مجلة الرسالة/العدد 443/مسابقة الأدب العربي لطلبة السنة التوجيهية

مجلة الرسالة/العدد 443/مسابقة الأدب العربي لطلبة السنة التوجيهية

مجلة الرسالة - العدد 443
مسابقة الأدب العربي لطلبة السنة التوجيهية
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 29 - 12 - 1941


(الشوقيات)

للدكتور زكي مبارك

أين مقدمة هيكل باشا؟ - رأى الدكتور طه حسين في شاعرية

(شوقي) - أخلاق شاعر الأخلاق - دسائس صحفية! - كيف

يدرس المتسابقون شعر (شوقي)؟ - نهج البردة - الأندلس

الجديدة - انتحار الطلبة - التغني بالآثار المصرية - الحرب

العثمانية اليونانية - تكليل أنقرة - انتصار الأتراك في الحرب

والسياسة - رحالة الشرق

أين مقدمة هيكل باشا؟

المقرر للمسابقة هو الجزء الأول من (الشوقيات)، وبه مقدمة بقلم معالي الدكتور هيكل باشا، وكان في النية أن أنظر في تلك المقدمة نظرة نقدية، على نحو ما صنعت بالمقدمة صدر بها ديوان البارودي، ولكني لم أجد المقدمة المنشودة في النسخة التي بين يدي، فأين ذهبت؟ وكيف رضيت أن تظل نسختي عاطلة من تلك المقدمة العصماء؟

لذلك تاريخ يجب تسجيله قبل أن يضيع، فقد تأتي أيام يجهل فيها ما مر بالشوقيات من ظروف، وللتاريخ الأدبي علينا من حقوق، فما ذلك التاريخ؟

النسخة التي بيدي ناقصة، ولكنها نفيسة جداً، لأنها على نقصها مصححة بقلم (شوقي) في مواضع كثيرة، وليس ذلك بالمغنم القليل

وأواجه ذلك التاريخ فأقول:

كانت الصلة قوية بيني وبين (شوقي) في سنة 1925، وكان شرع في طبع (الشوقيات)، فشاء لطفه وكرمه أن يدعوني لكتابة المقدمة بعبارة لا أزال أذكر نصها بالحرف:

(سيكتب الدكتور هيكل مقدمة تاريخية، وستكتب أنت مقدمة أدبية) وبعد أيام تلطف فأهدى إليّ ما طبع من الجزء الأول مصححاً بخطه الجميل، لأكتب في تقديمه ما أريد

ورجعت إلى نفسي فتذكرت إن المقدمات يلتزم فيها الترفق، وذلك ما يجمل بكاتب مشغول بالنقد الأدبي مع شاعر لا يزال في الميدان، وأسرعت فكتبت إليه خطاباً قلت فيه: أني لا أستطيع كتابة المقدمة التي ينتظرها أمير الشعراء، لأني أخشى أن أقول فيها كلاماً يصدني عن نقده إن رأيت في أشعاره المقبلة ما يوجب الانتقاد، وهو - بارك الله في عمره - لا يكف عن مساورة الشعر والخيال صباح أو مساء

وفي عصرية اليوم الذي كتبت فيه ذلك الخطاب قابلت الدكتور طه حسين وأخبرته بما وقع، فغضب أشد الغضب وقال: (ليتك استشرتني قبل أن تصنع ما صنعت! ألا تعرف انك أضعت على نفسك فرصة من فرص التشريف؟ لو طلب (شوقي) مني ما طلب منك - وأنا خصمه - لأستجيب بلا تردد، فشوقي في رأيي هو أعظم شاعر عرفته اللغة العربية بعد المتنبي)

وبعد شهور طوال ظهر الجزء الأول من (الشوقيات)، وبه مقدمة الدكتور هيكل، ونادى المنادي بوجوب الاحتفال بتكريم أمير الشعراء احتفالاً يشترك فيه من يستطيع من أدباء الأمم العربية، وبرعاية الزعيم سعد زغلول

ثم يقام الحفل الحافل بدار الأوبرا الملكية في التاسع والعشرين من نيسان سنة 1927، ويقول الشعراء والخطباء في (شوقي) ما يقولون في إطناب وإسهاب

ويلتفت الدكتور هيكل كاتب مقدمة (الشوقيات) فيرى من الواجب إصدار عدد خاص من (السياسة الأسبوعية) لتكريم (شوقي)، ويدعى للاشتراك في تحرير ذلك العدد الخاص رجال كان فيهم كاتب هذا الحديث. ويرى (شوقي) من حقه أن ينظر قي محتويات ذلك العدد فيشير بحذف مقالات كان منها مقال. . . ألم أستكبر عليه فارفض كتابة مقدمة (للشوقيات)؟!

كانت (للسياسة الأسبوعية) في تلك الأيام توجه التيار الأدبي في مصر وفي سائر البلاد العربية، وكان إصدار عدد خاص عن شاعر من مثل تلك المجلة يعد تزكية أدبية تفوق الوصف؛ ولكن (شوقي) لم يرتح كل الارتياح إلى ذلك العدد الخاص، فقد ظهرت فيه عبارات تغض كثيراً أو قليلاً من مقام أمير الشعراء

أخلاق شاعر الأخلاق

غضب (شوقي) على ذلك العدد من (السياسة الأسبوعية) وكان (شوقي) إذا غضب غضب معه ألف مرتزق من أدعياء الأدب، فمضى أولئك المرتزقة يقولون في الدكتور هيكل ما تسمح بنشره الوريقات المتسمة زوراً بوسم الجرائد والمجلات، فكتب الدكتور هيكل في (السياسة الأسبوعية) مقاله المأثور: (أخلاق شاعر الأخلاق)، وهو مقال فصل فيه ما كان بينه وبين (شوقي) وتوعده توعداً أليماً، فقد نص على أن (شوقي) لن يظفر منه مرة ثانية بمثل ذلك الاحتفال!!!

ورأيت أن ارجع إلى الدكتور طه استفتيه، فابتسم وقال:

كان مصيرك سيكون أفضع من مصير هيكل لو كتبت مقدمة (الشوقيات)!!!

ثم ماذا؟ ثم ذهب (شوقي) الحقود، (شوقي) الذي قطع ما بينه وبين كرام الرجال لأسباب لا تستحق أن ينصب لها ميزان، وبقى (شوقي) الشاعر، (شوقي) الذي رثاه (المازني) يوم مات، بعد أن قال فيه ما قال!

دسائس صحفية

فسد ما بيني وما بين شوقي بعد اعتذاري عن كتابة مقدمة الشوقيات، فانقطعت عن لقائه بمكتبه في شارع جلال، وأنقطع هو أيضاً فلم يعد يسأل عني. وجاء ظاغور أمير شعراء الهند فأقام له حفلة في داره دعا إليها أساتذة الجامعة المصرية، ولكنه تجاهل أسمي فلم يدعني إلى استقبال ذلك الشاعر الصناج.

وسمع بذلك الحادث جماعة من الصحفيين فحرضوني على إيذاء شوقي بمقال أو مقالين، وزعموا أن مال شوقي لا ينال بغير الهجاء!

وما أنا ومال شوقي أو غير شوقي؟

هل منحنا الله نعمة القلم الصوال، لنبتز الأموال؟

إن شوقي الحقود حرمني فرصة التمتع بصوت طاغور، وما صوت طاغور بالقياس إلى الموسيقية الشوقية؟ شوقي شاعر مصر، وهو على جحوده أستاذ الأساتذة في ميدان القصيد، فمن الواجب أن أحفظ عهده إلى أن يموت، وقد مات قبل أن يسمع كلمة نابية من قلمي أو لساني.

فعليك يا شاعرنا العظيم ألف تحية وألف سلام! وحفظ الله عهدك بين أقطاب الأدب الرفيع!

كيف يدرس المتسابقون شعر شوقي

الغرض من هذه الدراسات هو توجيه من سيتبارون في مسابقة الأدب العربي، فماذا نقول في توجيه أولئك الشبان؟

أهم قصيدة في الجزء الأول من الشوقيات هي قصيدة (نهج البردة). ولهذه القصيدة تاريخ يجدونه في الطبعة الثانية من كتاب (الموازنة بين الشعراء)، وما أريد أن أغتنم الفرصة فأعلن عن كتابي في مجلة الرسالة بالمجان، وإنما هي فرصة للطلبة الأعزاء، فأن درسوا ما كتبت عن تلك القصيدة في ذلك الكتاب فسيشغلون لجنة الامتحان بأبحاث تجوز بهم السراط في أمان.

وهنالك مرجع ينفعهم في هذا الموضوع الدقيق، وهو كتاب (المدائح النبوية في الأدب العربي) وفي ذلك الكتاب تفصيل واف لتطور المدائح النبوية من عهد حسان إلى عهد شوقي، فقد بدأ هذا الفن مدحاً خالصاً، ثم تحول إلى نزعة من (التشيع) ثم صارفنا بلاغياً يسجل فنون (علم البديع) ثم عاد مدحاً صرفاً على لسان شوقي والبارودي والحملاوي، مع تفاوت في أسلوب الأداء.

أما القصيدة الثانية فهي (الأندلس الجديدة) ويجب حفظها عن ظهر قلب، لأنها من محفوظات لجنة الامتحان، ولأنها فيما نعتقد أعظم شعر جاد بها الشعر الحديث في تصوير التعاطف بين الأمم الإسلامية:

مقدونيا - والمسلمون عشيرةٌ - ... كيف الخؤولة فيكِ والأعمامُ

أتَرَيْنهم هانوا، وكان بعزهم ... وعُلوُّهم يتخايلُ الإسلام

إذ أنتِ ناب الليثِ، كل كتيبة ... طلعتْ عليك فريستةٌ وطعامُ

وقد سما شوقي بهذه القصيدة سمواً لا يدرك مداه غير من يعرف أسرار الشعر وسرائر القلوب.

ولهذه القصيدة أهمية في شاعرية شوقي، فقد كادت آراء النقاد تجمع على إن عبقرية شوقي لم تتفتح ألا بعد نفيه في أيام الماضية، وهو قد نظم هذه القصيدة في سنة 1912 قبل النفي بأعوام.

ثم تجئ قصيدة (انتحار الطلبة) وهي قصيدة طوِّقت بها وزارة المعارف بأطواق من حديد، فالطالب المنتحر:

ناشئٌ في الورد من أيامهِ ... حَسْبُهُ الله أبالورد عَثرْ؟

سدد السهم إلى صدر الصبا ... ورماه في حواشيه الغُرَر

بيدٍ لا تعرف الشر ولا ... خُلِقتْ آلا لتلهو بالأُكر

ولكن كيف صنع الطالب بنفسه ذلك الصنع المقوت؟

قال ناسٌ: صرعةٌ من قَدَر ... وقديماً ظلمَ الناسُ القَدَرْ

ويقول الطبُّ: بل من جِنَّةٍ ... ورأيت العقل في الناس نَدَر

ويقولون: جفاءٌ راعَهُ ... من أبٍ أغلظَ قلباً من حجر

وامتحانٌ صَّبتْه وطأةٌ ... شَّدها في العلم أستاذ نَكر

لا أرى ألا نظاماً فاسداً ... فكك العلم وأودَى بالأُمر

من ضحاياهُ - وما أكثرها! - ... ذلك الكاره في غض العُمُر

وتلك قصيدة نادرة، فليتفهمها الطلبة وليحفظوها عن ظهر قلب، فموضوعها يكاد يتجدد في كل يوم، وهي تنهي عن آفة من آفات الضعف في هذا الجهل.

التغني بالآثار المصرية:

فاتحة الشوقيات هي قصيدة شوقي عن (كبار الحوادث في وادي النيل) وهذه القصيدة تصحح غلطة وقع فيها صاحب (الموازنة بين الشعراء) فقد نص على أن إسماعيل صبري هو أول شاعر من مذاهب القول في وصف آثار الفراعين، بعد أن ثار الجدال بينه وبين خليل مطران في سنة 1904، ثم تشاء المقادير أن يعرف ذلك المؤلف أن شوقي سبق صبري في التغني بتلك الآثار الخوالد في القصيد الذي ألقاه في مؤتمر المستشرقين سنة 1894

فما ذلك القصيد؟ هو قصيد طويل سجل به الشاعر ما كان لمصر من تحليق وإسفاف في أعوام تزيد على خمسة آلاف.

وهنا يظهر أعجب العجائب، فقد كان شوقي ناشئاً يوم نظم ذلك التاريخ ولكنه مع ذلك عرف كيف يهتف:

قل لبانِ بني فشادَ فغالى ... لم يجز مصرَ في الزمان بناءُ

ليس في الممكنات أن تُنقل الأج ... بال شماً وأن تنال السماء

أجفل الجنُّ من عزائم فرعوْ ... نَ ودانت لبأسها الآناء

شاد ما لم يشد زمان ولا أنش ... أعصرٌ ولا بَنَى بنَّاء

هيكلٌ تُنثر الدِّياناتُ فيه ... فهي والناسُ والقرونُ هباءُ

قبورٌ تحط فيها الليالي ... ويواري الإصباحُ والإمساَء

وهذه الباكورة كانت البشير بأن ستكون لشوقي مكانه في وصف آثار الفراعين

لقد طوفت بأقطار كثيرة من الشرق والغرب، فما رأت عيني مثل ما تركت الفراعين بوادي النيل، وسيجتمع المؤتمر الطبي العربي بعد أيام بمدينة أسوان، وسيعرف رجاله صدق هذا المقال بعد أن يزوروا آثار الأقصر، عليها أزكى التحيات!

الحرب العثمانية اليونانية

هي حربٌ وقعت في عهد السلطان عبد الحميد، ولم يذكر الديوان تاريخها بالضبط، ولا أتسع وقتي لتحقيق ذلك التاريخ، وأين من يصدق أني أكتب هذه الصفحات وأنل في (قطار الصعيد)؟

هي إحدى قصيدتين أعترف فيها حافظ بشاعرية شوقي، ولم يكن حافظ يعترف لشوقي بشيء، ولا كان شوقي يعترف لحافظ بشيء، وآه ثم آه من تحاسد النظراء!

أعترف حافظ بقيمة البائية:

بسيفك يعلو الحق والحق أغلب ... وينصرُ دين الله أيان تضرب

أعترف حافظ بقيمة هذه البائية في كتاب (ليالي سطيح) ولا أعرف الآن موقع هذا الاعتراف من ذلك الكتاب، فعهدي بقراءته يرجع إلى زمن بعيد

أما القصيدة الثانية فهي بائية شوقي في (توت عنخ آمون) وكان حافظ يحفظ هذه البائية وقد أنشد فيها مرات، وكان له في إنشادها ترجيع لطيف

كانت البائية الأولى فتنة العصر الذي ظهرت فيه، وكان جمهور الأدباء يحفظها عن ظهر قلب، وراويها في هذا اليوم هو الأستاذ محمد سعيد لطفي بك، وله بها هيام وغرام، فهو ينشدها كما لاحت فرصة للحديث عن شوقي

اقرءوا هذه البائية، يا شباب اليوم، لتعرفوا كيف نستهين بما ينظم الأطفال من الشعر في هذه السنين العجاف!

اقرءوا هذه البائية احفظوها، فهي من آيات الشعر الحديث

وما السيف آلا آية الملك في الورى ... ولا الأمرُ إلا للذي يَتغلبُ

فأدِّب به القوم الطغاة فأنه ... لنعم المربى للطغاة المؤدب

تنام خطوبُ الملك إن بات ساهراً ... وإن هو نام استيقظت تتألب

تكليل أنقرة وعزل الآستانة

تلك قصيدة كافية تسجل انحسار الخلافة عن استنبول، بعد حوادث تشيب ناصية التاريخ، وتصور عزة الترك بأنقرة في عهدهم الجديد

وفي هذه القصيدة توجع شوقي لعزل استنبول، وأعتذر عن أبنائها الاماجد فما نقلوا مركز الملك إلى أنقرة ألا رعاية لخطة من خطط الدفاع عن البلاد

لو أن سلطان الجمال مخلّد ... لمليحةٍ لعذلتُ من عزلوك

خلعوك من سلطانهم فسليهمُ ... أمِن القلوب وملكها خلعوك

لا يحزُنك من حُماتك خطة ... كانت هي المُثلى وأن ساءوك

أيقال فتيان الحمى بك قصروا ... أم ضيعوا الحُرمات أم خانوك؟

وهم الخفاف إليك كالأنصار إذ ... قلّ للنصير وعزَّ من يفديك

والمشتروك بمالهم ودمائهم ... حين الشيوخ بجبة باعوك

هدروا دماء الذائدين عن الحمى ... بلسان مفتي النار لا مُفتيك

شربوا على سر العدو وغردوا ... كالبوم خلف جدارك المدكوك

لو كنت مكة عندهم لرأيتهم ... كمحمد ورفيقه هجروك

وهو يشير في هذه الأبيات إلى ما وقع من رجال الدين في استامبول، فقد أفتوا بوجوب مقاتلة الكماليين بوجوب طاعة الخلفاء، وكانوا احتلوا استامبول، ولم يجلوا عنها بعد ذلك ظائمين، وإنما أكرهتهم السيوف الكمالية على الجلاء والشاعر يجعل انتقال أتاتورك ورفاقه من استامبول إلى أنقرة شبيهاً بانتقال الرسول ورفيقه من مكة إلى المدينة، وهو تشبيه على جانب من الجمال

انتصار الأتراك في الحرب والسياسة

ثم يلتفت القارئ مرة ثانية فيرى شوقي يرجع إلى تمجيد أتاتورك من جديد، بقصيدة بائية على غرار بائية أبى تمام في فتح عمورية، وقد تلاعب فيها بالمعاني وجال في فنون القول كل مجال

كان عصمت باشا مندوب الأتراك في مؤتمر لوزان، وكان رجلاً ضعيف السمع لا يصل إليه الصوت إلا بالصياح، فجعله شوقي:

أصمٌ يسمع سر الكائدين له ... ولا يضيق بجهر المحنق الصخب

والذي يقرأ أخبار الحرب في هذه الأيام يرى الانسحاب يوصف بالجمال، وقد سبق شوقي لغة هذه الأيام فقال في انسحاب اليونان:

جدِّ الفرارُ فألقى كل معتقل ... قناته وتخلّى كلُّ محتقب

يا حُسْنَ ما انسحبوا في منطقٍ عَجَب ... تُدعى الهزيمةُ فيه حُسْنَ مُنسحَب

وكان ساسة اليونان منوا شعبهم بمملكة جديدة في بلاد الترك، فقال شوقي:

هم حسِّنوا للسواد البُله مملكةً ... من لِبدة الليث أو من غِيلة الأشِبِ

وأنشئوا نزهةً للجيش قاتلةً ... ومن تنزه في الآجام لم يؤب

وكان الدكتور طه حسين كتب مقالاً في جريدة الاتحاد أراد به التهوين من شأن هذه البائية، فهل ينظر فيها من جديد ليعرف أنه كان من المخطئين؟

رحالة الشرق

وهذه قصيدة عينية قالها شوقي في تكريم الرحالة محمد حسنين باشا، وكان استكشف واحتين في الصحراء الروبية

ويضيق المقام عن شرح ما في هذه القصيدة من أغراض، ومع هذا لا يفوتني أن أدل للطلبة على سجية شوقي في الجنوح إلى التأمل العميق من حين إلى حين. وهل وازن أحد بين الصحراء والحياة على نحو ما وازن بينهما شوقي إذ يقول: كم في الحياة من الصحراء من شَبَهٍ ... كلتاهما في مفاجأة الفتى شَرَعُ

وراَء كل سبيل فيهما قَدَرٌ ... لا تعلم النفس ما يأتي وما يدع

ولست تأمن عند الصحو فاجئةً ... من العواصف فيها الخوف والهلع

ولست تدري وأن قدرت مجتهداً ... متى تحط رحالاً أو متى تضع

ولست تملك من أمر الدليل سوى ... أن الدليل وأن أرداك متَبع

والبيت الأخير من وثبات الخيال

أما بعد فهذه كلمات سريعة بددت بها ساعات من الطريق بين القاهرة و (المنية) ولم أنظر فيها بعد ذلك، فليتلقها القارئ على هواه، بالحمد أو بالملام، وهل يكلف الله نفساً فوق ما تستطيع؟

أثنيت على شوقي مرات وأنا أراجع الشوقيات؛ ثم لمته مرة أو مرتين!

لقد أشرف بنفسه على طبع الجزء الأول والثاني، فما كان ضره ولو أرخ جميع القصائد، ونص على جميع المناسبات ليتمثل القارئ صور البواعث الروحية أو السياسية؟

قصائد شوقي تمثل معضلات عصره أصدق تمثيل، ولكن القراء لن يروها خليقة بهذا الوصف إلا إذا شرحت مناسبتها بإسهاب، فأين من ينهض بهذا الواجب قبل أن تنسى تلك المناسبات؟

ثم أقول أن الشوقيات زادت أيماني بمجد بلادي، فقد امتطيت القطار وأنا متخوف من ضجر الطريق وما هي ألا لحظة حتى كانت الشوقيات وحياً يهتف بأن كل بقعة من أرض مصر معهد مجد أو محراب فتون

ليت شعري والدهر حرب بنيه ... وأياديه عندهم أفياءُ

ما الذي داخلَ الليلي منا ... في صبانا ولليلي دهاءُ

في هذه اللحظة أشعر بالندم على آني ركبت القطار السريع، ولم أركب القطار (القشَّاش) وهو القطار الذي يقف على جميع المحطات، ويباع فيه القصب والبرتقال بسخاء؟!

وما أسعد من يمر بالقطار على جميع المحطات المصرية، وقد بلغ عددها (532)

يمر القطار السريع على قرى الصعيد مرور الطيف، فلا يكاد المسافر يتذكر أن كل قرية من تلك القرى فيها أرواح وقلوب، ولأهليها تاريخ أو تواريخ هذه منارة تدل على مسجد، فأين من يذكر أن مساجد الصعيد كانت لها أياد في حفظ العلوم الإسلامية؟

وذلك فلاح يناجي الأرض مناجاة الحبيب للحبيب، فأين من يذكر أن الفلاح المصري قد يكون أخوف الناس من الله، ثم لا تمنعه تقواه من انتهاب شبر أو فتر من أرض الجيران؟

وهل يستطيع أحد أن يقنع الفلاح المصري بأن الجنة أجمل من أرضه الغالية؟

ذنبك مغفور - أيها الفلاح - فأعص الله كيف شئت في انتهاب أرض جيرانك، فذلك شاهد بأنك تقدر نعمة الله على أهل هذه البلاد!

ثم ماذا؟ ثم اذكر أن هذا الكلام يخرج عن موضوع هذا المقال، وأني سأصل إلى (المنية) بعد لحظات، وأن التمادي في الثرثرة أمر غير مقبول!

وما ذنبي إذا فتنتني بلادي؟

أمِن الإثم هُتافي بالجمال ... في بلادٍ كلُّ ما فيها جميلْ

لو بعيني نظر اللاحي وجال ... لرأى الفتنة في كل سبيل

حار الناس في تعليل التفاوت بين شوقي وحافظ، لعرفانهم بأن حافظ كان أذكى من شوقي بمراحل طوال، فهل آن لهم آن لهم أن يعرفوا أن شوقي تقدم لأنه كان من أكابر المُلاّك في هذه البلاد، وأن حافظ تخلف لأنه بشهادة نفسه لم يملك من أرض مصر نصف فدان؟

ما أنا وهذا الكلام؟ هذه ثرثرة لا تليق برجل منَّ الله عليه بركوب قطار الصعيد، وهو قطار يساير نهراً بين جبلين، وتلك حال توحى بإعزاز السرعة والقسوة واللين، ومن هذه العناصر الثلاثة يتكون جسر الخلاص؟

أحبك - يا وطني - أحبك أحبك بأعظم مما أحبك مصطفى كامل ومحمد فريد وسعد زغلول

أحبك - يا وطني - وأستعذب عذابي فيك، لأنك في عيني وقلبي غاية في روعة الجمال

لم يعان أحدُ من الظلم في وطنه مثل ما عانيت، فما زادني ذلك الظلم الأثيم إلا عرفاناً بجمال وطني. وهل رأيتم جميلاً غير ظلام؟؟

(قطار الصعيد في 171241)

زكي مبارك