مجلة الرسالة/العدد 257/بين الشرق والغرب

مجلة الرسالة/العدد 257/بين الشرق والغرب

ملاحظات: بتاريخ: 06 - 06 - 1938



للأستاذ فليكس فارس

(إذا لم تكن لنا قدرة على خلق حضارة شرقية فلنفعل على

الأقل ما فعلت تركيا وننخرط بكل بساطة في سلك الأمم

الأوربية)

(توفيق الحكيم)

هذه كلمة جمعت خلاصة المقال الذي نشره في الأهرام تحت عنوان (هل يوجد اليوم شرق؟) كاتب مفكر له ثقافته الواسعة وعلمه العميق. وقد أعجبت بالمقال وما يعرض من الاعتبارات على المفكرين وشكرت لكاتبه صراحته ودعوته إلى الصراحة في موقف يتحتم فيه على الشرق العربي أن يختط له سبيلاً سوياً في ثقافته وحضارته

إن الأستاذ توفيق الحكيم لا يجهل أننا إذا عجزنا عن خلق الحضارة الشرقية وعن أحيائها بتعبير أصح فإن انخراطنا في سلك الأمم الأوربية لا يوصلنا إلى الهدف الذي تتجه إليه الأمة التركية ولما تصل إليه. فإن بين الفطرة التركية والفطرة العربية من الفروق ما لا يصح معه أن يتخذ العرب الترك قدوة. لذلك، لا احسبني مخطئاً إذا ذهبت إلى أن الأستاذ الحكيم لم يخير العرب بين حضارتين، إلا ليثبت لهم أن في أعماق قلوبهم شرقاً لا حياة لهم إلا بالاتجاه إليه واستجلائه وراء ظلمات الأحقاب

كنت أخذت القلم لأجول جولة بين نظريات الروسي والمصري اللذين دفعهما الأستاذ الحكيم إلى حوار خطير بين الشرق والغرب، ولكنني تذكرت أنني كنت ناظرت صديقي الدكتور إسماعيل أدهم منذ أشهر في حفلة حافلة في جمعية الشبان المسيحيين في الإسكندرية وكانت الوجهة الإيجابية من الموضوع (من الخير لمصر أن تأخذ بالحضارة الغربية) فرأيت أن آخذ من ردي على المناظر ما له صلة وثيقة بالمسألة التي أثارها مؤخراً الأستاذ الحكيم

بدأت في الرد بالتفريق بين الثقافة والعلم، فقلت إن العلم مشاع لكل الأمم ولكل الأفراد فهم يتفقون فيه على ما بينهم من اختلاف بعيد في نظريات الحياة في حين أن الثقافة مستقرة في الشعور فهي (دماغ في قلب) ولا قانون لها لأنها راسخة في الفطرة، والفطرة في الفرد كما هي في الأمم ميزة خاصة في الذوق واستعداد خاص لفهم الحياة والتمتع بها. فإذا كان العقل رائداً لبلوغ الحاجة، فليست الفطرة إلا القوة الممتعة للإنسان بتلك الحاجة بعد الظفر بها؛ وكما أن لكل فرد ثقافته التي تتجلى فطرته فيها، هكذا لكل أمة ثقافتها المستقرة في فطرتها. فلا ريب إذاً في أن سعادة الفرد والمجموع وشقاء كل منهما يتوقفان على ملاءمة الحياة أو عدم ملاءمتها لما فطرا عليه. وسواء أكان المرء مخيراً أم مسيراً في إرادته وأعماله فإنه على الحالين غير مخير في ذوقه في الحياة وفي لذته وألمه منها. فكل فرد خالفت طريقة حياته ما استقر من الحوافز في فطرته يفقد الشعور التام بتلك الحياة ويتعرض للسقوط في المعترك. وهكذا الأمم إذا خدعت نفسها وسارت في حياتها على ما يؤلم فطرتها فأنها تفقد قوت الارتقاء بذاتها فتميت شخصيتها دون أن تتدفق إلى الانبعاث في شخصية تستعيرها من سواها

وبعد أن وضعت هذا الحد بين الثقافة والعلم توجهت إلى تحليل عناصر الحضارة في الشعوب فقلت إن الخلاف الذي ينشأ بين باحثي مسألة الشرق والغرب إنما ينشأ من عدم التفريق بين المدنية الآلية الأدبية. فعندما يقوم أنصار الاتجاه إلى مدنية الغرب بدعوة عامة إلى (التفرنج) يثور عليهم أنصار الحضارة العربية مسفهين رأيهم داعين إلى مقاومة هذه الحضارة على وجه التعميم أيضاً. وهكذا يقع الفريقان في خطأ، لأن كل منهما يؤاخذ الآخر بتطرف يرتكبه هو. ولو أنهما ميزا بين الحضارة الآلية المبنية على العلم وبين الحضارة الأدبية المبنية على الفطرة التي كونتها السلالة والإقليم وتسلسل حوادث التاريخ لتوصلا إلى حل الخلاف!

بعد أن مهدت للرد على مناظري بهذه المقدمة وفصلت فيها فصلاً تاماً بين الحضارة الآلية والحضارة الذهنية، تناولت نظرياته متتالية واتجهت إلى تفنيدها. وهذه خلاصة من الرد أعرضها لبحث من يقدرون خطورة هذه المسألة بعد هذه المقدمة التي حددت فيها الثقافة ووضعت بينهما وبين العلم الوضعي ما أراه من فروق لا أخال مناظري معترضاً عليها أتناول بحثه في موضوع المناظرة سائراً على السبيل الذي أدى به إلى الاعتقاد بأفضلية الثقافة الغربية على الثقافة الشرقية العربية

وأول عبارة أراه يذهب منها إلى الاختلاف معي هي قوله: (إن للشرق روحه الذي يستوحيه أبناؤه نزولاً على فطرتهم، وللغرب منطقه الذي يستنير به أفراده نزولاً على وحي مشاعرهم)

فمناظري إذاً يبدأ بحصر المنطق في الغرب منكراً على مصر وسائر الأقطار العربية أساس العلم، والعلم كما سبق أن أوضحت في تحديده تجاه الثقافة، إنما هو مشاع بين كل؛ الأمم وما اخترع الغرب المنطق ولا هو أوجد التفكير العلمي لنعترف له بثقافة قوامها التفكير ينفرد بها بين ما على الأرض من شعوب

ثم يجيء مناظري بعد ذلك إلى تحديد الثقافة المصرية فيقول: إن الحياة العلمية التي يحياها المصري الآن تجري على غرار ما كان يحياه أسلافه الفراعنة

وأنا لا أرى في حياة المصريين اليوم أثراً من الحضارة الفرعونية، لا في الحياة العلمية ولا في الحياة الأدبية، كما لا أرى شيئاً من حضارة الفينيقيين في حضارة أهل سوريا ولبنان، وما تبقى من هذه الحضارات المستغرقة في القدم إلا أهرام ومعابد وأعمدة وقصور وقبور

ولكنني لا أجد بداً من الاعتراف ببقاء رواسم للفطرة القديمة في سرائر أبناء هذا العصر على ضفتي البحر الأبيض يتجلى فيها كثير من الصفات النفسية والجسمية التي اتصف بها أجدادهم الأقدمون

غير أن الثقافة التي يدور البحث عليها في هذه المناظرة إنما هي العوامل التي تتوحد في أي مجتمع، وتتماثل في سريرة كل فرد من ذلك المجتمع؛ وهذه العوامل هي التي تقوم عليها الحضارات المختلفة بين الشعوب. ولا أرى داعياً للسير إلى أبعد من هذا التحديد بعد أن رأيت مناظري الكريم يأخذ بمثله ويقف في بحثه عند الثقافة الشرقية العربية دون تناول ثقافة الشرق الأقصى، فهو إنما يقصد الثقافة السامية العربية عندما يقول بوجوب تلقيح (الذهنية) المصرية بثقافة غربية تبعث فيها النشاط وتدفع بالأمة إلى الحياة

أما السبب الذي يراه المناظر موجباً لهذا الانحراف إلى ثقافة الغرب فقائم على اعتقاده بأن الثقافة العربية ذاتية تدفع بالإنسان إلى الذهاب مع الخيال، فردية تذهب بالفرد إلى الانعزال عن المجتمع، في أنه حين يرى ثقافة الغرب أو (ذهنيته) تستجلي حقائق الحياة بالتفكير الفلسفي والبحث العلمي وهنا نقطة الخلاف في بحثنا

إن مناظري يقول بكل جلاء إن المدنية الغربية مستمدة من الثقافة الآرية العلمية، في حين أن الشرق العربي يتوه ذاهباً وراء خياله

إذا صحت هذه المقدمة فللمناظر ملء الحق بدعوة مصر إلى الانسلاخ عن شرقيتها وعروبتها للأخذ بالعبقرية الآرية التي يراها مبعث العلم الصحيح ومنشأ التفكير النير المصيب، ولكن الأمر ليس كذلك، وإليكم البرهان أسنده أولاً إلى حقيقة نطق بها مناظري وأغفل الاسترشاد بها؛ فهو يقول إن عصرنا عصر العلم، ولقد بدأ ذلك العصر بثورة نفر من رجال القرن السادس عشر على العقلية القديمة التي تبحث عن علل الأشياء الأولى فسيروا سنن الطبيعة وأقاموا عليها المدنية الغربية مستمدة من الذهنية الآرية

إذاً إن أصحابنا الآريين كانوا يغطون في نومهم، ولم تزل تراود أحلامهم الآلهة التي خلقتها عقلية التعاون فيهم فبلغ عدد هؤلاء الآلهة الثمانية آلاف في الأساطير التي يراها المناظر غنية بالرموز والفن، وما هي في نظر الشرقي العربي إلا دلالة فقر مدقع في التفكير وجموح في خيال لم يدرك شيئاً من الوحدة التي تقوم حقائق الأشياء عليها

وفي هذه الأثناء كانت الحضارة العربية تحتضن العلوم القديمة وهي ممثلة بأرسطو في الاستقراء، وبأفلاطون في القياسات العقلية. وما كانت هذه العلوم في ذلك العصر إلا في طور التدرج الأولى فاستولى عليها التفكير العربي لا ليدفعها إلى الارتقاء فحسب بل ليستنبط ويعدل ويوجد. ومما يجدر ذكره هو أن العرب حين اقتبسوا من تراث اليونان ما يعززون به تفكيرهم العلمي لم تستهوهم الثقافة اليونانية ولا حضارتهم الأدبية إذ أحسوا بما بين الحضارة التي كانت تتمخض في شعورهم وتقديرهم للحياة وبين حضارة اليونان الاجتماعية من مهاو سحيقة فأعرضوا عن شعرهم وموسيقاهم ونظم اجتماعهم؛ لذلك لا تجد في شعر العرب شيئاً من إبهام بيندار وأوريبيد وهوميروس، وهذا الأخير بقي مجهولاً حتى ترجمه البستاني في أوائل هذا القرن

فقد برز العرب من تقدمهم في علوم الآلات وتوازن السوائل ونظريات الضوء والإبصار والهندسة وعلم الهيئة فوضعوا علم الكيمياء واكتشفوا أجهزة للتقطير وأوجدوا الإسطرلاب ووضعوا جداول الأوزان النوعية والأزياج الفلكية؛ وهم واضعوا علم الجبر والأرقام. وما كاد ينقضي القرن الثامن الميلادي حتى كان هرون الرشيد يسير شوطاً بعيداً في مضمار الرقي ليسلم إلى المأمون سنة 813 المدينة التي أصبحت عاصمة العلم الكبرى في ذلك الزمان.

ويذكر التاريخ أن هرون الرشيد كان أرسل إلى شارلمان ساعة تدل على الزمان بحركة من الشريط المربوط فأفزعت حركتها هذا الملك حتى أمر بكسرها.

أنعيد إلى الذكر ما أحيا من العلوم الفلسفية والعملية العباسيون في آسيا والفاطميون في مصر والأمويون في أسبانيا؟

أبعد هذا يصح لقائل أن يقول أن رسالة الشرق روح وشعور فقط وأن رسالة الغرب عقل ومنطق؟

إن مناظري قد ضيق عدسة منظاره وحدق على مجال من الزمان لا يزيد على قرن ونصف قرن متطلعاً إلى الرقي العلمي في طوره الأخير، فخيل له أن الغرب قد أوجدوا وأبدع وأكمل بعقليته الآرية، ثم التفت إلى الشرق العربي وهو خارج محطماً من عبودية نيف وأربعة قرون، فحسب أن السامية العربية هي ما لمحه من عدسة منظاره.

ولقد شاء المناظر الكريم أن يقدم برهاناً على أن الحياة تقوم في العالم كله على أساس غربي ومنطق غربي فقال: أن هناك تجربة نجحت إذ كانت الدولة العثمانية تمتد حتى الدانوب وتعيش على غرار شرقي فكانت منبعثاً للفساد في العالم، فلما استقطعت عنها المجر ورومانيا والبلغار واليوغسلاف فأخذوا بمدنية الغرب تقدموا. . .

ونحن نجيب على هذا موافقين المناظر على قوله فأن الدولة العثمانية التي (عاشت على غرار شرقي) إنما كانت آرية في روحها وما تسنى لها طوال حكمها الذي سحب أذياله قروناً أن تدغم فيها العنصر العربي السامي أو تندغم فيه فارتفعت عليه ولم تتمكن من الارتفاع به بالرغم من اعتناقها دينه المبين. . .

وليت الدولة العثمانية بعد أن بنت سلطانها على السطوة عرفت أن تحتفظ به بالعمل على ترقية الشعوب المستظلة بعلمها. ليتها لم تكتف بالمظاهر معرضة عن الصفات العليا التي أنار الخلفاء الأقدمون بها وجه الأرض وأقاموا عليها أروع حضارة عرفها التاريخ؛ إذن لما كانت الشعوب التي ذكرها المناظر لتتنفس الصعداء بزوال كابوس الدولة العثمانية عنها، وما كان اليونان والبلغار وسواهم مرهقين متقهقرين لاتخاذهم الثقافة العربية فأنهم ما عرفوها وما عملوا بها بل كان موقفهم شبيهاً بموقف بلاد العرب تجاه دولة بينها وبين العدد الأوفر من رعاياها مهاو وأغوار. تلك حقائق لم تخف على الداهية أتاتورك فأنه عرف ما هي فطرة الشعب التركي وما هي الحالة الاجتماعية التي تتفق وما كمن في حوافزه. ويعلم المفكرون ما رمى إليه هذا المصلح لدولته من إضعاف كل عنصر لا يجاري روحها حتى أنه ناصب العداء الحروف والألفاظ العربية التي كانت اللغة التركية في عراك مستمر معها

أما ما يقوله المناظر عن أن اليابان نهضت بالمدنية الغربية بعد أن أعرضت عن منطق الحياة الشرقية، ففيه حقيقة كبرى تقوم برهاناً على خطأ نظريته. فأن اليابان لم تزل متمسكة بثقافتها كل التمسك وفي ذلك سر ارتقائها، فهي لم تأخذ من الغرب إلا الآلة والآلة فقط، وما الآلة إلا نتاج العلم العملي الوضعي الذي رافق الإنسانية منذ اكتشفت أول مكتشف شرارة النار في كهفه واتخذ في الصوان في العصر الحجري أوائل الآلات للحرث والقطع، وقد مر العلم على أدمغة جميع الشعوب على ممر الأجيال فليس للهندسة والكيمياء وعلوم الأحياء وسواها أي طابع قومي. ولو كان يصح أن تسند هذه العلوم إلى قوم دون سواهم لكان لنا أن نطالب بأن يطبع على كل آلة وجهاز اسم علم من أعلام العرب، إذ لولاهم لما كانت الحلقة الكبرى التي وصلت بين سلسلتي الماضي والحاضر، ولكانت أوربا لم تزل أوروبا القبائل الغارقة في بحر الظلمات

البقية في العدد القادم

فليكس فارس