مجلة الرسالة/العدد 249/مع فتاة

مجلة الرسالة/العدد 249/مع فتاة

مجلة الرسالة - العدد 249
مع فتاة
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 11 - 04 - 1938


حديث غير مفيد

للأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني

دق التليفون قبيل الظهر، ودعيت إليه، فسمعت صوتاً كدت أنساه من طول العهد به يسألني: (هل تستطيع أن تهبني من وقتك الثمين دقائق؟ إن بي حاجة إليك فلا تخيب أملي فيك).

فشوقني ذلك إلى لقائها، وإن كانت قد جفتني ونبت بي بلا موجب أعرفه، فذهبت إليها، وقلت وأنا أحدق في وجهها متفرساً:

(والآن ما الذي زوى بين هاتين العينين الجميلتين مذ كنت هنا آخر مرة؟)

قالت وهي تبشم وتمد إلى يديها بصندوق السجاير:

(خمن وأراهن لن تقع على الصواب!)

قلت وأنا أشعل السيجارة على مهل:

(أهو شيء عجيب جداً إلى هذا الحد؟)

قالت: (نعم وجديد أيضاً)

وكانت مقطبة على الرغم من ابتسامها، ولكن وجهها كان كأنه في هالة. فقلت: (إن هذا الذي أطالعه في محياك الوضيء لا يكون إلا من شيء واحد. فمن هو؟ لا تطيلي عذابي)

قالت وهي تتنهد: (إنك لا تعرفه. . . شاب أصغر مني. . . قد يكون هذا جنوناً مني. . ولكنه هو أيضاً مجنون. . بالآثار. .)

قلت: (إن في الدنيا ضروباً شتى من الجنون، فلا تخشى أن أنكر عليك أو عليه شيئاً، ولكن الذي لا أستطيع أن أفهمه هو أن تضيعي وقتك معي وحقك أن تكوني معه)

قالت: (هذا ما أردت أن أتحدث معك فيه. . إن له صديقاً حميماً من علماء الآثار. . لا يفترقان. . . ولا كلام لهما إلا في هذه الآثار. . . وأنا أزعم أني لا أبالي. . . ولكنه يبدو لي أن هذا الحال غير طبيعي)

قلت: (غيري؟؟)

قالت: (نعم، إلى حد ما، وإنها لسخافة، ولكن هذا هو الواقع، ولا حيلة لي أراها) قلت: (الحكمة القديمة تقول إن الإنسان لا يحيا بالخبز وحده؛ أما الحكمة الجديدة فتقول إنه لا يحيا بالحب وحده)

قالت: (اعرف هذا ولكن. . .)

فقاطعتها وقلت: (ولكن يا فتاتي الغيرى يجب أن تعلمي أن للصداقة - كما للحب - مطالبها ومقتضياتها؛ ومن الجلي أن هذه الصداقة تنيله ما لا يسعك أنت أن تنيليه. وإذا كان لي رجاء، فهو ألا تحاولي أن تستحوذي على هذا الشاب، فإن من الخطأ الذي تقع فيه المرأة كثيراً أن تحاول أن تبلع الرجل. . ومن يدري. . لعل المرأة كانت أسبق من الرجل إلي أكل اللحم البشري، وعسى أن تكون هي التي علمته ذلك. . ولكنا ارتقينا يا فتاتي الجميلة. . خرجنا من عصور الاستيحاش. . . ثم أسمعي. . . لا تصدقي أن من الممكن إدماج حياة في حياة، وأن اثنين يمكن أن يكونا واحداً. . . تذكري ما تعلمت من علم الحساب. . . وخير من هذا، وأجلب للراحة أن توطن المرأة نفسها على أن للرجل حياته المستقلة. . . فان محاولتها الاستحواذ على الرجل تؤدي إلى جعل الحب آفة، والعكس أولى بأن يكون)

فقالت بلهجة مبطنة بالمرارة: (إن من الطبيعي ولا شك أن يكره الإنسان المشاركة)

قلت: (الرغبة في الاستحواذ مرة أخرى. . . ولكن هل أنت مشاركة فيه؟ هل في وسعك أن تغنيه عن صديقه وأن تحلي محله، وتشبعي الجوع الذي يحسه من هذه الناحية؟ لا أظن فاقنعي بنصيبك منه، ودعي له البقية التي لا يكون في مقدورك أن تسدى الفراغ فيها. . . إن من العسير أن تصبيه في القالب الذي يروقك. . . صعب جداً أن تغيري الناس. . . كل ما يمكن أن تنجحي فيه هو أن تسيئي إليه وتنفريه. . . فما دام يشعر بالحاجة إلى صديقه هذا فدعيه له، ولا تطمعي أن تسلبيه منه الآن. . . إنك جديدة عليه فاتركي الوقت الكافي للتكيف. . ومن يدري. . إنه لا يجد فيك الآن كل ما تصبو إليه نفسه. . . قد يستغني بك عن الدنيا قاطبة فيما بعد. . . بعد أن تتكشف له نواحي نفسك شيئاً فشيئاً. . . ولكن من يدري أيضاً. . . قد يتبين انك أنت أيضاً لا تجدين عنده كل ما تطلبين من الحياة. . . قد تجدين مثلاً مجرد مثل. . . أنك لا تستغنين عني، وأن بك حاجة ولو قليلة إلى صداقتي الفارغة. على كل حال، لقد احتجت اليوم إلي، ولو أنه كان حسبك من كل ناحية لما دعوتني إليك) وتناولت فنجان القهوة، ورشفت منه رشفة ثم أعدته وقلت: (ويا سميحة، كلمة أخرى. . . إن من الخطر أن تتزوج المرأة رجلاً اصغر منها. . . واسمحي لي بأن أكون فظاً فان صداقتنا تعطيني هذا الحق، وأنت أعز علي من أن أهمل فتح عينيك على الحقائق. نعم، خطر كبير هذا، فان المرأة تفقد جمالها بأسرع مما تفتر عواطف الرجل وتضعف قواه)

قالت: (يكفي، فإني لا أجهل هذا)

قلت: (حسن. . . . إذن تعالي نتمشى)

ولكنها في الطريق لم تكن خيراً منها في البيت، كانت قلقة مضطربة على الرغم من تكلفها الابتسام، وحرصها على التظاهر بأن لا شيء يثقل عليها أو يكربها، فاضطررت أن أقول لها: (إن من واجب المرأة حين تحب رجلاً أن تحرص على إسعاده، كما تطلب أن يحرص هو على إسعادها، والرجل على كل حال لا يستطيع أن يفهم لماذا يكون هو المعطي والواهب والمضحي دائماً؟)

قالت: (إن كثيرين من الرجال يفعلون ذلك ولا يتململون)

قلت: (ندع انهم ليسوا رجالاً بخير معاني اللفظ، وندع أن فتاة مثلك لا يرضيها واحد من هؤلاء الرجال المهازيل، ويكفي أن أنبهك إلى أن هؤلاء الذين تذكرينني بأمرهم ساخطون ناقمون في قلوبهم، وانهم يحسون بأن عيشتهم سوداء، ولا يشعرون برضى حقيقي، وإن كانوا لضعفهم لا يجرءون أن يظهروا لنسائهم ما خفي من أمرهم عليهن، ولو أتيحت لواحد منهم فرصة التمرد لتمرد وجازف. . . وهذا يحدث كثيراً. . . ومجازفة الضعيف الخائف أفظع من مجازفة القوي المطمئن الواثق بنفسه. . . فلا تنسي هذا. . .)

قالت: (لماذا تتكلم هكذا. . . إني لا أحاول أن أتحكم فيه أو أسيطر عليه)

قلت: (قد يكون هذا صحيحاً، ولكنك تحاولين أن تمنعيه أن يرضى نفسه من ناحية لا تستطيعين أنت أن ترضيه منها. . . تحاولين أن تخطفيه من أصدقائه الذين يحس ويعرف أن به حاجة إليهم. . . إن الرجل ليس كالمرأة، وهو لا يفهم الحب كفهمها له، والحب ليس كل شيء في حياة الرجل، وإن كان كل شيء في حياة المرأة؛ ثم إنه شيء لا دوام له في الأغلب والفتور يعروه على الأيام؛ وهذا الاستحواذ الذي تغري به طبيعة المرأة ليست له ثمرة إلا إعلال من الجانبين. . . أظن أن كلامي ثقيل عليك جداً، ولكن ماذا أصنع وأنا مدعو لأكون ثقيلاً؟ كالطبيب. . جعلت مني طبيباً لك لا صديقاً، وما حيلة الطبيب إلا أن يثقل على الناس بما يمليه عليه علمه وفنه؟)

ولكنها لم تسمع ولم تقتنع، وأبت إلا أن تطيع طبيعتها ولها العذر، وتزوجت الرجل، وفرقت ما بينه وبين صديقه العالم بالآثار.

وبعد سنتين اثنتين لا أكثر دقت لي التليفون مرة أخرى فأحسست بأن الصوت معروف، ولكني لم أذكره حتى قالت أسمها، ودعتني إليها، ولكن هذا حديث آخر يطوى، فلنرجئه إلى وقت غير هذا. . .

إبراهيم عبد القادر المازني