .؟

أم هو روح الحق الذي تقمصك فجعل مرآك ومنطقك ومجلسك ثلاثة مفاتيح تفك الأغلاق والأقفال والقيود عن العانين المأسورين للأصنام الإنسانية والطواغيت الثلاثة؟

أم هو روح النور الذي مددْت خيوطَه إلى كل عين رأتك فرأت به الظلام الممدود على الشرق والواقعَ الأليم على الإسلام؟

أم هو روح الثورة التي تضرمها عيناك في كل قلب يراك حتى ولو من وراء عدسة المصور. . . وأنت في بطن الأرض؟!

بل كل هؤلاء جميعاً هو سرك الذي أعيا أعداءَك جهادهُ. .

رَأى الدنيا ذات الصبح العريض المالئ للآفاق، المشرق على الناس من الغرب. وهو في أعماق الشرق بين جبال الأفغان أو إيران فقبس لمصباحه منه وأخذ عصاه رحالةً يقرع أبواب المسلمين النائمين الحالمين من الحاكمين والمحكومين، وينفخ في بوقه هاتفاً بالصوت الموقظ المنذر في الأرض النائمة، مشيراً بعصاه إلى الضوء الجديد في الأفق البعيد. . .

ثم سار في خرائب الممالك الإسلامية وأطلال المجد القديم يلتقط النفوس الدُّرِّية والحديدية من الخزف والحطام والتراب. ويقبض عليها بيديه القويتين فما يتركها حتى يصقلها وتمسها كهرباؤه وتتصل بمرجل الثورة في قلبه ثم ينثرها على الآفاق الإسلامية تكهرب الجو وتضيء وتزين وتحطِّم. . .

سَلِم من خديعة الشيطان ومكره بالعلماء رجال الدين الذين يكتفون في جهاد الإثم والجهل بأن يعكفوا على الدفاتر والمحابر فيسْكروا بما فيها كما يسكر العاكفون على الخمر فيغيبون عما حولهم من أحداث الدنيا وسياسة الحياة، ويتركون القلوب فارغة ويملئون الرءوس بالبلبلة والأحافير وألاعيب الألفاظ. يبتغون الخلود بزعمهم في التاريخ والصحف. . . وهم يفقدون نفوسهم في الحياة

فبَرئَ جمال الدين من العلم الصامت البارد وأدخل تعاليمه إلى نفوس تلاميذه ومريديه في حرارة بعد أن هزهم هزاً عنيفاً، وكتب رسالته على أرواحهم ومات فقيراً من ميراث الورق المسطور. . . الذي يتباهى به أكثر العلماء الحفاظ، بعد أن عاش في ألفاظه وتعاليمه وعلم تلاميذه أن يعيشوا كذلك. . . ولذلك أحدث كل منهم ثورة وسار على قدم أستاذه فسجن وعذب ونفي وشرد

هذه مقاطع آلامه كما رواها تلميذه الأمير شكيب أرسلان

(لا أريد أن أسر المسلمين بكلمة، هؤلاء قوم كلما قال لهم الإنسان: كونوا بني آدم. . . أجابوه: إن آباءنا قد كانوا كذا وكذا. . . وعاشوا في خيال ما فعل آباؤهم غير مفكرين بأن ما كان عليه آباؤهم من الرفعة لا ينفي ما هم عليه اليوم من الخمول والضعة)

(قد فسدت أخلاق المسلمين إلى حد أن لا أمل بأن يصلحوا إلا بأن ينشئوا خلقاً جديداً وجيلا مستأنفاً. فحبذا لو لم يبق منهم إلا كل من هو دون الثانية عشرة من العمر، فعند ذلك يتلقون تربية جديدة تسير بهم في طريق السلامة)

(إن المسلمين قد سقطت هممهم ونامت عزائمهم وماتت خواطرهم وقام شيء واحد منهم وهو شهواتهم)

وهذه مطالع آماله كما ترجمها تلميذه الأكبر الإمام محمد عبده:

(صفاء العقول من كدر الخرافات وصدأ الأوهام، والإسلام يقتضي ذلك، لأن أول ركن بني عليه صقل العقول بصقال التوحيد وتطهيرها من لوث الأوهام. . . وأن تكون نفوس الأمم مستقبلة وجهة الشرف طامحة إلى بلوغ الغاية منه ماعدا رتبة النبوة فإنها بمعزل عن المطمع. . .

(وإن دين الإسلام فتح أبواب الشرف في وجوه الأنفس وكشف لها عن غايته وأثبت لكل نفس صريح الحق في أي فضيلة

(وليس الإسلام كدين (برهما) الذي قسم الناس إلى أربعة أقسام وقرر لكل منزلةً لا يتجاوزها. . . ولا هو كاليهودية التي تخص شعب إسرائيل بالكرامة والإجلال وتذكر غيرهم بالتحقير، ولا هو كالمسيحية التي تذهب إلى أن رؤساء الدين أقرب إلى الله من جميع البشر وأنهم وساطة رضاء الله. . .

(وأن تكون عقائد الأمة مبنية على البراهين القويمة مجانِبةً مُطالَعَة الظنون وتقليد الآباء كما يحتم القرآن (وأن يكون في كل أمة طائفة تختص بتعليم سائر الأمة، وطائفة أخرى تقوم على النفوس بالتهذيب والتعديل. . .)

وهذه عزائم جهاده في السياسة كما لخصها الأستاذ الجليل مصطفى عبد الرزاق بك:

1 - تخليص بلاد الإسلام من نفوذ أوروبا وخصوصاً إنجلترا.

2 - تخليصها من الاستبداد وإنشاء النظم الحرة الدستورية فيها

3 - جمع كلمتها بجميع فرقها تحت زعامة واحدة

وهذه وسائله السريعة التي تخيرها لتحقيق غاياته كما رآها (تشارلن آدمز): (الثورة السياسية التي عرف أنها أسرع الطرق وآكدها لتحرير الشعوب الإسلامية وتغذيتها بالحرية الضرورية لتنظيم شئونها. أما وسائل الإصلاح التدريجي والتعليم فكان يرى أنها بطيئة جداً غير محققة العاقبة)

فهو الذي أوحى بالثورة الفارسية التي بدأت بالهياج ضد احتكار التنباك في سنة 1891 وانتهت بوضع دستوره في أغسطس سنة 1906، ووالاها بالتشجيع والتأييد

وهو الذي مهد بتهييجه المتواصل للحركة التركية الموفقة التي قامت سنة 1908

وهو الذي دفع الحركة الوطنية المصرية التي ساء ختامها بفشل الفتنة العرابية

وهكذا كان أيان يذهب يترك وراءه ثورة تغلي مراجلها

وصفوه لنا. . .

فقالت أقلام الشرق: (حنيفي حنفي مع ميل إلى مشرب السادة الصوفية رضي الله عنهم) (هو حليم يسع حلمه ما شاء الله أن يسع إلى أن يدنو أحد ليمس دينه أو شرفه فينقلب إلى غضب تنقض منه الشهب، فبينما هو حليم أواب إذا هو أسد وثاب. . .)

(وبالجملة فلو قلنا إن ما أوتيه من الذكاء هو أقصى ما قدر لغير الأنبياء لكنا غير مبالغين)

هذا بعض قول محمد عبده فيه. وهاك بعض ما قاله الأمير شكيب:

(كان في أطوار حياته فيلسوفاً كاملاً عالماً عاملاً. . . فكان يفطم نفسه عن الشهوات، ولا يرى من اللذات إلا اللذة العقلية. وقد حاول السلطان عبد الحميد أن يعلق قلبه بالمال والبنين ويشغله بزينة الدنيا وراوده على الزواج فأبى وأعرض وقال له: (قضيت حياتي مثل الطير على الغصن، فلا أريد في آخر أيامي أن أتعلق بعائلة) وقال في مثل هذا المقام: (لم تدخل روح الفلسفة في هذه الأمة)

وقالت أقلام (رينان) و (روشفور) و (بروان) من الغرب:

(كنت أتمثل أمامي عندما كنت أخاطبه ابن سينا أو ابن رشد أو واحداً من أساطين الحكمة الشرقيين)

(السيد جمال الدين الأفغاني من سلالة النبي، والمعدود هو أيضاً أنه أشبه بنبي. . .)

(كان رجلاً ذا خلق قوي، غزير العلم موفور النشاط، لا يجد الوهن إليه سبيلاً، جريئاً مقداماً؛ وكانت فصاحته لا تجارى خطيباً كان أم كاتباً؛ وكان لطلعته هيبة في النفس وعظمة وجلال؛ وكان فيلسوفاً وكاتباً وخطيباً وصحافيّاً، ولكنه كان فوق ذلك سياسيّاً. . .)

سياسي يغربل الحوادث ويعلق عليها ويرسم حدود الدولة والحكم الصالح للأجسام. . . وحبر ديني يصقل جوهر الإنسان ويرسم حدود الحكم الصالح للأرواح. . . وفيلسوف يخشى على حكمته التي رأى أمته في حاجة ماسة إليها، أن يجلب لها ضرائر تكيدها وتصرفه عنها، فلم يبتغ صاحبة يبني لها عشاً أو يقيم لها سقفاً يحن إليهما ويجبن بهما ويبخل. . .

وصوفيٌّ لا يُخدع بالتراب المزَوَّق، وينفق من الكنوز الخفية في ملكوت السموات والأرض. ولذلك أبى قبول الرتب والأوسمة التي عرضها عليه السلطان، فلما سئل في ذلك قال: (أكون كالبغل يحمل على صدره الجلاجل؟!)

وكذلك لما أصدر الخديو توفيق أمره بنفيه وعرض عليه قبيل السفر أحد أصدقائه الأثرياء من المصريين بعض النقود ليستعين بها في السفر قال له: (أبقها لك فإن الأسد لا يعدم فريسة أينما حل)

رجل رمزي فنان! رأيت له صورتين ما يفطن إلى شرح وضعه فيهما أحد فيما أعلم: إحداهما صورته وهو واقف قابض بيده على نموذج الكرة الأرضية. وهو رمز عظيم ومعنى جليل يدل على اتساع روحه ورحابة نفسه

وثانيتهما صورته وهو على سرير المرض في أواخر أيامه، وقد أمسك بيده المصحف الكريم ومسبحة، وبسط أمامه صحيفة إفرنجية، وذلك رمز واضح للدلالة على المعاني التي كانت تملك نفسه من الدين والتصوف والسياسة، وخلاصة مفيدة عن ذلك الرجل الذي التقى فيه الشرق والغرب لقاء عجيباً!

يلتفت إليك الشرق الإسلامي كله في هذه الأيام يا أيها القبر الذي ضم جثمان نذيره في القرن التاسع عشر بعد أن ختله مرض الجبابرة والعباقرة: السرطان. . أو غول السياسة. . كما يتحدثون والديان أعلم!

عبد المنعم خلاف