مجلة الرسالة/العدد 359/مقارنة

مجلة الرسالة/العدد 359/مقارنة

ملاحظات: بتاريخ: 20 - 05 - 1940



في سبيل إصلاح الأزهر

للأستاذ محمد يوسف موسى

لست في حاجة للقول بان الأستاذ الجليل الزيات قد أحسن كثيراً بفتح باب مسألة إصلاح أزهر؛ فتلك صيحة يدرك مداها البعيد وأثرها الكبير الأزهريون أنفسهم والذين يلابسونهم ويغشون أنديتهم ومجالسهم. وكان من آثارها الظاهرة ما قرأناه من كلمات ثائرة على الماضي وما ضم بين أطوائه، وأخرى هادئة رزينة يمد صاحبها بصره قبل أن ينقل قدمه عالماً أنه لا جديد لمن لا قديم له، ولا مجد لمن يتنكر لماضيه كله. ولعل أهم ما لفت النظر واسترعى الانتباه خاصَّا بهذا الأمر في عدد الرسالة الماضي رقم 358 كلمة الأستاذ المعروف محمود الشرقاوي. فقد تناول الموضوع بأناة ورفق شأنه في أمره كله ونظر إلى الأزهر باعتباره وحدة من وحدات الثقافة العالية في مصر والعالم الإسلامي، وذلك شأن الباحث الذي لا يغفل عند بحثه الظروف والملابسات وسائر العوامل البيئية

ليس منا من لا يرجو مخلصاً أن يكون الأزهريون، طلاباً وعلماءً، مُثُلاً عالية لما يجب أن يكون عليه رجل الدين الذي يعرف واجبه ويؤديه كاملاً، لا يرجو عليه جزاءً ولا شكوراً إلا إرضاء ضميره وإحساسه بأنه رجل يحترم ما فيه من الإنسانية والرجولة. وليس منا من لا يعترف - ولو بينه وبين نفسه - بأنه دون الوصول لهذا عقبات ليس من السهل تذليلها في هذه الأيام، لعوامل لا يخفى أمدها، إلا إذا عمل كل فرد منا - بتكميل نفسه - على أن يكون من عمال الإصلاح في ظاهر أمره وخافيه قبل أن ينادي به: فيساير النهضة العلمية، ويعرف أبواب المكاتب الخاصة والعامة، ويتعرف أحوال إخوانه المسلمين والشرقيين ليحس آلامهم ويفهم آمالهم؛ وبكلمة واحدة يعيش في هذا العصر لا في العصر الخوالي وحدها. بذلك يستطيع أن يضع لبنه في بناء الأزهر الجديد على ما يود المصلحون الغيورون

ولكن هل أمن العدل أن ننعى على الأزهر وحده تخلفه أو تريثه في طريق الإصلاح، وأن نقارن بينه وحده وبين أمثاله من جامعات أوربا فنخلع عليه ثوباً قاتماً بغيضاً يصرف عنه النفوس؟ من الحق كما يقول الأستاذ الشرقاوي إن أردنا أن نقارن بين الأزهر وجامعات أوربا، ألا ننسى أنه في مصر التي لم تبلغ بعد شأو أوربا في كثير من النواحي الاجتماعية والثقافية، كما لم يبلغ متزعمو الحركة الفكرية هنا مبلغ رجالات العلم والفكر هناك. وإني سأكتفي اليوم بذكر مثال واحد لعل فيه عظة وعبرة، ولعله يكون حجزة دون من يود بجدع الأنف أن يمحى الأزهر من الوجود فلا يصبح له ذكر إلا في التاريخ

عندما كنت بباريس في الصيف الماضي رأيت أن أتصل ببعض علمائها النابهين في الدراسات الإسلامية الفلسفية، فبدأت بالأستاذ ماسَّينْيون وهو من نعلم علماً ومكانة هناك ومن يفخر كبار خريجي جامعة باريس بالأخذ عنه والاتصال به. تفضل واستقبلني في مكتبه الخاص بمنزله، وأعطاني من وقته الثمين أكثر من ساعتين ضاعتا في حديث علمي رفيع ونصح وتوجيه وإرشاد بينما طلابه العديدون وعارفو فضله في الانتظار، وخرجت على أن أعود مرات أخرى. وما كان أشد عجبي في صباح اليوم التالي حين أخبر أن هذا الأستاذ الجليل جاء برد لي الزيارة! أي والله سيدي القارئ إني لا أمزح ولا أتزيد؛ فقد جاء الأستاذ ماسينيون للنزل المتواضع الذي كنت فيه، ولم يمض على زيارتي له يوم وليلة، شاكراً تفضلي - كما قال - بزيارتي له! وأهدي إلي عدداً من مجلة علمية تعني بالدراسات الشرقية والفلسفية الإسلامية تضمن الكثير من بحوثه

لم أصل بعد لما أريد، فهاك بقية الحديث: رأيت بعد هذا، أو رأى رفيق سوري كان معي، أن أسعى لزيارة الدكتور طه حسين بك رجاء أن أصيب من فضله وتوجيهه ما يساعدني في دراستي، ولم يثنني عن الرغبة في الاتصال بالأستاذ الكبير ما أعلمه من العداء بين الأزهر وبينه، وهو عداء ليس من صالح الأزهر ولا الجامعة أن يدوم

اتصلت إذا بالمنزل الفخم الذي كان مقيماً به بالتليفون فقيل لي إنه ليس موجوداً وكان ذلك قبل الظهر. عاودت الاتصال بعده فقيل إنه على المائدة. وأخيراً اتصلت مدة ثالثة ورجوت محدثي أن يبلغ حضرة الدكتور رجائي أن يتفضل باستقبالي في الوقت الذي يحدده، وتركت له رقم تليفون المنزل الذي كنت مقيماً به. وهأنذا لا لأزل أنتظر الرد من المواطن الجليل!

أرأيت إذا، قارئي العزيز أنه قبل أن تطلب من الأزهر أن يكون كأمثاله من جامعات أوربا، يجب أن نطلب من كبار رجالنا وخاصة الذين عرفوا أوربا وتخرجوا في جامعاتها، أن يكونوا كرجالاتها!

ذلك خاطر أوحى إليَّ به كلمة الأخ الجليل محمود الشرقاوي. على أني أرى أن ذلك ليس معناه ألا نطالب بإصلاح الأزهر؛ بل على الضد من هذا أعتقد أن الأمر جد، وأن الأزهر في حاجة ماسة للإصلاح، وأنه واجب ديني ووطني أن يساهم كل قادر في هذا السبيل برأيه وجهده. إن الأزهر إن تخلف طويلاً عن القافلة تناساه الناس وطواه الزمن فصار من أحداث التاريخ، وحينئذ لا قدر الله يذهب آخر مجد من أمجاد مصر التالدة ويضيع المعقل المنيع الباقي للإسلام، والله يهدينا طريق الرشاد

محمد يوسف موسى

المدرس بكلية أصول الدين