مجلة الرسالة/العدد 320/المسرح والسينما

مجلة الرسالة/العدد 320/المسرح والسينما

مجلة الرسالة - العدد 320
المسرح والسينما
ملاحظات: بتاريخ: 21 - 08 - 1939



من التاريخ

النهضة المسرحية في مصر

ونصيب الفرقة القومية منها وواجبها حيالها

على هذه الصفحات سنكتب تاريخاً موجزاً للنهضة المسرحية في مصر، تلك النهضة التي قامت على أكتاف أبطال وبطلات (فرقة رمسيس) منذ سبعة عشر عاماً حتى الآن. سنكتب تاريخاً لهذه النهضة على غير الطريقة التي يكتب بها التاريخ. هو ليس تاريخاً بالمعنى المفهوم والطابع المعلوم، بل مجرد خواطر وآراء علقت بالذهن ووعتها الذاكرة مدى هذه الأعوام الطويلة. وكان لا بد يوماً من إخراجها للناس، وفي وقتها المناسب، وليس أنسب من هذه الظروف، وقد تهيأت لنا أسباب النهوض بالمسرح، ثم لا نجد من ينهض به، أو يعمل مخلصاً في سبيله!

أليس محزناً للنفس وموجعاً للقلب أن تمنح الفرقة القومية خمسة عشر ألفاً من الجنيهات في كل عام، ثم لا يكون من عملها وإنتاجها إلا أن تسيء إخراج بضع روايات قديمة سبق أن أخرجت للناس في أبهى حلة وأتم نظام وأكمل ترتيب، وأن تسيء كذلك إخراج بضع روايات جديدة هزيلة: هي عناوين للتفاهة والغثاثة، ومفسدة للأخلاق، وموحية بأحط التعاليم وأقبح الآراء؟؟

مما يؤسف له حقاً أن يجد الكاتب لزاماً على نفسه أن يتحدث عن الفرقة القومية كلما تحدث عن المسرح في مصر، مع أنه لو أسقطها من حسابه، وأغفل ذكرها، لما خسر شيئاً يذكر في تقديره للأمور وفي حسابه للأرقام. أما المؤرخ فلن يستطيع هرباً من الحقيقة، وسيجد نفسه مضطراً لتدوين هذه الفترة المحزنة في حياة المسرح المصري. فمنذ كان المسرح في مصر لم ينعم أبناؤه بعهد ذهبي كهذا العهد، ولم تيسر الأمور مثلما يسرت لهم الآن ومع ذلك فأنهم لم يصيبوا من أعمالهم غير الفشل والخسران المبين! ومن العجيب أن يحدث هذا بعد سبعة عشر عاماً من وثبة المسرح المصري على يد فرقة رمسيس التي أنشئت لحساب فرد واحد، ومن غير معونة من هنا أو من هناك، وفي وقت خسر المسرح فيه سمعته، وكان لأهله حينذاك مسبة وعاراً.

يذكر الذاكرون أن المرحوم عبد الله باشا وهبي كان عزيزاً عليه أن يرى ابنه يوسف وهبي ممثلاً، وكان عزيزاً على أي رجل آخر أن يرى ابنه (مشخصاً) على المسرح؛ فلم يكن التشخيص في نظر الناس مهنة وضيعة للذين فقدوا كل أمل في الحياة وكل أمل في الكرامة، وكل أمل في العمل الشريف. ولم تكن الحكومة لتعترف بوجود هذه الفئة من المهرجين أو تقيم لهم وزناً

أنشئت فرقة رمسيس وسط هذه العوامل وبين هذه الآراء؛ ومع ذلك فإنها سرعان ما اكتسبت ثقة الجميع: الأمير قبل الفقير والعظيم فبل الصغير. وأصبح مسرح رمسيس محط الطبقة الممتازة في مصر وملتقى الكبراء والعظماء وذوي الرأي والخطر في البلاد؛ ولم ينفض عنها جمهور ما، ولم ينصرف عن تشجيعها إلا منذ حادت عن طريقها المرسوم وتنكبت السبيل السوي!

أما الفرقة القومية التي ترعاها الحكومة بعنايتها، وتمنحها مالاً ومسرحاً، وتجلب لها جمهوراً راقياً، ويشرف حفلاتها ملك البلاد وكبار رجال الدولة وعظماؤها. أما هذه الفرقة التي تهيأت لها كل أسباب النجاح والفلاح فإنها لم تحظ حتى الآن بما حظيت به فرقة رمسيس من مجد، ولم تخط خطوة واحدة نحو مثل المكانة التي نالتها تلك الفرقة، ولم تكتب سطراً واحداً في تاريخها تستطيع أن تفخر به أو تطمئن إليه، وحتى أصحاب الِشأن فيها يهزون رؤوسهم أسفاً وحسرة، ويقفون حيارى لا يدرون أين المفر من هذا المصير المحتوم الذي يطل عليهم من بعيد بعيونه البشعة ويقترب منهم رويداً رويداً.

وقد أردنا بكتابة هذا التاريخ الموجز، وسرد هذه الخواطر والآراء أن نضع أمام الرجال المسئولين جميع العوامل التي كانت من أسباب نهضة المسرح، وكذلك جميع العوامل التي كانت من أسباب سقوطه وانهيار بنيانه، ليكون لهم في النهاية مجموعة من الحقائق التي يسترشدون بها في تنظيم الفرقة القومية ووضع برنامج لها تسير عليه ولا تحيد عنه إلا في سبيل الكمال. والواقع أن الفرقة القومية لا تحتاج بعد ذلك الذي تهيأ لها من أسباب إلا النظام والتنظيم والخطط المرسومة التي تسير بمقتضاها وتسترشد بهديها. أما الطرق الارتجالية التي تأتي عفو الخاطر، وأما هذا العبث المحض في اختيار الروايات وإعدادها وإخراجها وتوزيع أدوراها وفق الأهواء والخواطر. أما كل هذا وغير هذا مما فعلته الفرقة القومية، أو أتاه أصحابها، فقد قضى على سمعتها، وهو وشيك أن يقضي على الفرقة نفسها القضاء الأخير.

ولا يتوهمن أحد أننا من أعداء الفرقة القومية إذ نحكم عليها هذا الحكم؛ فالحقيقة أننا من أنصارها والمتحمسين لها والداعين إليها، وما عداوتنا إلا النظام، أو قل الفوضى التي تسير عليها؛ وما نبغي إلا الإصلاح، ولا بغية لنا سوى هذا.

وكاتب هذه السطور بعيد عن التحيز كل البعد. وسيرى القراء أنه كما سيعطي فرقة رمسيس حقها من التمجيد ونصيبها من الفخار، كذلك سيخصها بنصيب من النقد اللاذع، لأنها كما نهضت بالمسرح، فإنها كذلك هبطت به إلى الحضيض. فحساب الجميع عندنا بالعدل المطلق، وهدفنا الأسمى المصلحة العامة وإنقاذ ما يمكن إنقاذه بعد الذي كان، ومخافة ما سوف يكون

صناعة السينما في مصر

إن الجهود الفردية التي وجدت الشجاعة لديها لتمزق الحجاب عن ذلك الفن الرفيع في وقت كان فيه الفن السينمائي في مصر لغزاً غامضاً يراود أحلامنا في كل صباح وكل مساء - إن هذه الجهود الفردية التي أدت مهمتها وراحت ضحية جرأتها لتستحق منا اليوم كل تمجيد وثناء. إنها تشبه في كثير طلائع الجيوش التي تعرض صدورها لرصاص العدو وتكشف أجسادها لسهامه، فتروح ضحية جهلها وعدم خبرتها. . . بيد أن من يأتي بعدها لا يقع في أخطائها، ويعرف كيف يحمي نفسه ويعبر على أشلائها إلى النصر والمجد!. . .

فإذا كنا ندين اليوم لطلعت حرب باشا بهذه النهضة السينمائية الشاملة، فيجب أن نذكر أولئك الذين سقطوا في الميدان منذ أعوام فكانوا الشهداء، والذين ألهموا من أتى بعدهم وحفزوهم لنشدان الكمال وجعلوهم يرفعون عيونهم إلى أسمى الغايات. أما (أستوديو مصر) فقد أصبح بفضل طلعت حرب باشا يضارع أمثاله في أوربا وأمريكا، إذ فيه كل المعدات الحديثة، وفيه الرحابة وكمال الاستعداد ونخبة ممتازة من الفنيين الذين في استطاعتهم إخراج أية رواية من أي نوع. وقد دل إخراج (لاشين) التي نجحت إلى حد ما، أن في مقدور هذا الأستوديو أن يخرج روايات ممتازة ترضى أطماع أمثال سيسيل دي ميل. . .

وليس يعيب الجهود الفردية اليوم إلا قصورها عن أن يشمل عملها كل العناصر المؤدية إلى النجاح الكامل. لهذا فإنا وإن كنا نؤيد حرية العمل وندعو إلى المنافسة الشريفة، إلا أننا ننصح بعض الأفراد أن يضموا جهودهم بعضها إلى بعض ليصلوا مجتمعين إلى ما تصل إليه الشركات الكبيرة والمؤسسات الضخمة

ونحن يسرنا أن يكثر عدد المنتجين السينمائيين، وبالتالي يكثر عدد الشركات. وحينئذ تصبح مصر هوليود الشرق وتطرد منتجاتها الفلم الأجنبي من أسواق الشرق جميعاً، وهذا غاية ما نرجوه

(فرعون الصغير)