مجلة الرسالة/العدد 37/من طرائف الشعر

مجلة الرسالة/العدد 37/من طرائف الشعر

ملاحظات: بتاريخ: 19 - 03 - 1934



إلى الشتاء

للأستاذ محمود الخفيف

أيها الراحل العنيد وداعا ... قد سئمناك من زمان بعيد

كم تظاهرت بالرحيل خداعا ... فظننا خطاك تمضى تباعا

فإذا أنت مقبل من جديد!

طال شوقي إلى الربيع فهيا ... يا شتاء حويت كل عجيب

مذ تراأيت مكفرا عتيا ... تنذر الناس بكرة وعشيا

بضحى شاحب وليل كئيب!

حين أقبلت يا شتاء علينا ... في بنود من السحائب سود

جئت قبل الأوان تسعى إلينا ... وتوغلت في الربوع لدينا

بين دمع الحيا وضحك الرعود

هازئا بالغصون ألقيت حلاها ... وتعرت على امتداد الضفاف

ولَّه الطير عريها فتراها ... نازحات تغربت عن حماها

في فروع الكروم والصفصاف

وترى كل جدول أو غدير ... ناضب القاع بعد طول امتلاء

يشتكي الجدب في زمان مطير ... ويطيل السكوت بعد خرير

قبل لقياك كان حلو الغناء

شبح أنت يا شتاء مخيف ... ماثل الطيف دائماً في خيالي

قارس البرد زمهرير شفيف ... عاصف أينما حللت عنيف

هيكل قدّ من سواد الليالي

لست أنساك حين لحت عشاء ... فوق كوخ تناوبته الرياح

لم يجد ساكنوه منك وقاء ... فتراهم أذلة أشقياء

ما دجا الليل أو تراءى الصباح

لست أنساك إذ تمثلت يوما ... شبحا لاح في زوايا الطريق أورئته الحياة بؤساوهما ... شاحب الوجه زاده الجوع سقما

ناحل الجسم في كساء عتيق

أنت كالدهر قُلَّبِيٌّ كذوب ... لا يروق العيون منك صفاء

هادئ تارة وطورا غضوب ... يعقب البشر ان صحوت قطوب

مثلما يعقب النعيم شقاء

أيها المُؤْذِني بليل رهيب ... وصباح مجلل بسواد

ونهار هامي الدموع كئيب ... لست أقسى إساءة من حبيب

لج في الصد بعد طول وداد

يا شتاء شيعته في جفاء ... لست أقسى من الجهول الظلوم

لست أقسى عداوة من مراء ... أو جحود فؤاده من عداء

مشرب اللون من سواد الغيوم