مجلة الرسالة/العدد 421/رسالة العلم

مجلة الرسالة/العدد 421/رسالة العلم

ملاحظات: بتاريخ: 28 - 07 - 1941



السيجارة. . .

للأستاذ أحمد علي الشحات

في ظل الدخان المتصاعد من السيجارة كم من أفكار قد سبحت وأعصاب قد هدأت وأحلام قد صورت وأماني قد بعثت: هذه الدخينة وما حوت كانت في مبدأ الأمر ورقة من نبات اسمه نيكوتيانه وسمي بذلك نسبة لاسم السفير الفرنسي في أسبانيا جان نيكوت الذي أدخل التبغ إلى فرنسا لأول مرة كهدية للملكة كاترين دي مديشي، والتبغ يتبع من وجهة التقسيم النباتي العائلة الباذنجانية التي تحوي نباتات أخرى ذات أهمية مثل الطماطم والبطاطس والداتورة والسكران، وللأخيرين أهمية طبية في علاج الأمراض الصدرية التشنجية. وبهذه المناسبة نذكر أن السكران المصري أجود أنواعه في العالم، ولذلك يصدر إلى أوربا، كما أن نبات البلادونا الذي يستخرج منه الأتروبين المستعمل طبياً لتوسيع حدقة العيون من أقارب التبغ إذ يتبع نفس العائلة المذكورة

وقد كانت الأرض الأولى التي نبت عليها التبغ واستعمل في التدخين هي أمريكا إذ وجدت غلايين في قبور أمريكية ترجع إلى ما قبل التاريخ، ومن أمريكا نقله إلى أسبانيا فرنسسكو فرناند مبعوث فيليب الثاني لدراسة حاصلات المكسيك عام 1558.

وكلمة التبغ يرادفها بالأجنبية والأصل الذي أخذت عنه هذه الكلمة غير معروف تماماً؛ فقد تكون قد أخذت عن اسم جزيرة توباجو إحدى جزر الهند الغربية، أو عن توباسكو في خليج المكسيك، أو عن اسم أداة وجد الأسبان أن الأمريكيين يستعملونها في التدخين، وهي عبارة عن أنبوبة تنتهي إلى فرعين تشبه حرف اسمها وكانوا يضعون الفرعين على فتحتي الأنف ويستنشقون منهما الدخان، وهذا هو المصدر المرجح. ومما يؤسف له أن تكون مصر من اكثر الدول استعمالاً للدخان؛ فلقد جاء في إحدى الإحصائيات أن متوسط نصيب الفرد في الدولة من الدخان بالأرطال كما يأتي:

الولايات المتحدة 5. 92

بريطانيا العظمى وايرلندا 2. 95

بلجيكا 4. 9 فرنسا 2. 9

مصر 4. 06

إيطاليا 2. 35

وقد يطرأ على ذهن القارئ أنه علاجاً، لهذه الحالة، تباح زراعة الدخان في مصر خصوصاً، وقد سبق أن كان يزرع إلى أن حرمت زراعته عام 1890، ولقد فكرت الهيئات المختلفة في ذلك وقامت وزارة الزراعة بتجربة زراعته في مناطق مختلفة، ولكن كان الناتج دائماً رديء النوع، فإذا قيل انه سيكون رخيص الثمن ويقبل الجمهور عليه، فمعنى ذلك أن الحكومة ستحرم من دخل كبير في الجمرك. فإذا قيل فلتفرض الحكومة على زراعته ضريبة عالية تعوض بها ما تفقده من الجمرك، كان الجواب انه بذلك سيرتفع ثمنه إلى أن يقارب الأصناف المستوردة من الخارج - وهي أجود منه نوعاً - فسيفضلها المستهلك، فإلى أن نستطيع استنبات أنواع جيدة ستظل الحال على ما هي عليه

ويتراوح طول نبات التبغ ما بين ست أو تسع أقدام، والأوراق منظمة على الساق بالتبادل، وليست لها أعناق فيما عدا الأوراق السفلى، فقد تكون لها أعناق قصيرة، وتغطي الساق والأوراق شعيرات ناعمة ذات غدد، وسطح النبات لزج لخروج إفرازات سائلة، وينتهي الساق إلى أزهار لونها قرنفلي أو وردي وحبوب الثمار لونها بني وصغيرة جداً، حتى أن النبات الواحد قد ينتج منه مليون؛ وللأرض التي يزرع فيها الدخان تأثير كبير على لونه. فالأرض الطفلية الرطبة تنتج دخاناً لونه قاتماً: أحمر أو بني، والأرض الرملية تنتج دخاناً أصفر اللون، أو أحمر زاهياً ذا أوراق رقيقة، وكما حرم الدخان في أراضينا حرمت زراعته كذلك في أسبانيا، مع أنها أول بلد - كما ذكرنا - نقلت زراعته إليه من موطنه الأصلي (أمريكا)، ومن أسبانيا ادخل إلى فرنسا وإيطاليا عام 1560، وادخل في ظن الناس آنئذ أن له فوائد طبية هائلة، حتى كانوا يسمونه أي العشب الصحي، وسموه أيضاً أي التبغ الإلهي، كما سموه أيضاً أي عشب نيكوتيانا المقدس. ويفهم مما سبق شدة ولع الناس بالتبغ، حتى انتشر التدخين انتشاراً عظيماً هال من بيدهم الأمر من ملوك وباباوات وسلاطين وحكومات. فأصدرت نشرات تبين مدى الضرر من التدخين، وفرضت ضرائب باهظة، حتى أن إنجلترا رفعت الضريبة من بنسين على الرطل إلى ستة شلنات وعشرة بنسات، وقصرت زراعته على مساحة ضئيلة، ولكن الناس لم يكفوا عن التدخين، فلم تجد الحكومة الإنجليزية مناصاً من إصدار منشور يحرم زراعته تحريماً باتاً في إنجلترا وايرلندا؛ وبعد بضعة أعوام رفع الحظر على الأخيرة، ولكن سرعان ما أعيد ثانية، وكان ذلك عام 1831، إلى أن رفع الحظر عن إنجلترا وايرلندا عام 1910.

وهو يزرع الآن في الولايات المتحدة، وكوبا، والمكسيك، والبرازيل، وبارجواي، وجزر الهند الهولاندية، وبورنيو الشمالية، واستراليا، والهند، والصين، وبورما، والفيليبين، وإيران، والترنسفال، وروديسيا، واليونان، وتركيا، وهنغاريا، وألمانيا، وروسيا، وفرنسا، وهولاندة.

وتبذر بذوره في فبراير ومارس وأبريل في مشتل، على أن تكون التربة قد طهرت من آثار الحشرات بان تحرق عليها بعض المواد، فإذا ظهرت البادرة أحيطت بغلالات رقيقة، ويحافظ عليها من الريح، حتى إذا ما اكتمل طول النبات ست بوصات نقل إلى الحقل، وذلك في الفترة ما بين أبريل ويونية، ويكون بعد كل نبات عما يجاوره قدم ونصف إلى ثلاثة أقدام في صفوف بين كل صف وتاليه ثلاثة أو أربعة أقدام، ويتم نضج النبات حين يعلو الورقة اصفرار في اللون بعد أن كانت خضراء زاهية، كما تصبح هشة سهلة التكسر إذا أحنيت، ثم تجفف الأوراق صناعياً، وعملية التجفيف هذه تحتاج إلى دقة ملاحظة في درجات الحرارة المختلفة التي تتعرض لها الأوراق فيحوطها أولا جو تضبط حرارته فيما بين 80 و90 درجة بالمقياس الفهرنهيتي، أي بما يعادل 26. 6 - 33. 3 تقريباً بالمقياس المئوي، وذلك لمدة تتراوح ما بين 18 - 36 ساعة، ثم تزداد درجة الحرارة بفرق 5 - 10 درجات فهرنهيتية كل ساعتين إلى أن تصل إلى درجة 120ف ثم تثبت. أما السيقان فترفع حرارتها بعد ذلك إلى 160 - 175ف بفرق قدره 5 - 10 درجات كل ساعة، وتستغرق مثل هذه العملية ثلاثة أيام. وأما في الأقطار الشرقية كالهند وسيلان حيث الجو دافئ فيكتفي في التجفيف بحرارة الشمس الطبيعية، وفي التجفيف الصناعي لا بد من رفع درجات الحرارة بانتظام وهدوء حتى يحتفظ النبات باللون والنكهة المطلوبة؛ ثم تكبس الأوراق في صناديق أو تكوم في حفر دافئة رطبة، ويضغط عليها يومياً لمدة عشرة أيام، ويوالى الضغط بعد ذلك في فترات أطول لمدة ثلاثة شهور. فتحدث في هذه الفترة عملية اختمار، وتتخذ الأوراق شكل التبغ المعروف، ويكون في الأوراق في هذه المدة رائحة الكحول ويصبح لونها داكناً لامعاً

وللسماد المستعمل في زراعة الدخان تأثير هام في شكل الأوراق، فالسماد الذي يحوي نسبة عالية من الأزوت أو الفوسفات ينتج أوراقاً سميكة؛ بينما السماد الذي يحوي البوتاسيوم ينتج أوراقا ناعمة ذات نكهة طيبة، إلا أن نمو النبات يكون بطيئاً، والأوراق الخضراء في النبات تحوي نسبة عالية من الماء من 80 - 90 ? بينما الورقة حين تصبح معروضة للبيع في السوق تحوي 12 - 14 ?.

والمادة الكيميائية التي يمتاز بها التبغ هي مادة النكوتين وهي مادة شبه قلوية سامة، تختلف نسبتها باختلاف أصناف النبات، في نبات المساس أو شجرة الجرش أقل من 1 ? بينما في التبغ الناتج من جنوب أفريقية تتراوح بين 3 - 5 ? بينما في نبات الدخان البلدي تكون أعلى من ذلك. كذلك تختلف هذه النسبة باختلاف سمك الورقة، فكلما غلظت كانت النسبة أعلى.

كذلك كلما دكن اللون وكلما ارتفع موقع الورقة على الساق، أو كلما كثر الأزوت في السماد، ووجد أنه كلما زادت نسبة النيكوتين ضعفت قوة الرائحة الملموسة في التبغ، وفي الدخان المتصاعد من التبغ وجدت كذلك النوشادر، وأول أكسيد الكربون، وسينور الأيدروجين، والأخيران من الغازات السامة، وكبريتور الإيدروجين، وحامض البوتريك، ومواد كيميائية أخرى لا ضرورة للاستطراد في ذكرها، وأما غاز أول أكسيد الكربون السام فتختلف نسبته باختلاف سرعة الاحتراق، ففي الدخان المتصاعد من السيجارة تتراوح نسبته بين 6 - 8 ? بينما في دخان الغليون ما بين 7 و - 14 و1 ?، وفي السيجار من 6 - 8 ?، كما تختلف نسبة الرماد المتخلف فهي اقلها في تبغ السجائر بينما هي أعلاها في الرماد المتخلف من السيجار والرماد يحتوي على عناصر مختلفة منها: البوتاسيوم، والكالسيوم، والمنجنيز، والحديد، والألومنيوم، والصوديوم ومواد كبريتية وفوسفورية، وهذه العناصر مرتبة ترتيباً تنازلياً حسب نسبتها، وقد يضاف إلى التبغ مواد تكسبه طعماً مقبولاً مثل السكر والعسل والجليسرين والصمغ ونبات السوس أو ربه.

أحمد علي الشحات