مجلة الرسالة/العدد 487/عودة إلى تحفة الأستاذ علي طه

مجلة الرسالة/العدد 487/عودة إلى تحفة الأستاذ علي طه

ملاحظات: بتاريخ: 02 - 11 - 1942



أرواح وأشباح

للأستاذ محمد توحيد السلحدار بك

- 2 -

فرض الشاعر بمخيلته القادرة أن الأرواح المجردة تتكالم، في السماء، عن البشر وغريزتهم في الأرض. وهذا يعتبر فرضا فنيا يزيد في فهم القارئ وضوح الفرق، في تكافح الروح والجسد، بين نزعتها العلوية السماوية ونزعته السفلية الأرضية. وهو أيضا خيال أدخل في الصنيع البديع عنصرا مخففا من عناصر الملاحم: لأن أيجاد الخوارق فيها - بإدخال كائنات فائقة قوى الطبيعية في حوادثها - كان أمرا جوهريا، ثم أصبحت الخوارق محسنا اختياريا يرعى فيه احتمال الذوق العصري. وكأن هذا الخيال اتفاق أدبي مضمر بين الشاعر وقرائه، كالاتفاق الروائي الضمني في الروايات، بين المؤلف والنظارة: كأنهم اتفقوا معه على التسليم بالفرض الأول في روايته، ليضحكهم أو يبكيهم بما بنى عليه من مواقف، وبنا أنطق فيها أبطاله من كلام

واختار الشاعر من أسماء الأساطير الإغريقية أسماء لأبطاله؛ وهو اختار موفق لما تشير أليه هذه الأسماء - بتداعي المعاني في ذهن القارئ - من أن القصص يصف غريزة الإنسان وأخلاقه من ماض بعيد؛ ولأن أسماء أهل الفنون أليق بملحمة فيها كلام على الفنان وعلاقته بالمرأة. وفي اختيار تلك الأسماء القديمة مزية أخرى: فقد حسن وجودها في هذه الملحمة من حيث أن العتيق أشعر من الحديث، كالسيف مازال أحب في الشعر من المدفع. فما ظنك بمن لم يجد أسماء عربية تجمع مزايا تلك الأسماء الإغريقية، وتحسن حسنها إن حلت محلها في الملحمة، فود لو أن الشاعر تبدل بها أرقاما في شعره ولم يضيع دلالتها على شخصيات معروفة في الأساطير أو التأريخ!

واتهم شاعرنا بالغريزة في الأشباح، وبرأ الأرواح المجردة. فالأرواح ذوات الأسماء الإغريقية تتكلم في العالم العلوي طليقة من قيود أشباحها، تتكلم قبيل بعثها بما يصف سجايا الفنانين الآدميين وغرائز الإنسان؛ وفي كلامها أنها حين تهبط في أشباحها إلى الأرض، سيعروها ما عرا أرواح البشر:

لنا مثلهم في غد غشيه ... إذا ما حللنا رحاب الثرى

وإذا قال ناقد أن لتلك الأرواح أسماء تلازمها دلالاتها على شخصيات أصحابها المعينة في الخرافات أو الأساطير أو في التأريخ، وان الشاعر أهمل في قصيدته هذه الدلالات - لأنه لم يدرس الأساطير الإغريقية كما يجب ولم يتفقه اليونانيات،

فان هذا القول اللطيف ليس يمنع أنها أسماء أناس كانوا من البشر، ما عدا هرميس (هرمس)، ولم يكونوا من أنصاف الآلهة ولا من الآلهة اليونانيين الذين خلقهم البشر؛ ولا يمنع أن منطق هذه التحفة يقتضي ألا تظل أرواحهم في السماء على حالها في حياتهم الأرضية الغابرة من الانقياد الكلي للغريزة والشهوات الحسية.

ومع أن هذه الملحمة - في رأينا إنسانية لا إغريقية، فان كلام أبطالها متصل بدلالة أسمائهم المعروفة. فهرميس الذي يقود الأرواح، في الأساطير، يقود هنا روح الشاعر. وروح بليتيس، البريئة في السماء، لا تكون بحالها يوم كانت حبيسة في شبحها على الأرض، أو بحالها يوم تبعث؛ لكن تنم ذكريات من ماضيها الأرضي وماضي سافو في مثل قولها:

حمت رقة الجنس رباته ... فليس بها حاجة للرجال

لكل اثنتين هوى واحد ... تَلاقي على سرّه مهجتان

وفي إجابة تاييس:

حديثك أن لم يكن بدعة ... فحلم جرى في قديم الزمان

وصيحة مخفقة في الهوى ... معربدة الروح سكرى اللسان

أما غضب بليتيس وصاحبتها من أن روح الشاعر مر أمامهن ورآهن فأعرض عنهن (ولم يحي السماء)، فهو غضب ليس يعد من (كبرياء النساء) في شيء، والكبرياء عظمة وتجبر، وانما هذا الغضب ثورة على إهانة. وان امرأة ما من أقل النساء عفة وأكثرهن استهتارا واستسلاما للشهوات، وانهماكاً في الملذات، لتغضب من تغافل رجل عنها، وقد تتظاهر بالأعراض عن رجل لتوقعه في شركها. وروح تاييس ألهمتها الذكريات الأرضية اعتراضها على صاحبتيها اعتراضا يشف عن حقيقة أمرهن جميعا بقولها في الرجال:

إذا خلت الأرض من طيرهم ... فمن ذا يحي الجمال القسيم ومن يطلق الحب من وكره ... على خطرات الغناء الرخيم

وفيمَ نرقِّش هذا الجناح ... ونصقله ببنان النعيم

بقيت سافو (سفون)؛ فهل كانت حسية بالمعنى الشائع؟ أليس في مؤلفات الذين استوعبوا دراسة اليونانيات رأي آخر أوفي تحقيقا؟ بلى، وهذه هي خلاصته:

أن سافو اتهمت في أخلاقها، لكن يبدو أن أخلاقها كانت سليمة. ويجب أن نلاحظ أنها من قوم ايوليين، كان نساؤهم كنساء الدوريين أكثر حرية من نساء الايونيين الذين كانوا يحجروهن في الحريم: فان هذه المغايرة تعلل ما لمؤلوفي الملاهي الأثينيين من دعابات سيئة القصد، وتعلل تلك الأقاويل المنحولة في سيرة سافو. ويجب أيضا ألا يغرب عن الخاطر أن الإغريق في ذلك العهد ما كانوا وصلوا إلى معرفة التمييز في الأدب بين الهوى الحسي والهوى العذري؛ ولكن لا صلة بين اللذة الحسية التي يصفها الشعر المنسوب خطأ إلى أنا كريون وبين لاعج الغرام الذي تعبر عنه سافو في القليل الموجود من شعرها

وبالنظر إلى هذا الرأي، أن لم يكن بالنظر إلى أن الملحمة إنسانية لا إغريقية، وأن أحوال أبطالها تختلف في السماء عنها في الأرض، جاز لشاعرنا أن يجعل روح سافو في السماء أهدأ منها في تلك القصة المأثورة عنها، ولا غرابة في أن تقول:

رأيت الرجولة كل الجمال ... هو الرجل الفرد في المزدحم

ويحدو العذارى إلى دراهن ... حيَ الخطى موسوي القدم

كلا، أن الشاعر لم يهمل تلك الدلالات التي يغلو بإيجاب مراعاتها المغالون في الإعجاب بمبلغ دراستهم لليونانيات.

فأولئك حوريات في السماء غصبن على الشاعر فاتهمنه في غريزته وفنه. لكن هرميس اله البلاغة ومبتكر الفنون عطفهن معتذرا عنه بأنه رآهن في قلبه، وحيا بقلبه وأطبق ناظريه على ما فيه ضنا بلألاء جمالهن. ودنامنهن روح الشاعر في شبحه قبيل بعثهن فأعجبن بالرجل: استلمت بليتيس صدره وجبينه مستجملة سائلة: أمن حمأ الأرض هذا الجبين؟ فأجاب هرميس: دعى طيفه وانظري روحه. فسألت متجاهلة: هل الرجل الروح؟ فأجابت تاييس: انه محيا وعينان! فقالت سافو: ما في الرجال سوى كل أصيد سبط القوام:

ذراعاه تستدرجان الخصور ... وفي شفتيه حديث الغرام فصاح هرميس مسيئا بهن الظن: تنزهت عالمي! أينطق فيك روح بهذا الكلم! لقد سبى السحر أجمل أرواح السماء! فقال صوت السماء: بل البعث آذنهن الغداة، وهي الآدمية طافت بهن، فلا تلحهن ولا تلم. وغضب الحوريات حيلة من ناظم الملحة جعلتهن يظهرن شرفهن أو سموهن الروحاني، وينعين على الفنان غريزته وأثرها في فنه أو انحطاطه الجسدي؛ وهي حيلة أثبتت مهارة الشاعر الفنية، ولا سيما أنه نجح بها أولا في شغلهن بمحاورة وصفت ما أراد. شغلهن حديث الفن

في السماء، وكان الفن يشغلهن في حياتهن الأرضية. وغضبن على الفنان الرجل، لكن ما لبثن أن رضين عنه وتهافتهن عليه في نزعة إلى الحسيات، فلم تضع الصلة بينهن وبين تلك الدلالات الغريزة، وبدا طبعهن في حالي السخط والرضى، وأثرهما واحد في كل البشر وان اختلفت درجاته، فهو لا يضر وحدة الشخصية في ذوات الأسماء الإغريقية، لأنهن في الحقيقة يمثلن النساء لا الملائكة

وعندنا أن الشاعر لم يتخذ من الأساطير مادة شعره، وأن اختار منها أسماء، وانما نحت شعره كله من صميم الحياة الإنسانية بالروح والجسد والغريزة جميعا على ما تبين في صنيعه، فلم يكن عليه أن يتقيد بدلالة تلك الأسماء

وتقرير هذه الحقيقة، بعد ما تقدم ذكره هنا وفي المقالة السابقة، تقرير واجب، إذ ليس يجوز التساهل في فهم المادة التي صدر عنها خيال الشاعر

ما القول أذن في البياناتالنثرية الوجيزة الواردة قبل القصيدة عن أصحاب تلك الأسماء؟

الجواب قريب: فهي في نظرنا بيانات تذكر بأنهم كانوا من أهل الفنون، ليكون كلام أرواحهم في الفن وأهله، والقلب وشأنه، والإنسان وغرائزه وخلاله، أحسن وقعا في النفس. وجمالك أيها القارئ الكريم ألا تخدع نفسك بهذه البيانات. أما الذين يتبحرون في العلم بالأساطير واليونانيات فقد يأخذهم الوجد بها حتى يصبح هجيراهم التشبث بدلالة تلك الأسماءكلما صادفتهم في أدب أيا كان وجهه

والبيانات النثرية الأخرى أيضا تذكر بمضمونها لكي يسهل فهم الإشارة في الملحمة إلى السامري وموسى، ومانا وهاواي، وغير ذلك؛ وذكر آدم وحواء في القصيدة فيه كذلك إشارة ضمينة إلى براءة الروح لبراءتهما قبل الخطيئة في الجنة وهو رمز إلى الرجل والمرأة وخطاياهما في كفاح الأرواح والأشباح البشرية، ولم يذكرا لإيراد قصتهما المعروفة الحبيسة في المعتقدات الدينية

(البقية في العدد القادم)

محمد توحيد السلحدار