مجلة الرسالة/العدد 306/الفلسفة الصغرى للحياة

مجلة الرسالة/العدد 306/الفلسفة الصغرى للحياة

مجلة الرسالة - العدد 306
الفلسفة الصغرى للحياة
ملاحظات: بتاريخ: 15 - 05 - 1939


1 - كيف ينبغي أن نعمل؟

للكاتب الفرنسي أندريه موروا

ترجمة الأستاذ صلاح الدين المنجد

هذه أولى خمس محاضرات ألقاها لثلاثة شهور خلت، الكاتب الاجتماعي الكبير (أندريه موروا) عضو المجمع العلمي الفرنسي، جلا فيها على القراء فن العمل، والتفكير والحب، والزعامة؛ وبين في إحدى المحاضرات كيف نسقى سعداء ناعمي البال، إذا خلا الشباب واشتعل الرأس شيبا.

وقد نقلنا هذه المحاضرات إلى العربية لما لافتة من إعجاب، ولما فيها من آراء ذات شأن.

(المنجد)

هل علينا من حرج إن ذكرنا ما يقوله المعجم عن (العمل) فناقشناه وبينا النقص الذي فيه؟. . . فإن حديثنا هذا ربما ملك علينا أمرنا فدفعنا إلى الإفاضة فيه. يقول المعجم: (العمل هو إنفاق جهد متعب لإتمام شيء). ولكن هذا التعريف ناقص غير واف، لم يكون الجهد متعباً؟. . . لندع المعجم إلى أربابه ولنضرب الأمثال: هذا صانع جرار يعمد إلى قطعة من صلصال فيسويها شكلاً يريده ويرضاه. وهذا حارث يشق الأرض ويذللها للزرع، فلا تلبث أن تهتز وتنبت الخيرات. وهذا كاتب قصصي يخلق كائنات يخلع عليها من عبقريته وخياله جمالاً، ثم ينضج فيها من روحه سحراً. . . مستمداً عناصرها من البيئة التي تحيط به فتملأ سمعه وبصره، فيأتي بأثر رائع لا يفنيه الحدثان.

فالعمل - كما اعتقد - هو تسليط قليل من التبديل والتحوير على العناصر التي نأخذها عن الطبيعة؛ مما يجعلها أكثر فائدة وأشد جمالاً. وهو كذلك دراسة القوانين التي يخضع لها ذلك التبديل، وتبيان حدوده ومداه.

ولقد عرف (باكون) العمل عند ما عرف الفن، فهو يقول: الفن هو الطبيعة مضافة إلى الرجل؛ أي هو ما نأخذه من الطبيعة، وما نضيف إليه من أشياء، يظهر فيها أثر تفكيرنا وعبقريتنا. والحق أن كل عمل يجب أن يكون فنا.

وسأذكر بادئ الأمر القوانين التي لها صلة بكل عمل، ثم أفصل أحكام عمل الصانع اليدوي، وعمل المرأة في منزلها، والطالب في مدرسته، والفنان في مصنعه، والكاتب في مكتبه.

وعلى الرغم من وفرة الأعمال وتعددها، فإن هناك قوانين تصلح لها كلها. فاختيار العمل الذي نجد في أنفسنا قدرة عليه وحباً له، هو أول ما يجب أن نفكر فيه. فإن قوة المرء وذكاءه محدودان لا يتسعان إلا إلى مدى. والمرء الذي يريد أن يقوم بكل عمل لا يتقن شيئاً. ألا تنظرون إلى أولئك الذين أوتوا مواهب شتى؟ يقول أحدهم: لو أني عانيت الموسيقى لحذقتها. ولو أني عالجت السياسة لسار ذكري واستفاضت شهرتي. فكل عمل هين لديّ. إنهم يكونون من هواة الموسيقى لا من غواتها. . . ومن المفلسين في التجارة لا الرابحين منها. . . ومن الفاشلين في السياسة لا الناجحين. لقد كان يقول نابليون: إن فن الحرب يوجب أن يكون المرء قوياً كأشد ما تكون القوة، في مضمار واحد. وأنا أقول إن فن العيش يوجب أن يستهدف المرء في هذه الدنيا أمراً، فلا يزال يوجه إليه قواه، ويسخر له مواهبه حتى يظفر به. ولذا كان خطأ أن ندع للأقدار دائماً مصير عملنا في الحياة. فالحياة جهاد ونضال، ومن لم يعدّ نفسه لها فقد باء بفشل عظيم. . . يجب أن يسائل الرجل نفسه فيقول لها: ترى أي عمل أستطيع أن أكون له كفؤاً؟. أنظر إلى ميولك ومواهبك، ثم فكر طويلاً، في نفسك، وفي أبنائك؛ فإذا كان لديك ولد ذو بأس شديد وقوّة، فأرسله إلى الجيش، ودربه على الطيران، لأنه لا يصلح لأن يكون رئيس ديوان.

فإذا اختار المرء مهنة رضى عنها. . . فإنه واجد فيها أموراً لابد من أن ينتخب منها أمراً واحداً، ترضاه نفسه، ويقبله هواه. فالكاتب لا يستطيع أن يبدع الأقاصيص أو الروايات كلها، والسياسي لا يستطيع إدارة الوزارات جميعها. . . والمسافر يعجز عن اجتياز الأرض من شمالها إلى جنوبها. ولابد لنا من أن نكون في بعض الأحايين صماً لما تهمس به أهواؤنا في خاطرنا. . . فتسيطر على إرادتنا وتدفعنا إلى تنفيذ شيء. فكرّ طويلاً، وقدرّ كثيراً، فلديك الوقت المتسع، ولديك التفكير، وكن كقائد الجند الذي يقضي على كل شغب بكلمة واحدة يلفظ بها أمام جنوده. . . فيستمعون إليه وينفذون أمره. نفذ أمر إرادتك كما ينفذ الجند أمر قائدهم، وقل لنفسك: ما عسي أن أصنع في عامي هذا؟. أأصلح للامتحان؟ أأطوف في البلاد. .؟ أأعمل في مصنع؟. . فكر طويلاً، وناقش آراءك نقاشاً هادئاً في زمن محددّ؛ واجعل لنقاشك نتيجة ترجع إليها، وتمضي في سبيلها، فإن التردد قاتل، والهوى مخيف.

فإذا اطمأن الرجل إلى عمله. . . فليتأت له، وليضع حيال ناظريه ما يستهدفه في سيره البعيد وهو واثق بأنه سيبلغ القمة يوماً، وإن عظم الجهد، أو طالت الطريق، لأن أول كل صغير كبير. . .

لقد جاء (ليوتي) إلى مراكش، فوجد بلاداً عاث فيها الساسة، لا رئيس ولا ذخيرة ولا مال. ولو أن من أتي إليها كان غير (ليوتي) لدب الرعب في قلبه، وسيطر اليأس على نفسه. ولكنه كان ليوتي العظيم. لقد بدأ بالمدن فجمع كلمتها، ووحّد صفوفها، وسخرها لما يشاء بما يشاء. ثم انتقل إلى البادية، فما زال يؤلف كلمة كل قبيلة، ويسيطر على كل نزعة، حتى بلغ ما أراد. . . بعد أن جهد طويلاً وتعب كثيراً. إن الحصار لا يحصد سنابل القمح. . . في الحقل. . . بنظرة، ولكن عوداً بعد عود. وإن منظفة الثياب لا تنزع الأوساخ عنها بلحظة، ولكن ثوبا بعد ثوب. . . والعامل الحق لا يهمه شيء، ولا يعرف الخيبة أو الفشل. . ويعلم انه سيبلغ ما يريد إذا اختار عمله، ثم قسمه، ثم مضى فيه. . . وويل للجبان. . .! يخاف كل عمل. . . فلا يعمل. أما الشجاع فهو الذي يستحق الحياة. .!

وأنا لا أعجب لشيء كعجبي لأولئك الذين يرسلون الشكوى من هذه الحياة وطولها. أنا أسألهم: هل يعيشون ثماني ساعات في اليوم؟ هل يعملون فيها عملاً حقاً؟ فإن الكاتب مهما كان هزيل القريحة إذا سوّد كل يوم صفحة واحدة يد في أيام شيخوخته تراثاً عظيما يجعله بين النابغين، كبلزاك وفولتير.

ولكن هل يكفي أن نجلس إلى المنضدة؟ ألا يجب أن نخضع لنظام في عملنا؟ فلا ندع عملاً قبل أن نفرغ منه، لأن اللذة بالعمل تتزايد تزايداً هندسياً إذا لم ننقطع عنه، وهذا الأمر حق عند الكاتب الذي يطلب وقتاً ينسى فيه العالم الخارجي ويتفرغ إلى أفكاره وآرائه، وهو أيضا حق عند الصانع أو الرئيس لكي يتقن العمل وينجو من شر المحيط.

وخليق بالعامل أن يبتعد عن البيئة الخارجية إذ ابدأ العمل، لأن هناك طفيليين لا يفهمون عنه ولا يشفقون عليه، فهم يتكلمون ويثرثرون، ولا يفكرون في أنهم لو تركوا من يتكلمون معه، لاستطاع القيام بعمل ذي شأن. فهؤلاء لا يزيدون المرء إلا ضراً. إنهم يسخرون منه، ويستهزئون به ثم يدعونه متحسراً على ما فات ضاحكين.

بوركت يا غوته! لقد أدركت الحقيقة من سنين وسنين. لقد قال: (يجب ألا تضيع وقتك مع أناس يأتون إليك دون أن تعلم. إنهم يفيدون منك عاماً ثم يدعونك. إن هذه الزورات لا تفيد شيئاً. إنها تفسد عليك آراءك، وتنقلك إلى عالمك الخارجي الذي هربت منه، بعد أن اصطفيت منه صوراً جئت لتخلع عليها مسحة من عقلك فتجعلها آية للناس. أنا غني عن أفكارهم فعندي ما يكفيني) وليحدد طرائق العمل، فإذا نظر فيما اختطه لنفسه بعد سنوات لقي كل شيء هيناً، فيثق آنئذ بقدرته ويرضى عن سعيه فلا يتقاعس، ولا يخلد إلى الراحة والهدوء. على أنه يجب أن نعلم الأشياء التي تطلب عملاً مباشراً كي نقوم بها ثم نتكل على خطتنا ونسعى وراءها بملء قلوبنا. وليكن قلبك وعقلك متجهين دائما نحو الهدف. فإذا أصبته يوماً استطعت أن ترج على خُطاك.

تتلمس الطريق على هدى وتنظر إلى العقبات التي اعترضتك فتستمد من ذكرى ظفرك بها قو لعملك القادم وأملاً لعيشك الجديد إن النوابغ يدأبون بشغف على العمل. فلا يدعونه حتى يفرغوا منه، ولا ينكبون على عمل آخر قبل أن يتموا الأول، وتكون عقولهم متجهة نحو طريق واحدة كما يقول المثل الأمريكي. وربما كان ذلك باعثاً على الضجر مسبباً للملل، ولكن ما أهناها ساعة يتغلب المرء فيها على العقبات، ويصل إلى هدفه ظافراً!

فإذا اخترت لنفسك عملاً، فانك تختاره حسب ما تستطيع أن تقوم به قواك، وتوصلك إليه مواهبك. ومن الخطل اتباع أمر لا نجح لك فيه. والفشل يشل القوى ويفقد النشاط. كان (غوته) ينصح للشعراء الشباب أن ينظموا قصائد قصاراً عوضاً عن ملحمة واحدة كبرى، لكيلا يفشلوا فيأسوا على ما فآتهم.

وكان صموئيل بوتلر يقول: (إذا أكلتم العنب، فابدءوا بما ينضج من حبّه) وجدير بالمرء في عمل صعب متشابك أن يجزئه إلى أقسام، ثم يعمد إلى كل قسم فيتمه. فإذا كانت أمامك طريق صعب طويلة تود أن تسلكها فقسمها إلى مراحل لأن من الصعب أن تمضي فيها وتصل إلى منتهاها في لحظات، ثم اقطع كل يوم مرحلة. . فلا تلبث إلا قليلاً حتى تجد نفسك في غايتك، دون إن تلغب نفسك أو تجهد جسمك. كن كالمصعد في الجبل الآمل في بلوغ القمة؛ إنه لا ينظر أليها دائماً لأنه منهمك في الخطوة التي سيخطوها. . . أما القمة فإن بعدها سحيق. . . يخيفه ويشل قواه إذا حدق فيه. . فليمض رويداً. . وعسى بالعامل الدائب أن يصل إلى مبتغاه.

أن تدوين تاريخ لأمة من الأمم منذ أيامها الخاليات إلى أيامها الحاضرات لعمل صعب يخافه الناس. . . لأنه يبدو من أعمال الجبابرة الذين سما مقامهم وعظمت قدرتهم. ولكنك إذا قسمته إلى عصور وبحثت في كل عصر فإذا فرغت منه انتقلت إلى آخر غيره، لم تلبث أن تجد يوماً عملك الضخم بين يديك فتقف متعجباً دهشاً. ثم يثبت القلب بعد التجاريب، وتدب الحماسة في النفس، ويستولي عليها الاطمئنان؛ فإن الكاتب الذي ألف كذا وكذا من الكتب لا يصعب عليه إتمام كتاب بدأه. إنه يجسر كما جسر (مارتان دوكارد) و (دوهامل) و (جول رومان) و (لا كروتيل) على وضع عدد عظيم مما لا أستطيع معه صبراً. . .).

وقال أيضا: (إن الذي يتوق إلى الخلود ويود إخراج آيات فنية رائعة لجدير به ألا يدع هواه يسيطر على نفسه).

يقول الطفيليون لك: أين أنت؟ إننا لا نراك! تعال غداً لنلهو أو لنصيب طعاما معا. . .! فقل لهم ولا تخش شيئاً لست بحاجة إلى لهوكم وغدائكم. . . فدعوني وحيداً. . .

وكان (غوته) لا يجالس أحداً إذا انغمس في الكتابة أو النظم. . . فإذا جاء إليه رجل على الرغم من خادمه العجوز أرسل يديه إلى ظهره ولاذ بالصمت وتكلم بحاجبيه وعينيه، فيمل الزائر منه. . . ويدفعه هذا الصمت القاتل إلى الهرب. أما رسائله فكان ينتزع منها ما فيه فائدة وعلم، ويرمي بالتي يطلب أصحابها منه شيئاً إلى النار ويقول: (ويحكم يا شباب هذا العصر، إنكم لا تعرفون للوقت ثمناً. . .).

يقول نفر من الناس: هذا غرور بالنفس واحتقار للزائرين. فكم رجال عظماء كانوا يجيبون على الرسائل! وكم طفيليين هم جديرون بالرحمة والعطف. ويغالي هذا النفر. . . فيصم غوته بأنه رجل غير إنساني. ولكني أسألهم: هل يستطيع رجل غير إنساني أن يبدع لنا (فوست) الخالدة أو يخلق (وليم مستر) الرائعة؟ إن من يهمل أمره. . . يأكله الناس. . فيمضي دون أن يترك لنا أثراً نفيد منه. . . والرجل الذي يحب العمل، ويجد فيه لذة ومتعة، ويقبل علي بشوق وحماسة. . . لا يريد إلا رجالا على شاكلته.

هو يساعد الناس. . . ولكنه يفر من الحديث السخيف، والثرثرة المخيفة. ولذا كان (غوته) ينصح أيضا للأديب أن يهمل حوادث يومه العامة، إذا لم يكن فيها ما يغذي خياله أو يهيج نفسه. فلشد ما نكون أغبياء، عندما تقضي ساعة من يومنا في الاستماع إلى أخبار الحرب القادمة، وساعة في نتائجها. . . وأخرى في أسبابها. . . ولم نتقلد بعد كرسي الوازرة، أو نحمل عصا القيادة، أو نمسك بقلم الصحافة. . . إننا نسيء إلى بلادنا. . . لأننا ننفق الأوقات فيما يضرنا ولا ينفعنا، فحياتنا قصيرة. . . وبلادنا ترنو إلينا على أن النظام الذي اتبعه (غوته) في عمله وخضع له، هو نظام الإحساس الرهيف. ونحن لا نستطيع أن ندع أحاسيسنا تسيطر على أنفسنا، فتعجزها عن العمل. انظروا إلى العامل البأس الذي غدا إلى عمله، وترك ابنه في داره، فيعالج الحمى. . . فالفكر التي تملأ رأسه تغشى على سمعه وبصره، فيخلد إلى الأحلام. . . وتحف به الطيوف السود والأشباح المرعبة. وربما أمسك بالقلم ليخط رسالة. . . ولكنه يبقى صامتاً حيران. . . أمام ورقته البيضاء. . . تفر منه الكلمات. . . ويلتاث عليه الكلام

(دمشق)

صلاح الدين المنجد