مجلة الرسالة/العدد 410/البريد الأدبي

مجلة الرسالة/العدد 410/البَريدُ الأدَبي

مجلة الرسالة - العدد 410
البَريدُ الأدَبي
ملاحظات: بتاريخ: 12 - 05 - 1941



الملاح التائه

وأخيراً عاد (الملاح التائه) إلى مرفأه الأول يتزود من روح خالقه ويزداد. عاد وهو ينشد دعاء سيده الشاعر لحبيبه الهاجر:

فاجعل البحر أماناً حوله ... واملأ السهل سلاماً واليفاعا

وقُد الفُلك إلى بر الرضى ... وانشر الحب على الفُلكِ شراعا

ولله ما لقي الملاح التائه تحت الشراع المضطرب على ثبج البحر الهائج من تصاوير الشر وتهاويل الموت! كان زورقه الفضي الراقص ينساب بين الغواصات والمدمرات والبوارج كما تنساب عروس الماء بين عمالقة التماسيح والتنانين في نهر العَدم. كان نشيده في وسط الزعازع كصوت السلام في وغى الحرب. وكلمة السلام لا تبيد ولا تخفت لأنها من الحق وإلى الأبد. وهي على كل حال وفي كل وقت حجة في فم الطاغية الفاتك يبرر بها الحرب الضروس، كما يحلل الذابح بذكر الله الدم المسفوح!

ليس (الملاح التائه) قصائد أجراها علي طه على بحور الخليل؛ وإنما هو نبضات قلب، وخلجات نفس، ولفتات ذهن، صاغها الفنان الموهوب أناشيد يرددها المجهودون والمعمودون ومن شق عليهم أن يبصروا ومضات المنار على خِضم الحياة

صاغها أناشيد يتسع الخيال فيها اتساع اللانهاية، ويعمق الفكر فيها عمق الأزل، ثم تعيها ألفاظ مونقة متخيرة كزهرات الطاقة المفوَّفة نسقتها يد عاشقة شاعرة

كان ديوان (الملاح التائه) يوم ظهر في طبعته الأولى حادثاً أدبياً استفاض حوله الحديث، واستطال به الشعر، وانتعش على حسابه النقد. ومن النادر أن نال شاعر ما نال علي طه من تقدير أعيان الأدب وتكريم أقطاب الصحافة. ذلك لأن علي طه شاعر بالمعنى الأخص الذي تريده السليقة والصنعة من لفظ الشعر. واليوم يظهر في طبعته الثانية على فترة يسيرة من ظهور شقيقه (ليالي الملاح التائه) فيضخُم ويعظُمُ بالديوانين ديوان الألحان في موسيقى الشعر الحديث.

الزيات

مسابقة القصة ذكرنا من قبل ما علمناه عن المسابقة القصصية التي تعتزمها وزارة المعارف. ونزيد اليوم أن معالي الوزير قد أصدر قراراً وزارياً بذلك؛ وهذا نصه:

تحتاج وزارة المعارف إلى قصة مصرية في نحو مائتين وخمسين أو ثلثمائة صفحة يكون موضوعها مصرياً من أحداث التاريخ الماضية أو وقائع الحياة العصرية، وأن تكون في مستوى المثقف المتوسط صالحة بذلك لأن يقرأها تلاميذ المدارس الثانوية وتلميذاتها داخل المدرسة وخارجها، وأن تكون خالية مما ينبغي أن يتصون عنه الشبان والشابات، وأن تكون في لغة سهلة بأسلوب عربي صحيح تستسيغه جمهرة المثقفين، وبألفاظ واضحة لا يحتاج قارئها إلى معجم. وتترك لغة الحوار فيها إلى ذوق الكاتب وحسن مسلكه

وستمنح الوزارة الفائز الأول جائزة قدرها مائة جنيه، والفائز الثاني 75 جنيهاً، والثالث خمسين جنيهاً. وإذا تبين للوزارة صلاحية القصة لأن تدرس في المدارس للمطالعة فهي مستعدة لشراء حق تأليفها وفق القواعد المرعية

في تأبين محمد مسعود بك

كان حفلاً أدبياً رائعاً حفلُ تأبين المغفور له الأستاذ محمد مسعود بحديقة الأزبكية مساء الأربعاء 30 أبريل، سمعنا فيه من غرر المنظوم والمنثور، ما الفقيد به جدير.

واسمحوا لي أن أسجل هنا ظاهرتين غريبتين لفتتا نظري في هذا الحفل.

الأولى أن أكثر ما سمعناه من شعر - على جودته - كان أميل إلى الصنعة والتقليد، فيه من التشبه بالقدماء والمحدثين الشيء الكثير. فقصيدة الأستاذ حسين شفيق المصري هي هي مقصورة ابن دُرَيْد المشهورة معانيً وألفاظاً وقوافيَ، وقصيدة الأستاذ الأسمر هي هي (وحقك أنت المنى والطلب) قافية وبحراً بل. . . ولفظاً. يحضرني منها:

وماذا تقول بحور القريض ... وطوفان بحرك شئٌ عَجَب

أو نحوٌ من ذلك.

أما قصيدة الأستاذ الماحي فلعلها القصيدة التي انفردت بالطبع وقلة الصنعة، ويلوح لي أنها وليدة نفس فجعها المصاب أكثر مما فجع غيرها

هذا وإن لدي ميزاناً قلما يخطئ في نقد الشعر كان عمدتي في هذا الحكم. أما الميزان فهو أني أقرأ الأبيات الثلاثة أو الأربعة بإمعان ثم أنكس الصحيفة وأمتحن ذاكرتي، فكل بيت يحضرني فهو - عندي - جيد وإلا فلا

ولقد انصرفت من هذا الحفل وفي خيالي صدى يتجاوب لأبيات من قصيدة الماحي منها:

لم أنس قولك في حفلٍ سمعتَ به ... شعري وقد كنت تطريه وتطربني

أَجدت صوغ المراثي في أحبتنا ... فهل تراك إذا ما مت ترثيني؟

لبيك مسعود. . . . . . الخ

ألا ترى الصدق والطبع في هذا الشعر على بساطته؟

أما الظاهرة الأخرى ففي كلمة الأستاذ كامل كيلاني؛ ولا أدري إن كان غيري تنبه لها

ذلك أنه وقف فقال أول ما قال: (لقد ألم الذين سبقوني من الخطباء بما كنت أريد أن أقول، ولم يبق إلا الذي لم أكن أريد أن أقول، وهو ما سأقوله الآن). ثم أن الأستاذ أخرج أوراقاً وأخذ يتلو منها رثاءه وذكرياته عن محمد مسعود؛ ومضى يتلو من هذه الأوراق فصولاً من (رسالة الغفران) لشيخ المعرة ليدلل على أن مسعود لن يفوته الاشتغال بالتأليف والتصنيف في قبره

فليت شعري. . . هل أوحى الله إلى كامل كيلاني بما لن يقوله الخطباء فأعده ليلقيه من أوراقه. . .؟ أطَّلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهداً؟

(حدائق القبة)

محمد محمد رضوان

المدرس بالمدرسة النموذجية

زناتي:

في العدد (409) من (الرسالة) الغراء مقال للدكتور زكي مبارك ذكر فيه: (الشاعر المصري المجهول الشيخ أحمد زناتي)، (الشاعر الذي جهله المصريون وعرفه العراقيون)

فليأذن لي حضرة الدكتور أن أنبهه على أن الشاعر الذي يعنيه هو الشيخ عثمان زناتي الذي درس في الأزهر، وسلخ وقتاً غير قصير من حياته مدرساً للغة العربية بالمدرسة الحربية، ولا يزال كثير من أصفيائه يتحدثون بمناقبه، ويروُون شعره، ويتمثلون به وكان رحمه الله بين الفئة الممتازة من شعرائنا الذين ازدانت بهم أواخر القرن التاسع عشر وأوائل هذا القرن

ولم يبالغ الشيخ محمد المهدي في أن عدَّه (الشاعر الثاني بعد شوقي)؛ فقد روُيت لي منذ حقبة طويلة بعض قصائده ومقطوعاته، فأحسست من الرصانة والجزالة شيئاً كثير الشبه بشعر المتنبي والبحتري وأبي تمام. وليتني كنت قد دوُّنت إذ ذّاك ما سمعت؛ فإني والله لشديد الأسف على أن أفلتت مني هذه الفرصة. على أني عظيم الرجاء أن يُتاح لأنجاله (وهم - على ما بلغني - من صفوة المثقفين) أن ينشروا هذا التراث، حتى يضيفوا إلى ثروتنا الشعرية - في تلك الحقبة من تاريخ الأدب - فناً ممتازاً

أما الشيخ أحمد زناتي بك فأخو شاعرنا؛ وكان (أحد أساتذة اللغة العربية)، كما قال الدكتور، وتخرج في دار العلوم لنحو خمس وأربعين سنة خلت. فالتحق بخدمة سمو الخديو عباس حلمي، فعينه ناظراً لمدرسة (القبة) التي أنشأها على غرار المدارس الأولية الآن، ليتعلم بها بعض أطفال الطبقة الراقية في ذلك الحي. وكأني أذكر أن سمو الأمير محمد عبد المنعم تعلم بها فترة غير طويلة

وكان أحمد زناتي بك - إلى هذا - من ذوي المكانة والحظوة عند سمو الخديو، يشاوره ويجالسه، ويصحبه في رحلاته الصيفية إلى الآستانة وأوربا

ثم ألقى عصا التسيار في المرحلة الأخيرة من حياته العلمية بوزارة المعارف، فعمل في التفتيش، وتوفي سنة 1929 قبل أن يحال إلى المعاش، وتوفي الشيخ عثمان بعده بنحو خمس سنوات، على ما أخبرت

وكان الشيخ أحمد زناتي بك من دماثة الأخلاق وحميد الخلال بالمنزلة السامية؛ كما كان مضرب المثل في جمال البزة وطلاقة المحيا. ولقد خالطته طويلاً، فما رأيته مرة عابساً ولا مكتئباً ولا مضطرباً. وهذا نادر في الرجال

رحم الله الأخوين الكريمين وأجزل ثوابهما.

(ا. ع)

توجيه وأمل سيدي الأستاذ الزيات

تطالعنا في رسالتك الغراء ببحوث ممتعة ناضجة، تحلق فيها بفكرة سابحة جوالة، وتصقلها بعقلك المتزن الحصيف، ثم تُنمقها بقلم في يدك برته لك المواهب الممتازة التي خصك به وبها حكيم عليم

وتحمل إلينا في رسائلك فصولاً رائعة فاتنة يبثها إلينا من طريقك أولئك العباقرة الأفذاذ، والكتاب النابغون العلماء: تقتطفون الزهرات الفياحة من مختلف الرياض، وتلتمسون لنا في رحاب أفكاركم الفسيحة ما تنفسون به روح الحياة العلمية، وتبردون غلة النفس الصادية

لك يا أستاذنا العظيم، ولهؤلاء الصفوة الأخيار، من: الدكتور منصور فهمي بك، والدكتور زكي مبارك اللبق، والأستاذ الكبير العقاد، ومن هم أصحاب فضل علينا وعلى الناس في إبلاغ صوت (الرسالة) ندياً إلى الآذان من أسبوع إلى أسبوع. . . لكم الإحساس المرهف والتقدير الصادق والصوت المسموع؛ وفي أيديكم الأقلام، وعندكم الغيرة، وفيكم الأقدام

وقد عالجتم ولا تزالون تعالجون الكثير من نقائض المجتمع، وبحثتم ولا تزالون تبحثون عن مواضع الداء لتطبوها بما توفر لكم من قدرة وما وهبكم الله من حكمة

غير أن شيئاً واحداً هاماً لا أذكر للرسالة نظرة فيه، ولا عناية به، وهو عندي وثيق الصلة بأغراض (الرسالة)، وهدف كان ولا يزال مما يسر النفوس أن تأخذوا بالأسباب في إصلاحه، ذلك هو شأن الحياة الزوجية في مصر وما أحاط بها من سوء تأصلت جذوره وتشعبت فروعه، حتى باتت مهددة بالزهاد فيها من شباب الجيل الحاضر

أضنكم في غير حاجة إلى ما دب في نفوس الكثرة المتعلمة من كراهية للبناء العائلي، حتى سرت عدوى ذلك إلى الكبار، أو هي منهم بادئة، وسرت إلى الصغار أخيراً

يقول الناس: إن التفكير في هذا إنما يعنى ويتصل برجال الدين وعليهم الدعاوة له؛ فإن يكن هذا حقاً: أفتكون الرسالة في معزل عن الإدلاء بصوتها في شأن يتصل أكثر الصلة بالدين؟ ما أظن.

على أن المسألة فيما أعتقد مسألة اجتماعية، وما تكون للدين عناية بها إلا لأنها أساس الاجتماع؛ وأنتم في غنى عن هذا، بل في تعرض له الآن تطاول عليكم، وإنما يكون التعرض لقوم يجهلون شجعني على كتابة هذا إليكم وفي هذا الشأن بخصوصه أمور ثلاثة:

1 - ما نراه يتفشى من مرض العزوبة مع ما يلحق من تلاعب في الحياة بين الأزواج

2 - أنني بالذات تحدثت عن هذا في نبذة قصيرة بالإذاعة منذ أسبوعين، فتلقيت رسائل جمة تستحثني على الكلام كثيراً في هذا مما يدل على أن الأسرة المصرية في مضض وبحاجة إلى من يتلطف عليها بنظرة إصلاح

3 - أننا قرأنا للدكتور منصور بك فهمي كلاماً غاية في الجودة والصدق عن حالة المرأة في مصر، فهل له ولك أن تمدا الحديث إلى هذه الناحية قياماً بحق (الرسالة) عليكما للناس؟ إنا لمنتظرون، والسلام

(ع ف)

مدرس في كلية الشريعة

أسبوع الفنون الجميلة

كان الأسبوع الأخير من شهر إبريل الفائت أسبوع الفنون الجميلة حقاً، فلقد تفضل مولانا الملك حفظه الله فأفتتح معرض محبي الفنون الجميلة الحادي والعشرين الذي أقيم بسراي الفنون الجميلة، وذلك في صباح السبت 26 إبريل الماضي، ولقد دل ذلك على حب جلالة الملك للفن وعطفه على المشتغلين به، وإن أسرة الفنون الجميلة العليا لتتقدم إلى جلالته بأسمى آيات الشكر والولاء

كما كان الأسبوع الأخير من شهر أبريل هو أيضاً أسبوع مختار الفنان المثال، فقد أقيمت مسابقة للتصوير والنحت، وقد تفضلت السيدة هدى هانم شعراوي فتبرعت بجوائز مسابقة النحت كما تفضل صاحب العزة محمد بك ذو الفقار فتبرع بجوائز التصوير. وقد تكرم صاحب المعالي الدكتور محمد حسين هيكل باشا فأفتتح المعرض الذي أقيم في بهو المعرض بفندق الكونتننتال وذلك في يوم الخميس 24 من إبريل الماضي. . .

مسابقة مختار وقيس

أعلن منذ أكثر من شهر عن هذه المسابقة للنحت والتصوير وكان موضوعها (عروس النيل) فتقدم الكثير من المصورين الشبان بلوحات ذات موضوعات جميلة، كما تقدم الكثير من المثالين بتماثيل فنية تبشر بنهضة في فن النحت. وقد فاز بالجائزة الأولى في التصوير الأستاذ عبد العزيز خالد درويش وقدرها عشرة جنيهات، وفاز بالجائزة الثانية وقدرها خمسة جنيهات الأستاذ علي كامل الديب. وفاز بالجائزة الأولى في فن النحت الأستاذ فتحي محمود علي وقدرها 20 جنيهاً، وفازت بالجائزة الثانية السيدة فريدة كساب وقدرها 15 جنيهاً

ولقد أعجبتني كثيراً فكرة الأستاذ عبد العزيز خالد درويش فقد رسم منظر النيل ورسم العروس في مركب وحولها أشخاص يزفونها، بينما تخيل النيل في هيئة رجل وقف على الشاطئ في انتظار عروسه، فوفق إلى حد كبير في إظهار فكرته، فنهنئ الأستاذ درويش على توفيقه

معرض محبي الفنون الجميلة

أقيم هذا المعرض كالمعتاد بسراي الفنون الجميلة بشارع مجلس النواب وقد تبين من هذا المعرض تقدم محسوس للفنون في هذا العام، فقد أشتمل على أكثر من خمسمائة لوحة، ويسرني أن أسجل هنا الهمة المشكورة التي بذلها مدير وأساتذة وطلاب مدرسة الفنون الجميلة العليا. فقد قام بتنظيم المعرض وزخرفته الأستاذ حسين يوسف فوزي، وزين طلبة المدرسة السلم بمشاريع زخرفية جميلة. ولقد أعجبت بصور كثيرة أخص بالذكر منها صورة (المسيو جورج ريمون) مراقب الفنون الجميلة التي صورها وقدمها الأستاذ محمد بك حسن مدير مدرسة الفنون الجميلة العليا. كذلك أعجبتني صورة (الصديقان) للأستاذ الكبير يوسف كامل رئيس قسم التصوير بمدرسة الفنون الجميلة. وكذلك صورة (الدلالة) التي عرضها الأستاذ حسين محمود فوزي، و (اللبانة) من تصويره أيضاً وقد اشترتها وزارة المعارف العمومية، و (حياة القرية) للأستاذ صلاح الدين طاهر، و (فناء جامع) للأستاذ حسن البناني الرسام بدار الأبرا الملكية، وكذلك قدمت الآنسة كوكب يوسف صورة طريفة أسمتها (سعاد). ولقد أبدع الأستاذ محمود بك سعيد في لوحاته التي قدمها، وكذلك الأستاذ عبد العزيز خالد درويش في صورته (الرسام). هذا وقد زين الأستاذ صالح الشيتي بالفرقة القومية الصالة الخارجية للمعرض بمشاريع مسرحية مثالية كانت غاية في الإتقان والإبداع وقد اشترت معظمها وزارة المعارف وقد أعجبني من التماثيل المعروضة تمثال المرحوم عبد الحميد بك سعيد من عمل النحات المشهور الأستاذ مصطفى متولي، وكذلك تماثيل الأستاذ السجيني. وعلى الجملة كان معرض هذا العام موفقاً إلى حد كبير؛ إذ ظهر منه النشاط الذي ساد شبابنا في هذه الأيام؛ ولكن يؤلمني حقاً أن أذكر هنا أن فتياتنا المصريات لم يقمن بما كنا ننتظره منهن؛ فإن مجهودهن لا يكاد يظهر في هذا المعرض

أحمد كمال خواسك