مجلة الرسالة/العدد 411/مؤتمر

مجلة الرسالة/العدد 411/مؤتمر

ملاحظات: بتاريخ: 19 - 05 - 1941



للأستاذ عبد العزيز محمد عيسى

تسري الآن في نواحي الحياة المصرية حركة مباركة تبشرنا بعهد زاهر من عهود الإسلام التي يذكرها التاريخ بالفخار

هذه الحركة هي مطالبة بأن يكون التشريع الإسلامي أساساً لما نضع من قوانين وأحكام. وقد كان من بواكير ذلك مؤتمر رابطة الإصلاح الاجتماعي الذي هيأته للناس في الشهر الماضي، ودعتهم إلى شهود جلساته دعوة عامة ليسمعوا ما أعده خطباؤه من أبحاث قيمة تبين كيف وضع ديننا القواعد التي تنير سبيل الحياة وتوصل إلى الخير

وقد عرف الناس من هؤلاء الباحثين على أي نحو يحارب الإسلام آفات المجتمع التي تشكو الأمم منها، ويعالجها بأدوية ناجعة في القضاء عليها. وكيف يدعو إلى الأخلاق الفاضلة حين يقررها ويجعلها غاية من غاياته. وعلى أي وجه يبني نظام الآسرة ويحوطه برعاية تجعله ثابتاً أمام الأعاصير، صالحاً لحياة دائمة مفيدة. وكيف يعامل الناس على أساس من الحرية والإخاء، وينظم علاقة الدولة بغيرها في السلم والحرب، على قاعدة العدالة والمساواة. . . الخ. واطمأن السامعون إلى أن الإسلام معين صالح للتشريع في العصر الحديث، وأن تشريعات البشر في أسمى صورة قد عجزت ن معالجة أدواء المجتمعات واضطربت. ولذا اعترف العقلاء من غير المسلمين بصلاحية الدين الإسلامي للنهوض بعبء التشريع وموافقته لأرقى النظم وتلبيته لحاجات المدينة والعمران

لست أكتب الآن لأجلي نظريات المؤتمر أمام القارئين وأبين لهم فائدة ما دعا إليه، ولا لأنظر في النتيجة التي وصل إليها المؤتمرون أسلبية هي أم إيجابية، ولا لأستحث لجانه التي يقال إنها تبحث لتصل إلى قرارات عملية حتى نسرع في ذلك؛ ولكنني وقد شهدت جلساته جميعاً أردت أن أسجل ملاحظات كانت حديث جمهور المستمعين وغيرهم، وحديث كثير من المثقفين في مجالسهم العامة والخاصة

1 - أن الظاهرة الواضحة استعداد الناس لقبول النظم الإسلامية في مظاهر حياتهم ومعاملاتهم، لأنهم رأوا العنت من النظم الوضعية وعجزت هذه النظم من تحقيق ما يبتغون. ومن ثم نادى كثير منهم بذلك ونشرت الصحف رغباتهم في وضوح وجلاء. وإن نواب الأمة وشيوخها لينادون بذلك الذي ينادي به الناس ويجهرون به على مسمع من رجال الحكم وتسجل آراؤهم في هذه الناحية بين التصفيق والإعجاب

ورجال الحكم أنفسهم لا يقفون في هذه الطريق ولا يعوقون عنها، فقد رأينا كثيراً من كبارهم يشتركون في المؤتمر ويحرصون على نجاح دعوته. وهذا وزير من وزراء الدولة يأتي بنفسه فيفتح جلساته وينوه فيه بتعاليم الإسلام السامية ونواحي إصلاحه التي لم يصل أحد إلى مثلها، ثم يقول: (أن هذه الثورة الاجتماعية العظيمة قد مكن لها الإسلام في جميع العصور بما وضع من المبادئ العامة التي يجب أن تكون سنن الاجتماع في كل أمة وفي كل عصر. وبما ترك من التفاصيل والجزئيات التي يجب أن تكون موضع الاجتهاد لمن يتقيدون بأمر الله ونهيه، ويستمدون بحثهم من روح الإسلام ويلائمون بينه وبين الزمن والبيئة)

بل إن جلالة الملك حفظه الله ليحب ذلك ويرجو أن يكون، وقد تواتر الحديث عن جلالته بهذه الرغبة الكريمة. وكان آخر ما سمعناه من ذلك ما رواه عن جلالته شيخ الإسلام ليلة الاحتفال بعيد الجلوس الملكي في هذا الشهر حين قال فضيلته: (إن من أعز أماني جلالته أن يرى البلاد تسير على نظام اجتماعي يستند إلى دينها وتقاليدها)

فالدواعي أذن متضافرة للعمل على هذا النوع من الإصلاح الاجتماعي ورسم الطريق المثلى أمام الناس بعدما أعدوا أنفسهم لتلقي هذه التعاليم المباركة. ولا نحسب بعد ذلك كله أن عقبة مهما كانت تقف في سبيل هذا الإصلاح الذي يتطلع إليه الشعب ويحرص عليه مليك البلاد

2 - مما يدعو إلى الأسف أن الأزهر الرسمي لم يشترك في هذا الفعل الجليل الذي يفرضه عليه واجبه وتحتمه طبيعة رسالته. وليس من شك أن الأزهر لم يوجد لتخريج العلماء وتدريس هذا اللون من الكتب المعقدة فحسب؛ ولكن عليه إلى جانب ذلك واجباً أسمى: هو إطلاع الناس عامة على مزايا الإسلام وصلاحيته للنهوض بأعباء الحياة الاجتماعية في شتى صورها، وتنقية الأذهان من هذه الشبه الباطلة التي ألصقت به زوراً وبهتاناً، وتأثر بها كثير ممن يلون مناصب الحكم والتشريع في البلاد؛ لأن الأزهر خصص لرعاية الدين ونشر تعاليمه وتوصيل قبسه إلى الناس. فإذا لم يقم بما خصص له ولم يؤد هذا الواجب كان جسما لا روح فيه. وأكثر الأشياء عندنا، كما يقول فضيلة الأستاذ الأكبر: أجسام لا أرواح فيها. وما نحب للأزهر أن ينزل إلى ذلك

وإذا كان الناس فيما مضى يعللون ابتعاد العلماء الأزهريين عن مثل هذه المواطن بكبر السن وحب العزلة عن الناس وعدم المعرفة بطرق الاتصال وأساليبه، فأن هذا العذر لا يقبل الآن وعلى رأس الأزهر رجل مفكر يحمد له الناس نشاطه في نواحي المجتمع، وحسن صلاته بكثير من البيئات العلمية وغيرها، ويعقدون عليه آمالاً جساماً في إصلاح جرئ لا يعرف المجاملة ولا المداراة

3 - إذا كان التقصير عيباً، فان من أقبح ذلك وأفظعه التمادي في القصير. ولذلك يرى من لاحظوا على المؤتمر أن من واجب رجال الأزهر أن يتداركوا هذا التقصير، ويقبلوا على عمل يبين الناس وجودهم ومجهودهم وينصرفوا إلى ذلك مخلصين ليرضوا ضمائرهم أمام الله والتاريخ، وأمام الأبناء والأحفاد

وإن أشد ما يخشاه المخلصون أن تتجاوب الأصداء من حول الأزهر بالدعوة إلى الإصلاح الاجتماعي على أساس النظم الإسلامية ويقف رجال الأزهر موقف المتفرج أو المتحرج

ليس ذلك لأن هذه الدعوة ستموت كما ماتت دعوات، أو لأن الناس سيتركون التشريع الإسلامي في هذه المرة إلى غيره وتتكرر مأساة الفقهاء في عهد إسماعيل، فإن شيئاً من ذلك لن يكون إن شاء الله؛ ولكن لأن الناس حين يترك الأزهر معالجة هذه الشؤون، سيرونه شيئاً لا فائدة فيه، حتى في تنفيذ ما هو من رسالته. وهذا يؤدي بهم إلى محاولة التخلص منه والقضاء عليه. فان لم يستطيعوا ذلك لأمر ما نحوه عن الطريق وأغمضوا عنه العيون وتركوا أهله في عزلتهم يهيمون

لذلك يجب أن ينتبه الأزهر إلى مثل هذه الدعوات في المستقبل ويحرص على الاشتراك في هذه الأمور اشتراكاً عملياً نافعاً، ويغزيها برجاله وأفكاره وخبرته، ويعمل على إنجاحها ما استطاع إلى ذلك سبيلاً

ولا ينبغي أن تقوم دعوة إلى مثل هذا العمل مرة أخرى ثم لا يكون الأزهر في مقدمة الدعاة إليها والمنفذين لها

وإذا كان لنا - بعد تسجيل هذه الملاحظات - أن ندلي برأي عملي في هذا المقام، فها هو ذا اقتراحنا عسى أن ينظر إليه رجال الأزهر بما يستحق من عناية تليق بموضوعه، لينصرفواٍ بعد تعديله أو إقراره إلى ناحية العمل المنتج المثمر

نرى من أهم واجبات الأزهر الآن أن يؤلف هيئتين علميتين من نابهي رجاله لا ينظر في تكوينهما إلى ما يحب بعض شيوخه أن ينظر إليه من الشكليات. على أن تعنى واحدة منهما بمخلفات المسلمين في الناحية التشريعية فتخرجه إخراجاً جديداً وتلبسه ثوباً جديدا، وتعرضه على الناس في أساليب يألفونها ويجدون طريق الوصول إليها معبداً ميسوراً. ويقوم الأزهر بنشر هذا التراث في زيه الجديد على نحو ما تفعل الهيئات العلمية

وتعنى الثانية بدراسة القوانين الوضعية المعمول بها الآن في القضاء أو في الإدارة أو في نظام الشركات أو ما إلى ذلك، وتستخرج من الشريعة الإسلامية السمحة قوانين مسايرة لروح العصر تحل محل هذه القوانين وتؤدي مطالبها وترسم الخطة المحكمة التي ينبغي السير عليها في نواحي الإصلاح عامة

وعلى الأزهر بعد ذلك بمعونة أولئك الذين اعترفوا جميعاً بوجوب السير على مقتضى النظم الإسلامية وصلاحيتها دون سواها أن يعمل على تطبيق هذه القوانين الجديدة على الناس شيئاً فشيئاً حتى يكون الحكم بينهم بما أنزل الله

وإذا قيل كيف ينفق الأزهر على هاتين الهيئتين الآن والموارد قليلة، ذكرنا على سبيل المثال - وإن كان شرف المقصود كفيلا بتدبير المال الوافر - أن الأزهر يحبس من ميزانيته كل عام خمسة آلاف من الجنيهات باسم نشر الثقافة، ونحو هذا المبلغ الضخم لشيء لا يعرفه أحد من المثقفين يسمونه مجلة الأزهر، فأولى له أن يوجه هذه الآلاف الكثيرة ونحوها إلى هذه الناحية من الإصلاح منتهزاً هذه الفرص المواتية حتى تغزو التعاليم الإسلامية نظم الإدارة والسياسة ونظم التعليم والتشريع والقضاء

وبذلك يحقق الأزهر رسالته الكريمة، ويؤدي واجبه المقدس، ويحمل الناس على الاعتراف بوجوده ونفعه والاتجاه إليه، ويفهم فن فتنتهم المدينة الغربية بزخرفها وزينتها أن الإسلام هو الدستور الصحيح للحياة، وأن تعاليمه السامية هي الكفيلة بإسعاد الناس والترفيه عنهم

عبد العزيز محمد عيسى

المدرس بمعهد القاهرة