مجلة الرسالة/العدد 401/البريد الأدبي

مجلة الرسالة/العدد 401/البريد الأدبي

ملاحظات: بتاريخ: 10 - 03 - 1941



خصومة لا عداوة

رأى جماعة من كبار المفتشين وهم الأساتذة جاد المولى بك ومحمد علي مصطفى ومحمود محمد حمزة ومصطفى أمين وأحمد علي عباس، رأى هؤلاء الأكابر بأخلاقهم وآدابهم أن أقف الجدال الذي أثَرتُه في وجه الأستاذ السباعي بيومي، وحجتهم أنه وصل إلى درجات من العنف تؤذي كرامة المشتغلين بخدمة اللغة العربية

وأنا أجيب هذه الدعوة، لأنها أول دعوة كريمة صدرتْ لكفّ الشر بيني وبين من أخاصمهم بقلمي لا بقلبي، فلم أسمع مثل هذا الصوت يوم خاصمتُ رجالاً أعزّاء لم يكن يسرني أن يفصم القلم ما بيني وبينهم من عهود

وإنصافاً لنفسي أقول: إني كتبت ما كتبت وأنا أبتسم. فأنا قد أُخاصم، ولكني لا أعادي. فما استطاعت الدنيا بأحداثها الفواتك أن تضيفني إلى أرباب الضغائن والحقود، وإلا فما هي البواعث التي تفرض أن أخص الأستاذ السباعي بالعداء وهو صديق قديم؟

أنا أُتهم بالقسوة والعنف بغير حق، فما كان من همي في كل ما أثرت من المجادلات إلا إيقاظ الروح الأدبي واللغوي. أما إيذاء الأدباء والباحثين فهو معنى لا يمر بخاطري، لأني أرجو دائماً أن يكون الهدم على عنفه من صور البناء

كان سبب الخلاف هو تبرئة الشيخ المرصفي من تهمة الغرور فما يكون الرجل مغروراً إلا حين يدعي ما لا يملك، والمرصفي من أقران المبرد، وجهد المرصفي في شرح الكامل قد يكون أعظم من جهد المبرد في تأليف الكامل، وستُعرف هذه الحقيقة يوم يقام في هذه البلاد موازين صحيحة لأقدار المفكرين في القديم والحديث. . .

أنا أديت واجبي في صيانة سمعة الشيخ المرصفي، فماذا صنع تلاميذ هذا الإمام الجليل، وفيهم أحمد حسن الزيات، ومحمود حسن زناتي، وعلي عبد الرزاق، وطه حسين؟

ولكن كيف يصنع أولئك الأساتذة في البر بذلك الإمام الجليل. . .؟

أنا أدعوهم إلى تأليف لجنة أدبية يكون عملها إنقاذ مؤلفات الشيخ المرصفي من الضياع. وأخص بالعناية شرح المرصفي على (أمالي القالي) فقد أخذ من وقت شيخنا العظيم سبع سنين، وهو لا يقل عظمة عن شرح الكامل، وقد يفوقه في أشياء منذ نحو ثلاث وعشرين سنة وقف الخطباء والشعراء في المدرَّج الذي أنشأه الوزير علي مبارك باشا في ديوان المعارف بدرب الجماميز، وقفوا يرثون الشيخ حمزة فتح الله، وكان فيهم محمد الهراوي وعلي الجارم ومحمد الخضري، ثم وقف خطيب خُتمت خطبته بالدمع، فمن هو ذلك الخطيب؟

هو الأستاذ الشيخ محمد المهدي بك، أول أستاذ تلقيت عليه دروس الأدب بالجامعة المصرية؛ فقد كان في خطبته أن جماعة من المستشرقين أرادوا أن يشتروا مخطوطات الشيخ حمزة فتح الله وأنه أجاب: هذه المخطوطات ملكٌ لوطني!

وقد بكى الشيخ المهدي فأبكاني حين فاه بهذا التصريح النبيل

وأنا من جانبي أذكر أن الشيخ المرصفي كان يصلي العصر بالأزهر منذ نحو عشرين سنة وبجانبه رجل يترصدّه من جماعة الناشرين؛ فلما انتهى الشيخ من صلاته أقبل الناشر يقول: أرجو فضيلة الشيخ أن يبيعنا حق النشر لشرحه على الأمالي. فصرخ الشيخ: هذا شرح لا يشتريه إلا ملك!

وكان ذلك آخر العهد بشرح المرصفي على الأمالي، ومصرُ لا تخلو من عقوق إلا أن يتفضل أستاذنا الشيخ محمد مصطفى المراغي فيشتري هذا الشرح من الورثة قبل أن يضيع كما ضاعتْ مئات وألوف من آثار أصحاب الفضل بهذه البلاد

إن نفعتْ هذه الفرصة بعض النفع في إنقاذ بعض مؤلفات الشيخ المرصفي فسيكون من حقي نحو ضميري أن أتناسى الإيذاء الذي صوَّبته إلى الأستاذ السباعي بيومي، وإلا فسأذكر أني أهنت رجلاً وادعاً بلا نفع ولا غناء، فما آثرت ميدان النقد الأدبي إلا لغرض نبيل هو إيقاظ الغوافي من العواطف والقلوب

المهم هو الظفرٍ محقق لخدمة اللغة العربية، فأين من يستمعون هذا الصوت فينقذون مؤلفات الشيخ المرصفي من الضياع؟ وأين من يذكرون أن الشيخ المرصفي كان أول رجل أقام دولة للأدب واللغة في مطلع العصر الحديث؟

أما العبارات التي آذيتُ بها الأستاذ السباعي بيومي والتي استوجبتْ أن يتوسط بيني وبينه أولئك الأكابر من المفتشين، وهم لي وله إخوان، فأنا أراها عبارات هينة رقيقة، على شرط أن تنبه الغافلين من تلاميذ المرصفي العظيم، وإلا فهي إثمٌ اجترحتُه في بلاد لا تعرف حقوق الرجال.

زكي مبارك

تصويبات

حضرة الأستاذ الجليل صاحب (الرسالة)

1 - قرأت في العدد 397 من الرسالة الغراء كلمة للدكتور زكي مبارك، توجيهاً لغلطة في ضم الظاء من كلمة (الظرف). فقد قال: (أنا أقول إن الظرف قد أخذ حكم اللطف من طريق الإتباع، ثم بقى له الحكم مع الانفراد. . . والمصريون عرب، وهم لا يخطئون في لغتهم عن جهل، وإنما (يخطئون) لأسرار قد تخفي على بعض القراء، فنتوهمهم مخطئين وهم على صواب) الخ ما قال

ومعنى هذا كله أن الدكتور قد أخطأ، فشقّ عليه أن يعترف بالخطأ، فراح يتلمس أمثال هذه العلل. نحن لا ننكر أن جمهرة المصريين من أصل عربي، وأن لغتهم تتكون من لهجات القبائل العربية التي نزحت إلى مصر، وأنها تشتمل على كثير جداً من الفصيح، وعلى كثير جداً مما يحتاج إلى يسير من التهذيب والصقل حتى يعود صحيحاً. ولكنا ننكر أشد الإنكار أنهم لا يخطئون في لغتهم، بل الخطأ والتشويه فاشيان في صميمها. وما ظنك بأمة خالطت الأعجام من كل جنس قروناً وأحقاباً طوالاً. ولخطر المخالطة والامتزاج جَدّ السلف من اللغويين في ضبط اللغة ووضع قواعدها وجمع مفرداتها من أفواه العرب الخلّص، حفاظاً عليها من أن تتسرب إليها العجمة والتشويه. أفبعد كل هذه المخالطة والامتزاج نجرُؤ أن نحتج بكلام المصريين وضبط للألفاظ؟

ألا إن هذا المذهب إغراء صريح للشباب بالاستهانة بالبحث وأخذ اللغة من مصادرها الصحيحة

وقد اذكرني هذا أني رأيت في الرسالة منذ قريب كلمة لفاضل نبّه فيها الدكتور على أنه من غير الصواب أن يقول: (أمكن له) لأن الفعل متعد بذاته، ولكن الدكتور لم يجبه. وبينما كنت أتصفح للدكتور من بعد ذلك مقالاً في (الرسالة)، وجدته يُؤْثر الخطأ نفسه، حتى لا يقال - فيما أظن - إنه اعترف بأنه أخطأ. وقد يجيب الدكتور عن هذا بأن المصريين يقولون: (أمكن له) فهو صحيح!

2 - نشب حوار في (الرسالة) بين الدكتور زكي مبارك والأستاذ إسماعيل مظهر حول معنى (الجيل). فأنكر إسماعيل مظهر المعنى المُتعالَم للجيل، وهو أهل الزمن الواحد. وقال إن الكلمة التي تؤدي هذا المعنى هي (الأهل)، وساق نصاً من الأغاني يؤيد رأيه وقال - مستنداً إلى ما اطلع عليه من المعجمات - إن الجيل هو الصنف من الناس، فالمصريون جيل، والترك جيل. . . الخ، وأصر الدكتور زكي مبارك على أن المعنى المتعالم يُقصد أيضاً من (الجيل)، ووعد بمواصلة البحث حتى يأتي بالدليل. ولكنه لم يأت به بعد

وإني أدله على دليل: ففي (المصباح المنير) في مادة (ق ر ن) ما يأتي: (والقرن الجيل من الناس. قيل ثمانون سنة. وقيل سبعون) فأنت ترى أن للجيل معنيين قد نُص عليهما

أما (الأهل) التي بها الأستاذ مظهر من الأغاني فيظهر أنها قد تنوسيت لذلك المعنى. فأهمل استعمالها

3 - قرأت في مجلة (الثقافة) كلمة تحت عنوان: (مفاتح جمع مفتح لا مفتاح) قال فيها الكاتب بعد كلام: (والواقع أنه (أي مفتاح) جمع مفتح بالكسر. وهو الآلة التي يفتح بها. أو جمع مفتح بفتح الميم. وهو المكان لا جمع مفتاح. . . الخ. ولو كلف الكاتب نفسه المراجعة لما قال هذا القول. ففي المختار: (والمفتاح مفتاح الباب. وكل مستغلق. والجمع مفاتيح ومفاتح أيضاً). وفي هذا كفاية. ولا ضرورة لهذه الفلسفة الصرفية التي لجأ إليها الأستاذ الكاتب

ا. ع

صواب بيت

في عدد مضى من الرسالة، كتب الأستاذ الباحث (عبد المتعال الصعيدي) كلمة قصيرة، بعنوان خطأ بيت في النحو، اتهم فيها علماء النحو - جميعاً - من يوم أن كان هذا الفن بالبصرة والكوفة إلى أن باض وأفرخ في صحن الأزهر الشريف، ونسب إليهم من السهو والغفلة الكثير الجم، إذ أجمعت مؤلفاتهم وأفكارهم على أن (أو) في البيت:

لأستسهلن الصعب أو أدرك المنى ... فما انقادت الآمال إلا لصابر بمعنى (حتى) التي هي للتعليل أو الغاية وقد هداه بحثه إلى أن هذا المعنى الذي جاءت له (أو) لم يكن واحداً مما استقصاه ابن مالك في قوله:

خيْر أبح (يأو) وأبْهِم ... واشك وإضراب بها - أيضاً - نمى

وربما عاقبت الواو إذا ... لم يلف ذو النطق للبس منفذا

والذي يقرأ الكلمة لأول وهلة، يخيل إليه أن الأستاذ هدم ما بنى البانون، وقوض ما شيد المشيدون في حين أن المسألة - كما يقولون - ليست مما يقال في أمثالها (قضية ولا أبا حسن لها) فإن هذا الذي يقوله ابن مالك، خاص (بأو) التي تتمخض للعطف. . . أما هذه فإنها تكون بمعنى (إلى) إذا كان ما قبلها مما ينقضي شيئاً فشيئاً كالبيت المذكور. . . وتكون بمعنى (إلا) إذا كان مما ينقضي دفعة واحدة. . . كقول زياد الأعجم:

وكنت إذا غمزت قناة قوم ... كسرت كعوبها أو تستقيما

وتكون بمعنى (لام التعليل) كما يقول القائل: لأعطين الفقير أو يرق لي قلبه. . . على أننا لو رحنا نتلمس (لأو) في كل هذه الأمثلة معنى حرف من الحروف التي جمعها صاحب (الألفية) في بيته - خير أبح إلخ - لما ضاقت علينا السبيل

وهل المعنى في البيت (لأستسهلن الصعب) سوى (ليكونن مني استسهال الصعب وإدراك المنى). . . وهكذا دواليك. . . وقد كان مما يؤثر عن علمائنا، أن نكت النحو - كالورد - تشم ولا تدعك.

إبراهيم علي أبو الخشب