مجلة الرسالة/العدد 268/تيسير قواعد الأعراب

مجلة الرسالة/العدد 268/تيسير قواعد الأعراب

ملاحظات: بتاريخ: 22 - 08 - 1938



لأستاذ فاضل

- 4 -

وذلك التكلف في نيابة المجرور عن الفاعل في نحو - مُرَّ بزيد - هو ما ذهب إليه جمهور النحاة. وهناك تكلفات أخرى فيه، منها أن النائب ضمير مبهم مستتر في الفعل، وبه أخذ ابن هشام وغيره

ومنها أن النائب ضمير عائد على المصدر المفهوم من الفعل، وبه أخذ ابن درستويه والسهيلي والرُّنديُّ

ومنها أن النائب حرف الجر وحده في محل رفع، وبه أخذ الفراء. وقد قال أيضاً بأن الحرف في محل نصب بعد الفعل المبني للفاعل في نحو - مررت بزيد - وهو عندهم مذهب في غاية الغرابة، لأن الحرف لا حظ له في الأعراب أصلاً، ولكنه عندنا مذهب يؤيد ما ذكرناه من أن مسألة الأعراب والبناء مسألة تقديرية، ويجعل ما ذهبنا إليه من الأعراب الظاهر في الحرف مذهباً قريباً سائغاً، لأنه أقرب من ذلك الأعراب المحلى الذي يتكلفه الفراء فيه

فالمذاهب في ذلك أربعة كلها متكلفة. ومذهبنا أن الجار والمجرور متعلق بالفعل، وتعلقه به في ذلك كتعلقه به في نحو - مررت بزيد - وإذا بطلت النيابة عن الفاعل في ذلك بطلت في غيره، ولا شيء في أن يكون لنا مفعول به منصوب ومفعول به مرفوع، ولا في أن يكون لنا مبتدأ مرفوع ومبتدأ منصوب، ولا في أن يكون لنا خبر مبتدأ مرفوع وخبر مبتدأ منصوب، فإن هذا كله لا يبلغ الأمر فيه أكثر من أن يكون مثل الفعل المضارع في رفعه ونصبه وجزمه، فهو فعل مضارع في جميع حالاته، مع أنه قد تأثر في لفظه ومعناه بدخول عوامله عليه كما تأثر المبتدأ والخبر عواملهما، فليكونا مثل المضارع في ذلك، وكذلك غيرهما مما ذكرنا

متعلق الظرف وحروف الجر

قسم النحاة هذا المتعلق إلى قسمين: متعلق عام كمتعلق - زيد عندك أو في الدار - ويقدرونه - كائن أو استقر - وهو عندهم واجب الحذف، ويعربونه هنا خبرا

الثاني متعلق خاص كما في نحو أنا واثق بك، وهو الخبر أيضا وترى جماعة أن المتعلق العام لا يقدر، وأن المحمول في مثل - زيد عندك أو في الدار - هو الظرف والجار والمجرور لا المتعلق. ونحن نرى أن الخطب في هذا سهل، وقد ذهب إلى مثل ذلك الرأي بعض النحاة، فهو رأي قديم معروف، وليس برأي جديد لهذه الجماعة

الضمير

ترى الجماعة إلغاء الضمير المستتر جواز أو وجوبا. فمثل - زيد قام - الفعل هو المحمول ولا ضمير فيه، فليس بجملة كما يعده النحاة، وهو مثل - قام زيد - ومثل - الرجال قاموا - الفعل محمول اتصلت به علامة العدد ولا يعتبر جملة، ومثل - أقوم ونقوم - الفعل محمول والهمزة أو النون إشارة إلى الموضوع أغنت عنه

والجماعة هنا تناقض نفسها، فبينما ترى الاستغناء عن الضمير المستتر جوازاً أو وجوبا ترجع إلى تقديره في مثل - أقوم ونقوم - وتجعل الهمزة والنون دليلا عليه، ولا بد لها أيضا من تقديره في مثل - قم - بدون أن يكون هناك ما يدل عليه من همزة أو نون، وإذا رجعنا إلى التقدير في الضمير المستتر وجوبا فلنرجع إلى التقدير في المستتر جوازا من باب أولى، لأن جواز ظهوره فيه دليل على وجوده عند عدم ظهوره، بخلاف الضمير المستتر وجوبا، فأنه لا يجوز ظهوره كما يجوز ظهور الضمير المستتر جوازا

وقد غفلت الجماعة عما يجب من ربط الخبر بالمبتدأ، فلم تقدر الضمير في مثل - زيد قام - مع أن الضمير هاهنا واجب التقدير لأجل ما يجب من هذا الربط في هذا المثال ونحوه

التكملة

وترى الجماعة أن كل ما يذكر في الجملة غير الموضوع والمحمول فهو تكملة، وحكم التكملة أنها مفتوحة أبداً إلا إذا كانت مضافاً إليها أو مسبوقة بحرف جر، ثم ذكرت أن التكملة تجيء لبيان الزمان أو المكان، ولبيان العلة، ولتأكيد الفعل أو بيان نوعه ولبيان المفعول، ولبيان الحالة أو النوع؛ وقد ظننت أنها بذلك جمعت كثيراً من الأبواب كالمفاعيل والحال والتمييز تحت أسم واحد وهو التكملة دون أن تضيع في ذلك غرضاً ونحن نرى أنها لم تفعل في ذلك شيئاً، فقد كانت هذه الأبواب يجمعها قديماً أسم الفضلة، فلم تفعل الجماعة إلا أن جمعتها تحت أسم التكملة، ثم قضى عليها ما بينها من خلاف أن ترجع إلى تفريقها في بيان اختلاف أغراضها، وكذلك يقضي بهذا التفريق اختلاف أحكامها وأحوالها، فكل واحد منها لابد له من باب تجمع فيه أحكامه، وتبين فيه أحواله، وهذا أوفى بضبطها من جمعها كلها في باب واحد تحت أسم التكملة، وليس هناك ما يدعو إلى جمعها في باب واحد. وقد حاولنا أن نجمع فيها مثل ما جمعنا في باب المبتدأ والخبر فوجدناها أبواباً مختلفة المعنى، متميزة الغرض، ولم نجد إلا أن نتركها على حالها

الأساليب

ذكرت الجماعة أن في العربية أنواعاً من العبارات تعب النحاة كثيراً في إعرابها وفي تخريجها على قواعدهم مثل التعجب فله صيغتان هما - ما أجمل زيداً، وأجمِلْ بزيد - فرأت أن تدرس أمثال هذه العبارات على أنها أساليب يبين معناها واستعمالها ويقاس عليها، أما إعرابها فسهل - ما أحسن - صيغة تعجب والاسم بعدها المتعجب منه مفتوح، و - أحسن - صيغة تعجب أيضاً، والاسم بعدها المتعجب منه مكسور مع حرف الجر

ونحن نرى أن هذا أعراب ناقص لا يبين معنى الجملتين، وأنه لا شيء في أن نختار من إعراب النحاة فيهما أقربه إلى الفهم وأدناه إلى تصوير المعنى المراد من اللفظ، فالصيغة الأولى - ما أحسن زيداً - ما فيها أسم بمعنى شيء أبتدئ به لتضمنه معنى التعجب، وأحسن فعل ماض، وزيداً مفعول به، والمعنى شيء عظيم أحسن زيداً. والصيغة الثانية - أحسن بزيد - أحسن فيها فعل أمر، وفاعله ضمير المخاطب، والجار والمجرور متعلق بفعل الأمر، والمعنى أعجب بحسن زيد؛ فهذا إعراب تام عرف فيه موقع كل كلمة من هذا الأسلوب، وليس فيه ما يمكن أن تأخذه هذه الجماعة عليه

وقد انتهت الجماعة بهذا من رأيها في تيسير قواعد الإعراب ثم سكتت عما وجه إليها من النقد، لأنها قد أخذت فيه بأمور لا يمكنها أن تدافع عنها. ولا أدري ما يسكتها عنا وقد ذهبنا في نقدها مذهباً يتفق مع غايتها في إصلاح قواعد الإعراب، ويذهب في ذلك إلى أكثر مما ذهبت إليه، ويقوض من القواعد القديمة ما لم تمن به من يوم أن دونها الأقدمون من النحاة

وسيكون ما ذهبنا إليه من ذلك فخراً جديداً للأزهر الذي تناسته وزارة المعارف في هذا الإصلاح الذي ظنت أنها تقدر بدون الأزهر عليه. وسيكون مذهباً نحوياً جديداً تباهي به مصر في عهد الفاروق نحاة البصرة والكوفة في عهد الرشيد والمأمون، ويقف به الأزهر مجدداً مجتهداً في النحو، وينفض عنه غبار التقليد الذي تراكم عليه حتى ناء به

وأما حظي من هذا المذهب فإني أدخره للمستقبل الذي يمكنني أن أصرح فيه باسمي، وآمن فيه على نفسي مما يمكن أن يصيبني بمخالفة المألوف في النحو من يوم خلقه وتدوينه، وأجد في الأزهر من يعنى بما جئت به من ذلك على خلوه من المآخذ التي أخذت بها جماعة وزارة المعارف، ومع هذا تجد هذه الجماعة من وزارة المعارف عناية بعملها، فتعرضه على رجالات العلم هنا وهناك، ولا يضيق صدرها بمخالفته للمألوف في ذلك العلم، وهذا أمر نحمدها عليه، وندعو الله تعالى أن يقرب ذلك اليوم الذي يأخذ فيه الأزهر بمثله

(أزهري)