مجلة الرسالة/العدد 360/القصص

مجلة الرسالة/العدد 360/القصص

ملاحظات: بتاريخ: 27 - 05 - 1940



قصة واقعية

إنه أخي. . .

للأستاذ محمد سعيد العريان

كان المطر ينهمر، والريح العاصف تحمل قطرات الماء إلى وجوه المارة وثيابهم، فتغمض عيونهم، وهم يسيرون على حيد الطريق في حذر ورقبة خشية أن تزلق أقدامهم فيتدحرجوا في الوحل، والسيارات منطلقة براكبيها من ذوي اليسار والنعمة، فتقذف عجلاتها رشاش الماء على جانبيها فيصيب وجوه الناس وأرديتهم، لا يكادون يدفعون عن أنفسهم شيئاً مما تقذفهم به الأرض أو تنالهم به السماء

وكان الليل في أوله. . .

وفي مُنْعطَف يُفضي إلى أربعة بيوت في حي (شبرا) كان فتى دون الثلاثين واقفاً تحت السماء وقفة مرتقب وعيناه معلقتان بنافذة مغلقة، لا يزيد على أن يرفع ليها عينيه حيناً، وإلى الطريق العام حينماً آخر، وهو واقف، والساعات تمضي، والمطر ينهمر، والريح تلطم وجهه بقطرات الماء، وفي يده ورقة مطوية. . .

وكان بوابو البيوت الأربعة مجتمعين وراء أحد الأبواب، وبين أيديهم نار يصطلونها وهم يسمرون، وكان لكل أسرة من سكان البيوت الأربعة حظ من حديثهم وسمرهم؛ وهل يجتمع مثل هؤلاء إلا لمثل ذاك؟ وكانوا في غفلة عن الفتى، والفتى عنهم في غفلة. . .

وطال الانتظار بالفتى ونال منه البرد القارص، ونفذ الماء من ثيابه إلى جسده، وكان شعره الأشعث يقطر ماء على جبينه؛ فلم يتنبه إلا من بعد هذه الشرفة التي تلقي ظلالها على جانب من الطريق، فأوى إلى ظلها يحتمي من المطر والريح في هذه الليلة الباردة. . .

. . . لولا ثيابه الحائلة، ونظراته الضارعة، وذلك الفتور في عينيه، وهذا الشحوب في وجنتيه، ولولا هذه اللحية التي لم يمسها حدّ الموس منذ أيام - لحسبه من يراه عاشقاً قد أضّله هواه فأخرجه في هذا الجو العاصف، يرجو موعداً أو يتزود بنضرة. . . ولكن على وجهه سمات ليس مثلها في وجوه العشاق! ولكن. . . ما هذه الورقة المطوية في يده. . . فلعله رسول. . .!

وأخذته عيون البوابين وهم في حلقتهم يصطلون ويسمرون، فتهامسوا وضحكوا؛ وأحس الفتى وقع نظراتهم، فاستحيا، ثم تغافل ولوى عنقه. . .

لم يكن ذلك موقفه الأول. لقد طالما وقف (حسّان) هذا الموقف من قبل، وطالما أمتدّ به الانتظار في هذا المنعطف ساعات؛ حتى إذا ما انفتحت النافذة المرموقة أسرع إلى الباب وصعد، أو كتب ورقة في حاجته فبعث بها مع البواب

من أجل ذلك كان مألوفاً لسكان الحي أن يروه في موقفه ذاك، وأن يسكتوا، ولكن أحداً منهم لم يحاول أن يعرف ما وراء هذا الموقف من سر. ولكن بواب البيت كان يعرف فأسر النبأ إلى صفوته من بوّابي الحيّ. . .

وهجست الهواجس في ضمائر سكان البيوت الأربعة، فكان لكل واحد مع أهله حديث. . . وتناثرت الإشاعات ثم اجتمعت، فإذا على ألسنة السكان جميعاً خبر واحد: هو أن للسيدة فلانة سرًّا تحاول أن تخفيه إلا عن الفتى وعن البواب. . .

. . . لو وقف (حسان) مثل هذا الموقف كل يوم مرات في غير هذا المنعطف ما أحس به أحد ولا سأل عن خبره سائل. كم فتى، وكم فتاة، وكم رجلاً، وكم امرأة - يمشون كل يوم، ويقفون، ويتواعدون، ويتلاقون على أعين الناس في الشوارع الحافلة، ثم يودع بعضهم بعضا ويمضي لوجهه؛ فلا يثير أحد منهم فضول عابر ولا يسأل عن خبره سائل. ولكن هنا، في هذا المنعطف الذي يُغْلق بابُه على بيوت أربعه قد تعارف سكانها فرداً فرداً فلا يكاد يخفى على أحدهم خبر جاره - هنا في هذا المنعطف كان وقوف حسان مثار فضول ومبعث ريبة

ولم يكن حسان عاشقاً ولا رسولاً ولكنه أخو السيدة فلانة زوج الطبيب فلان. . .

هل يصدق أحد؟ ولكنها الحقيقة. . .

هذه السيدة التي يراها من في أبهتها كأنها أميرة، أخت هذا الفتى البأس الشريد الذي يقف كل يوم هذا الموقف ساعات، تحت المطر الهاطل، وفي مهب الريح السافية، وفي أتون الشمس المحرقة يترقب، ينتظر اللحظة المناسبة ليكتب إليها فيعود له البواب فيضع في يده بضعة دراهم؛ ثم يمضي، ليعود بعد يوم، أو بعد ساعات فيقف موقفه يترقب، وفي يده ورقة مطوية. . . . .

ماذا كان حسان في أوليته وماذا صار؟

لقد نشأ في بيت رفيع العماد عالي الذرا، ثم كان له ولأخته ما خلف أبوهما من ثروة ومال، وكان تلميذاً في المدرسة يوم مات أبوه، وكانت أخته مسمّاة على الفتى الذي صار له من بعد. . .

. . . وآلتْ ثروة أبيه جميعاً إليه، وإنها لثروة. وهجر الفتى مدرسته ومضى على وجهه يبيع اللذات ويشتريها، ونصب الشيطان له حبائله من الفراغ والشباب والمال. . .

وانتقلت أخته إلى دار زوجها وخلفت قصر أبيها بما فيه، ولكن قصر أبيه كان أضيق من أن يتسع له، فأغلق بابه ومضى ينتقل بين أندية اللهو ومجالي الهوى ومسارح الشباب، وبسط يده على موائد الشراب والقمار، وتقاذفته الأقدارُ قَدَرٌ إلى قدر، وأغمض عينيه وسبح في أوهامه، وطارت به أمانيه ثم سقطت؛ وفتح عينيه فإذا هو وحيد شريد صفر اليدين من المال والصحاب. . .

وذكر أخته بعد سنين من القطيعة، فراح يشكوا إليها؛ ودمعت عينا السيدة رثاء لأخيها وشفقة عليه؛ ثم ذهبت إلى صوانها ففتحته وعادت له بما تملك. . .

وخرج الفتى من مجلس أخته برأس مال صالح لو أنه أراد. . . وكان يريد، ولكنه رأى أن يودَّع ماضيه بليلة ساهرة من ليالي الهوى والشباب، ثم يُصبح. . . . . .

وأصبح. . . وعاد كما بدأ. . .

واستمرت الكرة تتدحرج. . .

وعاد حسان إلى أخته بعد شهر، وقال لها وقالت له؛ ونهضت إلى صوانها ثم عادت فارغة اليد. . . وعاد زوجها من عمله، والتقى الثلاثة لقاء الأهل بعد فراق طويل. . .

وأسرت الزوجة حديثاً إلى زوجها، وباحت بما باحتْ وكتمت ما كتمت. . . وأخذ الثلاثة في حديث طويل. . .

. . . وقال الزوج:. . . نعم، مني المال وعليك العمل، إنها تجارة رابحة، وإنك بها لخليق أن تبلغ الغنى في سنوات، لو أنك. . .

وتعاهدا على الإخلاص والصدق، ووثقا عقد الشركة بالأيمان ودفع الزوج المال، وخرج حسان لأمره. . . ولمَ يعد. . . . . .

لولا الشهامة والبُقْيَا لكانت الفاصمة بين الزوجين، ولولا دموع السيدة. . .

وهمَّ الطبيبُ أن يرفع أمره إلى القضاء، ثم سكت؛ وماذا يردٌ عليه القضاء من ماله وإن غريمه مفلسٌ لا يجد رمقه. . .؟

وصبر على غيظ، وسكتتْ زوجه على حسرة وألم!. . .

وضاقت بالفتى أيامه، فعاد يتذكر أخته. . . وسعى إلى بابها وسأل، وكان زوجها في الدار، فتوارى الفتى يترقب، وطوى ورقة مكتوبة ودفعها إلى البواب. . . وصار هذا شأنهما من بعد. . .

وكان يقصدها كلما ضاق به أمره، ليس بين المرة والمرة إلا أيام، فتعطف عليه أخته وتنيله؛ ثم تقاربت مواعيده حتى صار له راتب مفروض في كل يوم. وبَصُر به الطبيب مرة وهو خارج فأخصى كأن لم يرى. وتجرأ الفتى من بعد فاستعلن، وراح يطرق الباب حين يشاء من ليل أو نهار يطلب ما يطلب، وترادفت مطالبه. . .

وضاق صدر الزوج ونفذ احتماله، فتصبرَّ. . . ثم علم من شئون حسان ما لم يكن يعلم، فغضب لنفسه. . .

لقد يكون من المحتمل أن يلقى الرجل ذا حاجة فيدفع إليه بعض ما يستعين به، ولقد يؤثره على نفسه بما يمنحه؛ ولكن منذا تطيب نفسه بأن يكون ما يدفع إلى ذي حاجة من ماله وسيلة إلى اللهو الحرام؟

هكذا قال الطبيب لنفسه فثارت ثائرته. إنه يشقى ما يشقى في تحصيل هذا المال، ليسعد به وليسعد غيره؛ لا لينفقه حسان على موائد الشراب والقمار!

وتحدث إلى زوجته بما في نفسه وإن كلماته لترتجف من الغضب، واستمعتْ زوجته إليه مطرقة، ثم خلَتْ إلى نفسها لتبكي. . .

ولم يكفُ حسان ولم تحرمه أخته، وعاد الأمر بينها وبين أخيها سراً كما بدأ، واستمرا المرعى فكشف الحجاب. . . وكان ما تنيله معروفاً ونافلة فعاد ضريبة مفروضة، وتكررت مطالبه وكثر مطلوبه، وألح إلحاح الجابي على مدين مماطل. . .

وتعود سكان الحي أن يروه كل يوم مرة أو مرات في موقفه ذاك ذليلاً ناكس الرأس، وعينيه إلى النافذة أو إلى الباب، حتى إذا أمكنته الفرصة وثب فكان على باب أخته، فحيناً يكون الأمر بينهما تشكياً واعتذاراً، وحينًا يكون تهديداً وصخباً وضجة، وهمَّ بأخته مرة يحاول أن يضربها لتعطيه. . تعطيه من مال زوجها ما يعينه على ثمن الشراب وتكاليف الشباب، ثم يتركها لأحزانها ويمضي لهواه. . .

وضاقت به أخته كما ضاق به زوجها من قبل. . .!

وقالت له مرة وفي عينيها دموع: حسان، ليتني كنت أستطيع، ولكني لا أطيق أن أخون زوجي في ماله، وإني لأستطيع أن أعطيك ما تستعين به على العيش، ولكن لا أعطيك للشراب وللقمار!

وضحك الفتى ساخراً وقال: الشراب والقمار! تريدين أن ترَّبيني؟. . . إذن فأنت لا تمنعين المال عني للعجز والحاجة ولكنك تحاولين تأديبي. . .؟

وبرقت عيناه وأطلت منهما نفس شريرة، فتراجعت أخته مذعورة تطلب الحماية في متاع الدار، ووثب عليها فصرخت. . . ثم خرج راضياً. . .!

وطال حديث الناس عن السيدة المصونة، وقالوا ما قالوا، وتناولتها الرّيب والظنون؛ وبلغها ما يقال الناس فزادت هماً على هم. . .

وأوصتْ البواب أن يردَّه إذا رآه وأن يحول بينها وبينه، وكانت في حال من الغضب خيَّلت إليها أنها تستطيع أن تنسى أن لها أخاً. . .

. . وجاء الفتى إلى موعده، وكان زوجها في الدار. . .

كان المطر ينهمر، والريح العاصف تلطم الوجوه بقطرات المطر، وعجلات السيارات في سرعتها تقذف رشاش الماء إلى وجوه الناس وثيابهم. . . والفتى في موقفه لا يحس برد الليل، ينتظر غفلة ليصعد إلى أخته

وكفَّ المطر، وهدأت الريح، وانفتح الباب وخرج الطبيب لبعض عمله؛ فتسلل حسان إلى الدار. . .

ومضت لحظات قبل أن يسمع البواب من يناديه، فصعد؛ وقالت السيدة في غضب وثورة: ألم أطلب إليك. . . ألم آمرك أن تمنعه. . .؟

وأطاع البواب فهمَّ بالفتى ليطرده، ونشبت معركة. . .

وكنت خارجاً لبعض شأني أخذ عيني هذا المنظر. . .

وكان شرطي يسوق الفتى وقد اجتمع عليه البوابون الأربعة والفتى يتوسل، ودخلت في الزحام أريد أن أعرف، وكانت عينا حسان إلى النافذة، وثمة سيدة تنظر. . .

ورأيت الفتى الذي أخذتْه عيناي من قبل مرات، وكان يبكي وينظر إلى النافذة. . . وكانت السيدة تبكي له. . .

وقال البواب: لقد أمرتني. . . أمرتني أن أدعو له الشرطة، إنه لا يكف عن مضايقتنا ليل نهار. . .

وقال الفتى بذله: اسألها يا سدي إنها. . . إنها لا تريد. . .

وقالت السيدة وصوتها يقطر أسى: دَعُوه. . .!

وغضبتُ وثارتْ غيرتي. . وذهبتْ نفسي مذاهب من الريبة وسوء الظن، وأطل الفضول من نوافذ البيوت الأربعة. . . وتوقع الجيران أن يشهدوا فضيحة. . . وظنوا الظنون. . .

وعاد الفتى يتوسل، والبواب يتشدد، ويد الشرطي في عنق الفتى وعيناه إلى هناك. . . وعادت السيدة تقول في ضراعة: دعوه أرجو أن تتركه يا سيدي؛ إنه. . . إنه أخي. . .!

وأغلقتْ النوافذ المفتوحة، وتوارت الرؤوس المطلة، ومضى الشرطي والبواب بالفتى؛ وجلس الجيران يتهامسون؛ وكانت سيدة تجلس وراء النافذة وحدها، في وجهها أظفار دامية وفي عينيها على الذي أدماها دموع. . .

محمد سعيد العريان