مجلة الرسالة/العدد 464/القصص

مجلة الرسالة/العدد 464/القصص

ملاحظات: بتاريخ: 25 - 05 - 1942



قصة مصرية

واصلون ومنبتّون

للأديب لبيب السعيد

لم يكن يرى شيئاً من هذه المناظر الجميلة المتنوعة التي يمّر بها القطار، ولم يكن يسمع شيئاً مما يدور حوله من أحاديث الناس. كان في دنيا الماضي يجوس خلالها، ويقف على بعض مشاهدها وقفات طويلة مفكرة. هو ماضي أليم، ولقد كان نجح بعد جهود مرّة في إسدال الستار عليه، وفي نسيان ما فقد فيه من آمال عزيزة قرّح فقدها قلبه قبل جفنه، ولكن هذا الماضي انبعث الساعة أقوى وأوجع ما يكون!

كان يرتقب قطار الإسكندرية الذاهب إلى مصر، فما راعه إلا ضابط كبير من رتبة (قائمقام) يربت على كتفه في بعض العنف قائلا: (مجاهد! من أين وإلى أين). ولقد ذعر مجاهد أول الأمر إذ وجد صاحب اليد التي تربت على كتفه ضابطاً كبيراً لا يعرفه ولا يذكره، ولكنه ما لبث أن ملك نفسه حين تبسم الضابط ضاحكاً وهو يقول: (ألا تعرفني؟ ألا تذكر محمد رأفت زميلك في مدرسة القربية الابتدائية في مصر؟ ما أضعف ذاكرتك وأقل وفاءك! ألست تذكرني حقيقة؟ وهل نسيت ثالثنا إبراهيم عثمان؟ إني أذكر بيتكم في القربية، كم لعبنا فيه أنا وأنت وإبراهيم! وأين إبراهيم يا مجاهد؟ وأين مستقرك أنت الآن؟) وأجاب مجاهد في انكسار واختصار: (إبراهيم لا أعرف عنه شيئاً. إن خمسة وعشرين عاماً ليست قليلة يا بك. فأما أنا - وألقى بطرفه إلى الأرض خجلاً - فمدرس هنا في طنطا في شمس المعارف الأهلية. . .)

وجاء القطار، فتصافحا وافترقا: الضابط إلى عربات الدرجة الأولى، ومجاهد إلى عربات المؤخرة. . .

كان هذا اللقاء الشّرر الذي سعّر الوجد في صدر مجاهد، ليس من حقد على زميله الذي ابتسم له الزمان فسار إلى غايته، ولكن حقداً على الزمن الذي كاد له فرده خلف الصفوف. . .

ما أمض أن يتطلع إنسان فيرى رفاقه تقدموه على حين يرى نفسه منبتّاً فاقد الأمل! لقد كان مجاهد أذكى لداته لبّا وأقواهم للتعلم استعداداً. . . ومحمد بك رأفت هذا الضابط العظيم الذي تنبئ شاراته النحاسية عن رتبته. كان أحد التلاميذ الكثيرين الذين كانوا يرنون دائماً إلى مجاهد معجبين، وادّين من كل قلوبهم لو يكون لهم بعض تفوقه وبعض رضاء المعلمين عنه. وآباء التلاميذ وأمهاتهم في حي القربية لم يكونوا يعرفون أنموذجاً ينبهون أبناءهم إلى احتذائه غير مجاهد. نعم، مجاهد! الذي يعمل ألان مدرساً أهلياً في مدرسة فقيرة، والعطل من حلية الدبلوم! والذي يتقاضى راتبه منجما من نصف جنيه ومن ريال!

كان مجاهد قد أحرز البكالوريا والتحق بمدرسة الحقوق، وكان جده وذكاؤه يسوقان له البشرى ويضيئان بين يديه مناهج الأمل، ولكن ظروفا ألمت بآله، فوجد نفسه يوماً مضطراً إلى العمل كيفما اتفق ليعول أسرة فيها بنات وبنون كالفراخ الزغب. . .

ولم يبح لأحد من لداته بأمره، ولم يفعل سوى أن مرّ بردهات المدرسة وأفنيتها جميعاً كأنما يأخذ لعينه الزّاد من منظرها وانطلق وراء أسرته في موطنها الأصلي، وهو ممسك بقلبه خشية أن يتصدع. . .

وحين بصر برفاقه الطنطاويين في إجازة العيد توارى منهم خجلا، وإشفاقاً من أسئلتهم المحرجة عن أسباب انقطاعه عن الدراسة، ولكن الحظ السيئ مع ذلك أوقعه فيهم غير مرّة، فعانى أسئلتهم، وأجاب والحزن يمزّقه والكلمات تحتضر على شفتيه، أنه يعمل مدرساً في مدرسة شمس المعارف. وتلقى من سخريتهم وضحكاتهم ما شاءوا وشاءت له الظروف. . .

وحين كانوا يقبلون على البلد صيفا، كان يلتقي ببعضهم أحياناً، فكانوا - وهم لم يتجاوزوا بعد عهد الطالب - يتكلمون إليه تكلم من تعلم لمن لم يعرف من العلم شيئاً. . . يتحدثون فيسرفون في الإساءة إليه من حيث يشعرون أو من حيث لا يشعرون، قال أحدهم مرة وهو ضاحك: مجاهد هذا يصلح وكيلاً لمكتبي حين أكون محامياً، فهو خير من يجمع لي عناصر الدفاع؛ وأردف آخر: ولكني لن أدعه لك فإني سآخذه في بطانتي حين أكون وزيراً. لقد كانوا يتحدثون منذ شبابهم الباكر حديث الحكام، فكانت لهجتهم الشامخة العابثة تدمي قلبه لم يكن وطّن للمصائب. ولقد كان يملأ نفسه الرقيقة العزيزة أنهم كانوا يفيضون أحياناً في الحديث عن موضوعات في القانون كان هو قد اطلع عليها قبل فراقه المدرسة وبدأ يشغف بها

كانت أياماً سودا. . كان يعرف أنه في عمله الضئيل يعيش بلا أمل. وكان يتنبأ بأنه لن يبتسم لنفسه البتة؛ فإن فعل فستكون بسمة غير بسمته المعهودة: بسمة أخرى هي بنت الكآبة وأخت الدمعة الحارة. لقد استبعد يومها أن يكون هو مجاهد صاحب الآمال المرسلة بالأمس، وود الموت صادقاً، وما منعه أن يقبل عليه غير خوف على أعزاء له صارت إليه أزمة أمورهم، وفي رقبته باتت مسؤولية رعايتهم

وهاهي السنون لم تنصف السبّاق المنبت، وتركته مردود الجماح مكفوف الطّماح، يريد التقدم فلا يستطيع. إنه منذ عمل مدرساً وهو يلوك منهج السنة الثالثة الابتدائية في الحساب والجغرافية والتاريخ. . . يشقى بتلاميذ لا يبدو فيهم النابغ إلا نادراً: مظهرهم لا يشرح صدراً، وعيونهم تنّم عن أنهم جياع، وملابسهم تنم عن أن أهليهم يعانون في معاشهم مصاعب شداداً. . .! وأبناء الميسورين منهم يذيقونه بعبثهم واستهتارهم عذاباً شديداً، فإن نهر واحداً منهم جاءه الناظر يقول حانقاً: تصرفاتك تنفّر التلاميذ وآباءهم من المدرسة وتحيلهم إلى مدرسة التاج التي تنافسنا!! ويتيه الناظر فيحتمل مجاهد، ويقول فيسمع، ويأمر فيطيع. . .

وهاهم بعض تلاميذه قد سبقوه أيضاً: نالوا حظ التعليم العالي، ثم تخرجوا إلى الحياة شباناً ناجحين. . . وبقى هو وحده خلف هؤلاء، وهؤلاء جميعاً، لا يصل أن يكون مرؤوساً للكثير منهم!

ما برح مجاهد في عمله الشاق يصحح أكداس الكراسات ويغدو على الصبيان الشياطين نحو ثلاثين حصة في الأسبوع، فيخلع من شبابه وصحته برداً بعد برد. . . وهو مع ما يبذل من جهود لا يتقدم ولا يزيد إلا ضنى كذبالة تضيء للناس وهي تحترق!

لقد كان يوشك أن يموت كمداً وألماً كلما ذكر أنه لا يحمل إلا شهادة يحملها الصبيان ويتقدم لها في العام أكثر من خمسة آلاف طالب. إن المفتش والناظر والمعلمين والطلاب لا يقيسون كفاية المعلم إلا بمقياس واحد: (الشهادة). . . وهو، سطا به الدهر سطوة حرمته هذه (الشهادة). . . فسلام على الحياة الرغدة، وعلى التقدم، وعلى الأمل. . .! وويل لابنه من الخجل الشديد حين يسأله زملاؤه عما يحمل أبوه من شهادات. . .!

هذه الآلام التي ظلت تعبث به سنين طويلة استطاع اليأس ولا شيء غير اليأس أن يواريها انكشفت اليوم حين التقى مجاهد برأفت بك. . . فهي تلذعه لذعاً أليماً، وتعيد له مأساته جديدة

أين أيام مدرسة القربية حين رأفت وإبراهيم عثمان لا يتركانه إلا لماماً، حين كانت الحياة لينة الأعطاف عليهم جميعاً، وكان هو أذكاهم وأقواهم! خفض الزمان الثقيل ورفع الخفيف!! هذا رأفت وصل يقيناً، فكيف بإبراهيم وهو كان أنشط من رأفت وأذكى وألمع؟. . . كيف وهو منذ طفولته أبعد مطمحا وأكبر لبانة؟ هو لا بد الآن يتسور المجد. . . حكم الله! اثنان يركضان دراكا وثالثهم يزحف زحف الكسيح! واضطراب كيان نفسه. . . وفاضت عيناه بالدمع الغزير. . . كأنما كان معه في القطار ميت عزيز! والتفت فرأى أناساً يرقبونه في تعجب، فاستحى أن يبدو أمامهم فيّاض الشؤون، وأحب أن يكذب ظنهم، فوقف في نافذة القطار ليدع للهواء تجفيف الدمع بدل المنديل. . .

أّنى لمجاهد بالعزاء وهو من بين أترابه الحي الميت؟ ما أشوق مجاهد إلى الانفراد بنفسه ليتعاطى البكاء دواء يشفى دائه الثائر!؟ ولكنه لا يستطيع حتى هذه اللذة، لأن السافرة كثيرون، والفضال كثير!

وحملق في السماء ضارعاً يشكو بثه وحزنه إلى الله، ولكنه ذكر أن الله عليه غضبان، فهو منذ خاطت له الأيام محنته يغسل أشجانه في الكأس المحرّمة، فأرجع بصره إلى الأرض خاسئاً ذليلاً حيران. . .

وخفف القطار الجاهد من سيره وهو داخل محطة بنها، وأقبل الباعة على السفر يصيحون: التين! الكازوزة! خبز وبيض! سجاير! كانت نداءاتهم عالية مسرعة ملحة كأنما يستنجزون بها المسافرين صدقة! وفي زحمة العربات وغمار اللغط، كان صوت عال مسرع ملح كسائر أصوات الباعة يرن أسود خاشعاً: الكتب! النتائج! القصص! طوالع الملوك. . . ونظر مجاهد إلى صاحب الصوت مأخوذاً. . . إنه رجل ترهقه ذلة ناطقة ويحوطه انكسار يروع. . . إنه رجل مشتعل الرأس شيباً وعلى صفحته خطوط تتكلم بما يؤوده من أوقار الدهر وبما يظلم عليه من شعاب الحياة. كل ما بين ذراعيه عدد من الكتب الرخيصة التي لا تروج إلا عند العوام وأشباههم وليس ثمنها يبالغ مهما بلغ عشرين قرشاً. هذا البائع المسكين يهيج موضع الإشفاق والحب والرحمة في مجاهد. ما أشبهه بإبراهيم عثمان في جملة سمته، ولكن هذا البائع بادي البؤس، وإبراهيم وهو ابن الأسرة الغنية يتفيأ ظلال النعمة. . . ولكن هذا البائع مكتئب وكأن الدموع في عينيه تضطرب، والعهد والظن في إبراهيم أنه مملوء الوجه بنضارة الحياة، منفرج الثغر دائماً عن بسمة لا تغيض. . . ولكن هذا البائع يزحف إلى الستين، وإبراهيم وهو في سن مجاهد لما يقتحم الأربعين

إن قلب مجاهد لينازعه إلى إبراهيم صديق الطفولة والصبا. يا رب يوم أمضياه في مرح لا تشوبه شائبة، ويا رب أقاصيص تبادلاها على صفاء ومحبة!

ليت مجاهداً يرى إبراهيم ليحيى وإياه ذكريات صباهما السعيد. ليته يراه فلقد يجد فيه متنفساً لصدره الضيق وروحاً لقلبه المحرور كما كان يجد فيه عوناً على مشاكله الصغيرة أيام الحداثة. . . بل ليته لا يراه مد العمر حتى لا يزداد قلبه احتراقاً حين يرى نفسه خلف الزحام وتربه في مقدمة الموكب. . .

يا ويلتا! أشرب أحد من لداته كأس البؤس مريرة كما شرب؟ لقد حادت عن قصدها أحلامه وصدعه وحده ريب الزمان!

ودنا البائع من مكان مجاهد يتخطى أمتعة المسافرين في عناء، ويرفع من نداءاته كأنما يسترحم بها وبنظرات عينيه سفاراً سيتركونه في جزيرة مهجورة. . . دنا من مجاهد، وما التقت عينيه بعينيه حتى هرع إليه: مجاهد؟ مجاهد أفندي. . . أإنك لأنت مجاهد!!

- نعم، هو أنا؛ وأنت؟ أتكون إبراهيم عثمان؟

وتعانق الصديقان القديمان. . . ولكن صفير القطار لم يمهلهما حتى يعرف كل منهما شيئاً عما كان في حياة صاحبه. . .

هبط إبراهيم. . . وانطلق القطار بمجاهد. . .

(المنصورة)

لبيب السعيد