مجلة الرسالة/العدد 29/لحظات التجلي

مجلة الرسالة/العدد 29/لحظات التجلي

ملاحظات: بتاريخ: 22 - 01 - 1934



للأستاذ أحمد أمين

لكل إنسان - وخاصة العقليين - والروحانيين - لحظات تضيء فيها

نفوسهم، حتى كأنها المرآة الصافية، أو الشعلة الملتهبة، كل جانب فيها

مضيء، وكل العالم منعكس عليها، يراه فيها كما يرى السماء في

الماء.

يحس بهذا الأديب، فتراه حينا وقد غزرت معانيه وتدفقت عليه من كل جانب، حتى ليحار في الإختيار، ماذا يأخذ وماذا يذر، وبم يفضل بعضها على بعض، وحتى كأنه يغترف من بحر، أو يملي عن حفظ، ويصدر عنه إذ ذاك القول السلس والمعاني الغزيرة، والشعر المتدفق، هذه اللحظات عنده هي (لحظات التجلي)، وتأتي عليه أوقات وقد جمدت قريحته، وأجدب فكره، يعاني في البحث ما يعاني، ثم لا يأتي إلا بحمأة وقليل من ماء، ويصعب عليه القول كأنه يمتح من بئر، أو يستنبط من صخر، وقد عبّر الفرزدق عن هذا المعنى فقال (أنا أشعر تميم، وربما أتت عليّ ساعة ونزع ضرس أسهل عليّ من قول بيت) ونتاجه في مثل هذه اللحظات بارد جاف، لا يستسيغه الذوق، ولا تألفه الروح، أشبه شيء بقطع الجلاميد، وبأجدال الحطب.

ويحس بهذا الفيلسوف، فيشعر بلحظات تنكشف فيها حقيقة هذا العالم، فيراه ويستلذها، ويود أن تدوم، بل يود أن تعاوده الفينة بعد الفينة، ويتمنى أن يشتري عودتها بكل مالك، وينفق في ساعة منها كل متع الحياة الدنيا، يشعر في هذه اللحظات بذكاء في الفهم، وصفاء في النفس، ولطافة في الحس تكفيه في فهم هذا العالم الإشارة، وتجزئه الإيماءة، يستشف العالم من وراء مظهره، ويلمحه من رموزه، ويشعر إذ ذاك بسمو في العقل، ورقي في الروح، لا يعدل لذتهما شيء في الحياة. ثم تذهب عنه لحظات التجلي على الرغم منه، فإذا به في بعض أوقاته مظلم الحس، متخلف الذهن، بليد البصيرة، لا ينتبه للحن، ولا يفطن لمغزى، تستعجم عليه المدارك الظاهرة، وتَخْفَى عليه الأشباح المائلة، وتختلف لحظات التجلي عند الفلاسفة ولا صوفية كثرة وقلة، كما يختلف مدى التجلي بعداً وقرباً، حتى ليحكى عن افلوطين) الفيلسوف الروحاني المشهور أنه حظي بهذه اللحظات بضع مرات في حياته. وحظي بها تلميذه (فورفوريوس) مرة واحدة.

وتعرض للفنان فيلهم معنى يصوره بريشته أو يوقع به على قيثارته، فثَمّ الإبداع والجمال الرائع، والحسن البارع، ذلك يملأ العين حسناً بصورته، وهذا يملأ السمع والقلب عذوبة بنغمته، ثم تأتي على هذا وذاك أوقات ينضب فيها معينها، ويفتر عنهما وحيهما.

وترى العلماء من رياضي وطبيعي وكيمياوي، ى يرزق أحدهم الخطوة بلحظة من هذه اللحظات، يلهم فيها فكرة يكون من ورائها مخترع عجيب، أو استكشاف خطير، عرض له أثناء بحثه، وقد لا تكون هناك علاقة ما بين ما يحدث وبين ما ألهمه، بل قد لا تكون هناك مقدمات منطقية مطلقاً لما ألهم، ويقف العلم حائراً لا يستطيع أن يعلل كيف نشأت في ذهن هذه العالم تلك الفكرة، وكيف فطن لها، بل يحار المستكشف نفسه كيف عرضت له وكيف ألهم بها.

وبعد فهل يمكن أن نضع قوانين لهذه اللحظات، وهل هناك عوامل معروفة إذا استوفيت أمكننا اقتناؤها والحظوة بها؟ وهل يمكن أن نجمع هذه الشروط في زر كهربائي أو زر روحاني نفتحه فتنفتح علينا لحظات التجلي إن شئنا؟

لو استطعنا هذا لتضاعف الإنتاج الأدبي والعلمي في هذا العالم أضعافاً مضاعفة، ولسهل على الأديب أن يستوفي الشروط فما هو إلا إن يمسك بقلمه فيغزر ماؤه، ويسيل إتيهُّ، وتنثال عليه الألفاظ والمعاني إنثيالاً.

لقد حاولوا من قديم أن يستكشفوا قوانين (التجلي) فقالوا إن مما يعن عليه جودة الغذاء، وفراغ البال من هموم الحياة، وصحة البدن، وطمأنينة النفس واستعانوا على نيل لحظات التجلي بمختلف الألوان، فقد قيل لكثير عزة يا أبا صخر، كيف تصنع إذا عسر عليك قول الشعر؟ قال أطوف في الرباع المخلية، والرباع المعشبة، فيسهل علي أرصنه، ويسرع إلي أحسنه، وقال الأحوص

وأشْرَفَتُ في نشز من الأرض يافِع ... وقد تَشْعَف الأيْفاع مَنْ كانَ مقْصِدَا

ولجأ الأدباء من قديم إلى الأزهار والرياض، والمياه الجارية والمناظر الجميلة، كما لجأ بعضهم إلى الخمر يستلهمها ويستوحيها، وتكاد تكون لكل أديب عادة يرى أنها علة غزارته، ومفتاح إنتاجه، وأنه يستنزل بها العصم من الأفكار، ويستسمح بها الأبي من المعاني، ولكن هل نجحت كل هذه المحاولات في استكشاف قوانين التجلي.؟ أظن إن نظرة بسيطة تكفي للقول بأنها لم تنجح، فقد تستوفي كل الشروط التي قالوها، فالصحة في أجود حالاتها، والغذاء خير غذاء، والكاتب أو الشاعر مطمئن النفس، هادئ البال، بين الرياض المزهرة، والمياه الجارية، والوجوه الناظرة، وهو مع هذا أجدب ما يكون قريحة، وأنضب ما يكون معيناً، ثم هو يكون على العكس من ذلك كله فيواتيه شيطانه، وتتزاحم في صدره المعاني، وتتبارى على قلمه الآراء والأفكار والألفاظ.

ثم هذا أديب أو شاعر يجود قوله وتتجلى نفسه، في الأماكن الخالية والسكون العميق وذاك لا يأتي له هذا الموقف إلا في الأوساط الصاخبة والحركة المائجة. وأديب لا ينتج إلا إذا امتلأ جيبه واطمأنت نفسه لحاجات الحياة، على حين إن الآخر لا يجد إلا إذا فرغ وطابه. وعضه الفقر بنابه، وتكاثرت عليه الهموم.

فأين قوانين التجلي إذا كان يحدث في البيئة وضدها، والظروف وعكسها؟ قد تكون كل المظاهر وكل ما يحيط بالنفس مع ذلك فياضة جياشة متجلية، وقد تكون المظاهر كلها تدل على نفس متفتحة للعمل، مليئة بالفكر فإذا هي مجدبة متقبضة، وترى الآراء القيمة والمعاني السامية قد تنبع من بيئة قائمة، ونفس مظلمة كما تخرج الزهرة من طين أو كما يخرج الذهب من الرغام، والحرير من الدود، وقد حكي لنا عن أدباء آخرجوا روايات هزلية تستخرج الضحك من أعماق القلب وحالتهم النفسية وقت تأليفها كان يسودها الحزن، ويشيع في جوانبها الألم والبؤس.

أخشى أن يكون الذين قد وضعوا هذه القوانين وأمثالها للحظات التجلي قد تسرعوا في وضعها، فالإنسان معقد كل التعقيد، ولئن كان جسمه معقداً مرة فنفسه وروحانيته وعقله معقدة ألف مرة بل آلافاً، وإن العوامل التي تؤثر في نفسه وروحانيته ليست الحالة البدنية، ولا الغذاء الصالح، ولا المناظر الجميلة، ولا الغنى والفقر، وحدها، بل هنالك عوامل أدق وأعمق واغمض، الإنسان لا يعيش في بدنه وحده، ولا في محيطه فقط، بل إنه ليعيش في أصدقائه الأقربين والأبعدين، وإنه ليعيش في ذريته الذين كانوا وسيكونون، وإنه ليعيش في أحلامه وآلامه وآماله، ويعيش في شبكات من تموجات نفسية دونها بمراحل شبكات التلغرافات والتليفونات وتتسلط عليه أنواع من الأشعة لا عداد لها لعلنا لا نستطيع أن نكتشف قوانين التجلي إلا إذا عرفنا نوع النفس التي تتلقى هذه الأشعة، وعلمنا كل هذه المؤثرات، وهيهات!!

أحمد أمين