مجلة الرسالة/العدد 250/إبراهيم بك المويلحي

مجلة الرسالة/العدد 250/إبراهيم بك المويلحي

مجلة الرسالة - العدد 250
إبراهيم بك المويلحي
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 18 - 04 - 1938

1844 - 1906

بقلم حفيده إبراهيم المويلحي

تتمة ما نشر في العدد الماضي

ثم سافر إبراهيم بك إلى باريس سنة 1884م وحرر العدد الرابع من جريدته (الاتحاد) بعد صمت أربع سنوات وطبع منها أعداداً كثيرة، وكانت أشد لهجة من أخواتها فاستشاط السلطان غيظاً وحنق على إبراهيم حتى أنه أرسل إلى (أسعد باشا) سفير الدولة العلية في باريس بمذكرة مستعجلة يريد بها إبلاغ رغبته إلى الخديو إسماعيل بأن يأمر سكرتيره (إبراهيم بك) بالكف نهائياً عن إصدار جريدة (الاتحاد) المحررة تحت رعاية سموه

فلما تفاوض (أسعد باشا) مع الخديو اعلمه بأن لا بد له فيها مطلقاً وأنه برئ من تلك الظنون. فما كان من السفير العثماني إلا أن طلب من الحكومة الفرنسية، بناء على رغبة السلطان، نفي المترجم له من فرنسا

ولما كان هذا النفي غير مسبوق بأي محاكمة فقد انبرى المسيو بوددي مورسلي يدافع عن إبراهيم ويستنكر وقوع مثل هذا الإجراء ويأخذ على وزير الداخلية الفرنسية تسليم إبراهيم لأسعد باشا بهذه السهولة، في مقال نشر في حينه في جريدة (الفيجارو) عدد 331 سنة 1884م اختتمه بقوله: (إني أسأل بصراحة المسيو ولدك روسو عن الضرر الذي يسببه وجود إبراهيم بك في باريس. أم هل فقد بلدنا الجمهوري (حق الإقامة) فيه وأضحى غير قادر على منح الضمان الكافي للمحكوم عليهم سياسياً! وإلا فما هو الأمان الذي يمكن أن يجده عندنا كل غريب فقد حق التمتع بمصالح بلده؟ ألا يظن حضرة وزير الداخلية أنه من السذاجة أن ننال بسهولة وبدون محاكمة إبعاد صحفي فرنسي غير راض عن سياستنا الحالية من استنبول أو لندرة مثلاً، لأنه يصدر جريدة عدائية هناك؟!)

إن القبض على إبراهيم بك ونفيه بدون محاكمة لا يعد فقط عملاً استبدادياً، بل أمراً منكراً ربما استحق الاستجواب عنه في البرلمان)

فلما رأى إبراهيم بك نفسه مرغماً على ترك فرنسا بأمر السلطان، سافر تواً إلى (بروكسيل) فكتب إليه السيد جمال الدين الأفغاني لما كان بينهما من روابط الصداقة أيام كانا في مصر، يشير عليه بالتوجه إلى لندرة ليتحدا في الدفاع عن حقوق الأمة ونصرة الدين. فاستصوب إبراهيم هذه الفكرة ولاسيما أنه كان غيوراً على دينه، شديد الحب لوطنه. فأبحر إلى (لندرة) وتسنى له التعرف هناك باللورد تشرشيل واللورد سالسبوري وأخذ يعاون السيد جمال الدين في تحرير (العروة الوثقى) وأنشأ لنفسه جريدة (الأنباء) ثم (عين زبيدة) وأفاض فيهما ولاء خالصاً للسلطان، وأظهر حرصاً على صيانة الدولة بانتقاده الشديد لسياسة غلادستون نحو الدولة العلية في ذاك الوقت

وبلغ مسامع السلطان عبد الحميد أمر هاتين الجريدتين فسر من خطة إبراهيم هذه وأرسل إليه يستقدمه بواسطة سفيره في لندرة

ولما كان إبراهيم بك لا يتوقع هذا العفو السريع سنة 1303هـ - 1885م ظن أنها مكيدة من السلطان ليتمكن بها من الانتقام منه، فامتنع من الذهاب إليه، وكلف ابنه السيد محمد بك المويلحي - الذي كان بصحبته في إنجلترا - السفر إلى استنبول ليستطلع جلية الأمر

فتوجه محمد بك إلى الآستانة عن رغبة والده، وأرسل إليه خطاباً يطمئنه فيه من جهة السلطان

فدخل إبراهيم بك الآستانة وكتب إلى جلالة السلطان الخطاب الآتي يشكره فيه على عفوه عنه ويعتذر عن تأخره في المثول بين يدي جلالته: (المعروض على سدة أمير المؤمنين، وخليفة رسول رب العالمين، أن العبد لا يصف عفو أمير المؤمنين إلا كما قيل لأخ جلالتكم في الخلافة المعتصم العباسي: (لو علم الناس ما تجدون من اللذة في العفو لتقربوا إليكم بالذنوب). والحمد لله على تلك النعمة التي أسداها أمير المؤمنين لعبده الصادق. وإنما كان تأخيري عن التشرف بسدة الخلافة لأمور هامة في فائدة الدولة والملة قد تم بعضها. وإني ألتمس أن أعرضها على ذات مولانا المقدسة حفظها الله للإسلام)

وبعد أيام طلب السلطان مثوله بين يديه، فأكرم مقابلته وعينه عضواً في مجلس (انجمن المعارف) سنة 1303هـ - 1885م. وكان ناظرها وقتئذ العالم الجليل المغفور له صاحب الدولة منيف باشا، فقدر إبراهيم حق قدره، وقربه إليه وعرفه بالشيخ الشنقيطي اللغوي الشهير وتصادق المترجم له مع إبراهيم بك ادهم صاحب جريدة (الحقائق) التي كانت تصدر في استانبول، فكان ينشر فيها وصف جلال الموكب السلطاني في كل مرة يذهب فيها لتأدية فريضة الجمعة

ومكث إبراهيم بك في وظيفته هذه عشر سنوات تقريباً من سنة 1885هـ - 1895م. حدث في أثنائها أن كتب بعض الجواسيس إلى السلطان عبد الحميد تقريراً جاء فيه أن إبراهيم بك لا يزال يراسل الجرائد في مصر خفية بما لا يتفق وسياسة السلطان! فما كان من جلالته إلا أن أرسل إلى صاحب العطوفة (كامل بك) ناظر الضبطية لاستجواب صاحب الترجمة والتحقيق معه فيما وصل إلى السلطان

ولقد كان هذا الجاسوس صادقاً في تقريره. وهكذا كانت خطة إبراهيم بك في جميع مراحل حياته السياسية لا يعرف التملق ولا التزلف، ولم تُحِده تلك الرتب والإنعامات الشاهانية عن طريقته المثلى في حبه لمصلحة البلاد والدفاع عنها وانتصاره لها

وقد رأى شطط السياسة من جراء ما يزينه الملتفون حول عرش جلالته، فأخذ ينشر مقالاته الانتقادية في المقطم، وكان يذيلها بإمضائه المستعار: (أحد العثمانيين الأفاضل)

وكان إبراهيم بك في اليوم الذي قبض عليه فيه يحمل مسودة مقالة كان يريد نشرها، فأسقط في يده واخذ يجهد فكره في التخلص منها بأية وسيلة! واتفق أن كان الناظر في هذه الساعة مشغولا بتحقيقات أخرى - وما اكثر التحقيقات في الآستانة - فأمر بإبقائه في غرفة تجاور غرفة التحقيق ريثما ينتهي من استجواب الذين بين يديه

ففكر إبراهيم بك، وهو المنعزل في الغرفة، أن يتخلص من المقالة التي في جيبه خشية تفتيشه، فهم بحرقها، فحدثته نفسه أن رائحة الدخان قد تبعث الشك في إدانته، كما خشي تمزيقها خوف وصول بعض وريقاتها إلى بعض الجواسيس المنتشرين بدار الضبطية. وبينا هو في شغل شاغل إذ سمع صياح ديك فنظر حوله فرأى نافذة صغيرة بحواجز حديدية، ففتح زجاجها وأطل من بين قضبان النافذة فرأى ذلك الديك وحوله أفراخ كثيرة ينقرن في الأرض بحثاً عن القوت؛ فما كان منه إلا أن أخذ يقطع الورقة قطعاً صغيرة ويضعها في فمه حتى تمتزج بلعابه فيمضغها حتى تصير على شكل الحب ثم يرمي بها إلى الأفراخ فتتسابق إلى ابتلاعها حتى أتت على آخرها، واغلق النافذة وحمد الله وبعد ساعة تقريباً اقتيد إبراهيم بك إلى غرفة التحقيقات وابتدئ بتفتيشه فلم يعثروا على شئ، وبعد مناقشات طويلة أسفر التحقيق عن براءته مما جاء في تقرير الجاسوس، وطير الخبر إلى جلالة السلطان فأمر باستدعائه إلى (المابين)، وأنعم عليه بالرتبة الأولى من الصنف الثاني سنة 1311هـ - 1893م. وصاحبها يلقب (بسعادتلو أفندم) وهي توازي رتبة الميرميران الملكية التي يلقب صاحبها بلقب (باشا)

وفي نفس هذه السنة قدم الخديو (عباس الثاني) ومعه بعض الوجهاء من المصريين لزيارة الآستانة والتشرف بمقابلة جلالة السلطان (لعرض الشكر والعبودية على أعتاب الخلافة السنية) فرأى إبراهيم بك من واجبه كمصري مقيم في استنبول أن يتشرف بمقابلة سمو الخديو عباس، فذهب إلى القصر الكائن (بدفتر دار بروني) الذي يقيم فيه سموه، ولكن (محمود باشا شكري) أشار على سمو الخديو عباس باشا الثاني لشيء في نفسه من جهة إبراهيم أن يمتنع عن مقابلته تجنباً لخطره وسطوة قلمه. فسوف الخديو تحت هذا التأثير مقابلة إبراهيم الذي خرج حامقاً والشرر يتطاير من عينيه!

ولما كان يعلم أن جلالة السلطان سيدعو سمو الخديو والوفد الذي جاء معه إلى سراي (بلدز) مرت بخاطره فكرة جهنمية يستطيع بها تحريك غضب عبد الحميد عليهم أجمعين! فحرر عريضة من تلقاء نفسه اختلقها اختلاقاً، كأن هؤلاء الوجهاء يرومون رفعها إلى الأعتاب الشاهانية وبعث بها إلى المقطم فنشرها، والتقطتها التلغرافات الأجنبية وترجمتها الصحف الإنجليزية وعلقت عليها ما شاءت أن تعلق، وذهب سفير إنجلترا في تركيا بأمر من رئيس الوزارة الإنجليزية إلى الصدر الأعظم ليستفسر عما أجاب به السلطان على هذه العريضة التي قد تسبب توتر العلاقات بين بريطانيا العظمى والدولة العلية

فحدث من جراء هذه العريضة أن امتنع السلطان عن الإنعامات التي كان يرغب في الإنعام بها على من كان بمعية سمو الخديو كما هي العادة في مثل هذه الظروف، إرضاء لخاطر إنجلترا حتى لا تعتقد أن لهذه العريضة أثراً في نفسه

وإليك صورة هذه العريضة بعد ديباجة الحمد والثناء:

(إن الله عز وجل نظر إلى العالم نظرة رحمة فاختارك يا أمير المؤمنين من بين البرية خليفة على عباده، وجمع فيك شرائط الخلافة وبسط لك من القوة والسطوة، وآتاك من الحزم والعزم وأصالة الرأي ما يفتخر به هذا العصر على سائر الأعصار، وقرن طاعتك بطاعته وطاعة نبيه في كتابه العزيز، وجعل حبك إيماناً والخروج عن أمرك مروقاً من الدين، وحبب إليك الإقدام لمصلحة الإسلام. دأب الخلفاء السابقين، وأودع في يديك أرواح المسلمين وأموالهم تحكم فيها عن رضى وتسليم منهم. وقد عاهدوك على بذل دمائهم في طاعتك بأيمان البيعة التي ربط الله بها لك القلوب على المحبة في خلواتها ونجواها

فالمسلمون كلهم قاصيهم ودانيهم مجمعون على الانقياد لك في السر والعلانية لا يميل بهم عن هذه السنن قول ولا فعل لتوقف سعادتهم على طاعتك في الدنيا والآخرة

هذا ما جعل الله لك يا أمير المؤمنين، وقد جعل لهم بهذا من جانب جلالتك أن تكلأ بيقظاتك بلاد الإسلام بعيدها وقريبها من طوارئ السوء وغوائل الشر على نسق واحد لا فرق بين مطلقها وممتازها، وأن تدفع عنها كل سائل ومحتال، وأن تذود عنها بالحجة والسيف والقلم وما يمكن أن يدافع به مادياً ومعنوياً

هذه مصر - أيد الله بك مقام الخلافة، وثبت بك أركان السلطنة، ونصرك النصر الوشيك - فريدة التاج العثماني، والقسم الأكبر من السلطنة السنية والطريق الأعظم إلى الحرمين الشريفين. قد أصبحت تمديد الفزع الصارخ إلى عظمتك، وتنظر كالمغشي عليه من الموت إلى حياتها في يدك الكريمة؛ فامنن عليها بالحياة يا أمير المؤمنين، وخلصها ممن تجاسر على حوزة الإسلام بلا حجة ولا قوة، وفي يد جلالتك الحجة والقوة، وهذه أرواحنا رهينة ثلاثة أحرف من عظمتك، فأمرنا بما تريد لنخلص الإسلام المتخبط في تلك الإشراك. وقد بقينا يا أمير المؤمنين سنين عدة معلقين لا ندري أنحن تحت حكم الخلافة والسلطنة السنية فتطمئن قلوبنا، أم تحت حكم هذا الذي دخل في يوم على وعد أن يخرج في غده فبقي إلى الآن تخفق راياته على مساجد المسلمين في بلد هي عش الأولياء ومرقد آل البيت النبوي ومجد جدك السلطان سليم خان؛ فطفق هذا الداخل يستهوينا باسم الحرية التي لا توافق قيودنا الدينية ولا عاداتنا الأدبية فمال إليه جماعة منا، ويوشك أن استمر في سيرة أن يفسد الحاسيات والأخلاق بهذا التساوي المخالف للتفضيل الإلهي

فالآن قد وفدنا على دار الخلافة مع سمو وكيلك المطبوع على محبة جلالتك، المفتخر بنظرات الرضى عليه من ألطاف عظمتك، الواقف موقف السمع والطاعة لأوامرك، راجين من السدة السنية إجراء الوسائط الفعالة لإخراج هذا الداخل على وطننا وإبعاده عن الأراضي المقدسة التي يدأبون على التدخل فيها، فأنهم إذا استمرا - لا قدر الله - في البقاء بمصر سهل عليهم الدخول فيها وفي غيرها لطبيعة الموقع

ونسأل الله أن يؤيد جلالة مولانا الخليفة الأعظم وينصره على الباغين)

وفي أوائل سنة 1895م سئم العيشة في جو استنبول المكتظ بالجواسيس المختنق بالفتن والوشايات وشعر بالحنين إلى وطنه بعد طول الغربة. فعزم على الرحيل إلى مصر ودبر طريقة سفره في الخفاء على باخرة بخارية قادته إلى الإسكندرية

ولما علم جلالة السلطان عبد الحميد بخبر اختفائه وسفره إلى مصر بدون أن يقدم استقالته، بعث يستعلم بواسطة (مختار باشا) المندوب فوق العادة للباب العالي عن السبب الذي جعل إبراهيم بك يترك وظيفته في (أنجمن المعارف)

فأبدى إبراهيم أسفه لمختار باشا وافهمه أن قدومه إلى مصر إنما هو من باب الحنين إلى الوطن والشوق إلى رؤية ابنيه (محمد) و (خليل)، وأنه لا يدري كيف يشكر السلطات على نعمه

ولما كان إبراهيم بك مشغوفا بالتحرير أخذ ينشر في المقطم من وقت إلى آخر مقالته الانتقادية فيما رآه في الآستانة العلية مدة إقامته فيه تحت عنوان (ما هنالك) ثم جمعها وطبعها كتابا سنة 1896 ميلادية. فبعث السلطان عبد الحميد بأمره بإرسال جميع النسخ التي في حيازته إلى (المابين)! فخضع إبراهيم لأمر جلالته وأرسلها جميعاً إليه ما عدا بضع نسخ كان قد وزعها على عائلته وأصدقائه. لذلك يندر وجوده

وفي سنة 1898م أنشأ جريدة أسبوعية سماها (مصباح الشرق) وقفها على خدمة الأدب ونصرة الدين والدفاع عن حقوق الدولة العلية. وكان يعاونه في تحريرها أبنه السيد محمد بك المويلحي. وكان طلاب الأزهر يقفون على باب المطبعة الساعات الطويلة ينتظرون صدور أعدادها بفارغ الصبر، وكانت تباع بقرش صاغ واحد، وكان يعز مطلبها في اليوم الثاني من صدورها حتى كانت تشترى بخمسة قروش

وكان إبراهيم بك يسافر من وقت إلى آخر للآستانة لمرض ولائه على الأعتاب الشاهانية، وليتسنى له الإطلاع بنفسه على ما في الجو السياسي من أخبار، فكان في كل مرة يعود مثقلا بالإنعامات والعطايا حتى نال (الرتبة الأولى من الصنف الأول) وصاحبها يلقب (بسعادتلو أفندم حضر تلري) وهي توازي رتبة (روم ايللي بكاربكي) الملكية. لكنها تتقدم عليها في التشريفات

وقد نال حظوة عليا لدى حضرة صاحب السمو الخديو عباس الثاني حتى إنه كثيراً ما كان يكلفه بأعمال سياسية هامة، فكان يقوم بها خير قيام فنال بذلك ثقته. ولم يقف دون رغبة سموه إلا مرة واحدة غضب عليه فيها بضعة أشهر ثم رضى عنه فكتب إليه الخطاب الآتي:

(قد وضعني ولي النعمة في بودقة الامتحان وأوقد عليّ بنار غضبه زماناً طويلا كما اقتضته حكمته، حتى إذا صفاني وخاف على أن احترق نقلني كما اقتضته رحمته وسعته. فأشكر ولي النعم شكرين: شكراً على تصفيتي وتهذيبي، وشكراً على رضاه عني

وقد بعث الله لنبيه الملكين جبريل وميكائيل فشقا صدره ﷺ، وأخرجا ما يكون بناموس الطبيعة في قلوب البشر، ثم ختماه على الحكمة. وكذلك فعل ولي النعم: بعث إلى عبده فأصبح قلبي مختوماً عليه بطابع الإخلاص والقيام بفروض الخدمة لدرجة التفاني فيها. فلو ذوبوني لم يجدوا في تركيب صدري إلا ثلاثة أشياء: الوفاء والدعاء والولاء، لولي النعماء

كل هذا انتهى وتم على موجب الحكمة العالية حكمة ولي النعم الذي اعتنى بتربية عبيده على هذا الأسلوب الحكيم.

فخدمة الأعتاب السنية هي قبلتي التي اوجه وجهي إليها، وأصرف عزمي إليها. وهذا اعتقادي وهذا قولي وهذا خطي على ذلك والله شاهد ووكيل

وفي سنة 1903 كف عن إصدار الجريدة فجأة! وهكذا كان إبراهيم بك يعطل كل جريدة ينشئها إذا نال منها غرضه

وكان يرسل في بعض الأحيان بمقالاته السياسية إلى بعض الجرائد كالمؤيد والمقطم عندما كان يرى أن حقاً للأمة هضم

ثم أنشأ جريدة (المشكاة) باسم ابنة (السيد خليل بك المويلحي) و (حمدي بك يكن) ولم يصدر منها إلا أربعة أعداد فقط سنة 1905. وفي أواخر سنة 1905 اعتلت صحته فاعتزل السياسة ليعالج مرضه حتى وافته المنية في 29 يناير سنة 1906

ولقد كان المرحوم سريع الخاطر، طيب اللسان، شديد الميل إلى النقد والمداعبة لا يفرق في ذلك بين قريب أو صديق حتى قيل فيه: (لم ينج من قوارص قلمه إلا الذي لم يعرفه)

وكان سريع الفهم، قوى الإحاطة بخفايا الأمور، وغوامض السياسة، ولقد تقلب في أعمال كثيرة بين تجارية وحكومية وصحافية وسياسية، لكنه لم يبلغ الهدف الذي كان يرمي إليه في كل واحد منها مع شدة ذكائه وحدة ذهنه. ولعل السبب في عدم ثباته هذا يرجع إلى طموحه إلى النجاح السريع ورغبته في بلوغ الدرجات العلى طفرة واحدة، فأنه لو ثبت في عمل واحد لبلغ أوجه

ويجمل بنا أن نقول قبل أن نختم ترجمته إنه كان مشغوفاً بتعلم اللغات الأجنبية حتى حذق التركية ومهر في الفرنسية وتعلم الإنجليزية في آخر سني حياته عليه رحمة الله

إبراهيم المويلحي