مجلة الرسالة/العدد 29/حنجرة

مجلة الرسالة/العدد 29/حنجرة

مجلة الرسالة - العدد 29
حنجرة
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 22 - 01 - 1934


للدكتور محمد عوض محمد

اشهد إن الطبيعة قد تمنح، فتسرف في المنح، وتعطي فتجزل في العطاء وتنسى نفسها أحياناً، فتكيل السعادة لمن رضيت عنه بمكيال هائل، وتبذير منقطع النذير. وكان ذلك شأنها يوم أفرغت على الرجل العجيب (أنطون سو كيلوف) أسجال الهبات: بأن منحته تلك الثمينة الرائعة!

أجل وان المرء لتأخذه الدهشة عن يمينه وشماله، ومن ورائه وأمامه، ومن فوقه ومن تحته، حين يفكر في الوسائل المختلفة العديدة، التي تتوسل بهاالآلهة، لكي ترفع من تحبه على الناس درجات، وتحلق به في ملكوت السماوات: - ترضى عن هذا فتمنحه المال عن وفر وعن سعه، وتحب هذه فتكسوها أثواب الجمال: ثوباً فوق ثوب - كأنها ورق الكرنب - ويحلو للآلهة أن تنعم على ذلك فإذا هو ذو جاه عريض طويل، عميق غليظ.

ولكن اغرب شيٌ تهبه الآلهة هو مهن غير شك - تلك المميزات الجسدية: تلك القطع من اللحم والعظم والغضروف والجلد - يجري فيها الدم أحياناً؛ وأحياناً لا يجري فيها الدم مطلقاً. وطوراً يكسوها الشعر، وكثيراً ما تكون صلعات عارية من الشعر - تلك الأجزاء الجثمانيه؛ التي يحسبها الجهال من مصادفات الولادة، أو من غلطات الولادة وفي الحق هي السر الباتع الذي يحرك الفلك، وتدور له الكرة الأرضية من الغرب إلى الشرق.

وما على الذي يشك في صحة هذه الدعوى، أو يريد أن يتهمنا بالغلو والمبالغة، إلا إن يلقي نظرة يسيرة على التاريخ المكتوب وغير المكتوب، ويكفي أن يلقي النظرة على عجل وهو مغمض العينين، ليرى كم من صلعة لامعة قد ساست الممالك، ودوخت الجيوش، وكم من ذقن غليظ استطاع إخضاع القطار وتسخير كل جبار. وها نحن نسوق للقارئ أمثلة لا تحتمل الشك أو الإنكار.

هذه كيلوباطرة! بأي سلاح وبأية قوة استطاعت أن تخضع يوليوس قيصر، وتلفه حول إصبعها الخنصر؟ إبالقنابل والاساطيل؟ أما بالجيوش والدبابات، ام بالغازات الخانقة وغير الخانقة؟ لا بهذه - لعمرك - ولا بتلك. بل بقطعة انف مستدق مستطيل: خارت أمامها عزمة العأهل الروماني الهائل، الذي فتح الغال وبلاد الأسبان واستولى حتى على بريطانيا العظمى - التي لم تكن عظمى في ذلك الوقت.

ثم شمشون: الجبار شمشون، الذي استطاع أن يقتل ألفاً من الفلسطينيَّين وما بيده سلاح سوى عظمة الفك الأسفل لحمار نفق حديثا، والذي استطاع أن يقبض على العمودين اللذين يمسكان الهيكل الأكبر - وقد احتشد فيه أعداؤه آلافا مؤلفة - أمسك عموداً باليمين، وعموداً بالشمال، ثم مال بالعمودين وهو يقول: (على وعليهم يا رب!) فإذا الهيكل يتداعى والسقف ينقض بمن عليه، والبناء يندك بمن فيه. وإذا الآلاف المؤلفة تقبر، بما فيهم دليلة الخائنة الماكرة!.

ألا رحم الله شمشون! أنى جاءته كل هذه القوة وهذا الجبروت؟ ذلك هو السر الخطير، الذي أدلى به إلى دليلة الخائنة، حين أنبأها إن قواه كلها كاملة في تلك الشعارات التي نبتت في رأسه كما تنبت الأشعة في رأس الشمس.

وهكذا كان عضو بسيط من أعضاء الجسم سبباً في تحويل سطح الأرض، وفي قلب مجرى التاريخ. . .

إذن لماذا نعجب من إن الآلهة حينما أرادت أن تغدق النعم على (انطون) لم تزد على إن وهبته حنجرة؟. لم تهبه مالاً ولا عقلاً، ولا ذكاء ولا فهماً، ولا طرفاً ناعساً ولا وجهاً وسيماً. بل كل ما منحته وحبته به: حنجرة.

نفس عصام سودت عصاما

وعلمته الكر والإقدام

وصيرته ملكاً هماما

هذا جائز في عصام المذكور. أما (انطون سو كيلوف) فلم تكن له نفس تستحق الذكر، ولم يكن شجاعاً ولا هماماً ولا يعرف كراً ولا إقداماً. ولم يكن صاحب علم ولا جاه، بل صاحب حنجرة فحسب. يملكها وتملكه، وليس له من حطام الدنيا شيُ سواها، وليس لها من حطام الدنيا شيُ سواه وكانت هي سر سعادته؛ واستطاع هو أيضاً أن يجعلها سعيدة منعمة.

ليس على فضل الآلهة من حَرَجْ

إن شاء ضاق الأمرُ، أو شاء الفرجْ

ويدرك العلياءَ من به عرجْ وترتقى حنجرةٌ أعلى الدَّرَجْ!!

إن سر النجاح في الحياة هو ما قاله سقراط: أن تعرف نفسك: وهكذا فعل انطون. فقد خلا إلى نفسه يوماً، وجعل يجهد فكره الكليل في معرفتها وفي الكشف عن أمرها. لعله إن يرى في ركن من أركانها كنزاً مخبوءاً، أو قوة مدفونة. فهداه طول التفكير، والتدبير الكثير، إلى إن له حنجرة ليس لها في العالم نظير. أجل وإنها لجديرة بأن ترفعه ويرفعها إلى المقام الأسمى والسِّماك الأعلى. وان ينفض بواسطتها غبار الفاقه الذي يوشك أن يقبره ويقبرها.

وكانت ساعة إلهام أدرك فيها انطون إن برلمان إنكلترا - أبو البرلمانات جميعاً - هو ميدانه الوحيد وميدان حنجرته العزيزة. . . عجباً كيف لم يوفق إلى هذا الكشف الهائل من قبل، فيقضى على عيش الضنك والفقر الذي لازمه طوال هذه السنين؟.

وفي مساء ذلك اليوم الخطير كان انطون جالساً - وحنجرته - إلى رئيس (المحافظين) يحدثه حديثاً شائقاً طليا. والصوت يدوي من حنجرته دويا - ولولا إن الريح في ذلك المساء كانت تهب من الجنوب، لسمع أهل فرنسا صدى تلك الحنجرة تنبئ الساكنين على ضفاف السين. إن على ضفاف التايمز رجالاً.

وأدرك رئيس المحافظين - ويا سرعان ما أدرك! - إي كنز قد ظفر به، وأي ذخر ثمين قد قدمنه الآلهة له ولحزبه! انهم بفضل هذه الحنجرة الرعدية لن يلبثوا طويلا حتى يتربعوا على دست الحكم، ويتحكموا في الدولة التي لا تغرب عليها الشمس.

ولم يبرح انطون مجلس الرئيس إلا وقد حمل في صدره - وفي جيبه - ألف دليل على إن نجم نحسه قد اودع في بطن الثرى وان نجم سعده قد اشرق في السماء لامعاً صاعداً.

كان انطون من رعايا الروس، وقد حاول السنين الطوال أن ينال الجنسية البريطانية، فلم تلق جهوده إلا الفشل. إن الجنسية البريطانية أجل وأثمن من أن تمنح للصعاليك أمثاله أما اليوم فقد جاءته تلك الجنسية تجرر اذيالها، وهي تمشي على استحياء، نزلت عليه من المحل إلا رفع من بعد طول تعزز وتمنع.

وفتحت بين يديه نوادي المحافظين، المفرطين في أرستقراطيتهم، وفي عزلتهم. فجعل يفشاها هو وحنجرته التي كان صداها يدوي في تلك الحجرات الهائلة، فتمتلئ بها الآذان وتميل نحوها الأعناق.

ولم تمض أسابيع قلائل حتى أخليت له دائرة من دوائر البرلمان، وحتى اقسم يمين الطاعة للملك ولدستور الدولة العظمى التي قلما تغرب الشمس عليها.

هنالك بدأت معجزته الهائلة تقرع الأسماع، وتأتي بكل إبداع، يوم تبوأ مقعده في (وستمنستر) وقد لف على الحنجرة العزيزة كوفية من الدمقس الخالص، براً بها، وعطفاً عليها. وهي بهذا لعمري جديرة بعد أن أصبحت ينبوع ثورة، ومبعث قوة وصوله، وعماد حزب ودولة.

ولم يك إن جالت هذه الحنجرة جولةً أو جولتين حتى سقط (الأحرار) المساكين، صرعى لا حراك بهم، وسقطت حكومتهم، التي كانت تحسب أنها باقية على الدهر، فإذا هي تندحر وتندثر وتمزَّق كل ممزَّق.

ثم أذَّنَ مؤذن بالانتخابات الجديدة للبرلمان الجديد، فإذا حنجرة أنطوان تكتسح كل شئ أمامها، وتجوب البلاد من جنوبها إلى شمالها، فتندك أمامها المعاقل والحصون، وتعنو لها الرقاب والأعناق، وتنجلي معارك الانتخاب عن فوز ساحق ماحق يفوزه المحافظون، ويعودون إلى البرلمان، يجرون ذيول التيه، ويبرمون شوارب الخيلاء.

وفي اليوم التالي غدا أنطوان إلى شركات التأمين فأمن على حنجرته بمائة ألف من الجنيهات.

إن اللآلهة قد تمنح، فتشرق في المخ، وتعطي فتجزل العطاء