مجلة الرسالة/العدد 37/ذكرى. . .

مجلة الرسالة/العدد 37/ذكرى. . .

ملاحظات: بتاريخ: 19 - 03 - 1934



// لم يطل ليلى ولكن لم أنم ... ونفى عني الكرى طيف ألم

. . . ولكنه لم يكن طيف غرام ولا خيال غانية، ولم يكن صدا هذا الذي عقد طرفى بالنجم، ولا بعدا هذا الذي أغرى بي الهم، ولكنها ذكرى!

كن ما استطعت قوي العزم، عصي الدمع. فسيصهرك الأسى وسيقهرك الدمع، سيلاحقك هذا الطيف، ستستبد بك هذه الذكرى

مصر في أمر مريج: رجال هنا وبنود، ورصاص هناك وجنود، هنا حق مغلوب أبي، وهناك باطل ظلوم قوي، هنا رجال أقوياء بحقهم يزيدهم الإيمان غلوا؛ وهناك رجال أقوياء بسلاحهم يزيدهم الظلم عتوا، ولكن الحق من روح الله فهو نصيره، والباطل من عمل الشيطان فالخذلان مصيره.

الشوارع يومئذ تزخر بأمواج المتظاهرين الثائرين، الشباب دائماً في الطليعة، الرايات الخضر تتردد خفاقة بين أحضان الريح، الموسيقى تعزف أنشودة (الحرية أو الموت) الصليب والهلال يتعانقان بعد أن محت وحدة الألم ما أقره في الأذهان المريضة صاحب (فرق تسد)، السيدات يلوحن من النوافذ بالمناديل والأعلام، ويهتفن في اتصال وانفعال. . بل إني لألمح فتاة شقراء يلفها العلم الأخضر تتقدم الصفوف، وتهتف في صوت حزين رهيب تخنقة العبرات ونبرات طويلة حلوة (شجرة الحرية تروي بالدماء - في سبيلك يا أماه نستشهد)

لقد كنت تلميذاً صغيراً يومئذ، ولكن اسماً وتاريخاً ما زالا محفورين في قلبي. أما التاريخ فهو 19 مارس 1919 وأما الاسم فهو (مصطفى ماهر أمين) الطالب بالسعيدية!! لقد كان مصطفى يقود الصفوف، وصدى المدافع يصم المسامع، والهول يأخذ على الناس كل طريق، وقد انبثت أسباب الموت في كل مكان، وتقسم الجنود الشوارع ينثرون على الجموع رشاش الهلاك، مصائب بعضها فوق بعض

ولكن مصطفى ماض في عزم، راض في ايمان، يحمل العلم عاليا خفاقاً، ويحتمل الألم راضياً فخوراً، عيناه تشعان نوراً وصدره يلتهب نارا وسعيرا، شفتاه تقذفان شرراً، ووالله ما رده اليأس ولا الخوف، ولا صده العنف ولا الضعف، يسوقه الإيمان ولا تعوقه النيران، يدفعه الإخلاص ولا يمنعه الرصاص: رجل والرجال في الدنيا قليل، وهناك. . . عند شجرة الحرية سالت دماء الرجال والرجال في مصر كثير، وفي لهيب المجد تراكم الوقود من الجنود، وعلى مذبح الفداء تزاحمت من الضحايا الوفود.

طلعت الجنود الإنجليزية من إحدى المنعطفات وراحت مناجل الموت تحصد زرع الوطن، والشباب مع ذلك يستبق إلى الحتوف كلما ذاب صف تقدمت صفوف، ثم سقط مصطفى فتدفقت لرفع العلم ألوف. ويلاه! ما أمر الذكرى ولكن ما أحلاها!! لقد رأيت مصطفى قبل أن يسلبه ملك الموت سر الحياة: عيناه تبسمان في رضا وإيمان، الألم يمزق ضلوعه، الدم يدفق من فمه، شفتاه تهمسان بكلمات خافتة، اكبر اليقين أنها تسبيح بمجد الوطن.

ورأيت الضابط الإنجليزي الذي صرعه بمسدسه على خطوات منه، ورآه كذلك مصطفى، فكأن رؤيته له حلت عقدة من لسانه فهتف (فداء الوطن - لتحيى مصر) ثم أغمض مصطفى عينيه ونقل إلى المستشفى حيث استرد الله فيه وديعته.

هذه هي الذكرى التي حطمت أعصابي أمس، وأزجت إلى روحي الحزن، وكلفتني قطرات من الدمع، ولكني رغم كل شيء لم أتمالك أن ابتسمت من خلال الدموع، لأن في مصر رجالا يعرفون كيف يستحب الموت. حين تكون في الموت حياة. . .

لست أشك أن ذكرى مصطفى - أول الشهداء - قد مست من قلوبكم مكامن الحسرة، بل إني لا أغلو إذا قلت إن غير قليل منكم ترجحت في عينه دمعة أو دمعتان وجرت في عروقه هزة عنيفة، بل سأمضي إلى أبعد من هذا، فازعم ان بعضكم سيقاسي الذي قاسيت من سهد وجهد في دفع الأرق!

أيها الناس! اذكروا (مصطفى ماهر أمين) فقد مات لتحيوا! أيها الوطن! اذكره فقد جاد بدمه لتكتب به سطوراً في صفحة الحرية والمجد والخلود، والجود بالنفس أقصى غاية الجود

أيها الخلود! سجل اسمه في سفر الأبطال الخالدين

أيتها الجنة: التي أعدت لمن أحسن عملا. أعدي له مكاناً بين الشهداء والصديقين. . .

وأنت يا رب. أكرم مثواه وابسط عليه جناح رحمتك، فقد مات في الشباب

محمود البكري القلوصناوي