مجلة الرسالة/العدد 489/إلى المجمع الملكي للغة العربية

مجلة الرسالة/العدد 489/إلى المجمع الملكي للغة العربية

مجلة الرسالة - العدد 489
إلى المجمع الملكي للغة العربية
ملاحظات: بتاريخ: 16 - 11 - 1942



للأستاذ نجيب شاهين

أمنية ورجاء

تتناقل صحفنا كلمات ليست من كلام العرب، وأعلاماً لأمكنة تخالف في صورتها ما كان معروفاً عندهم وما نقله مؤرخوهم لنا، فإذا دام الحال على هذا المنوال لم تمض السنون حتى يرى الخلف لغة لم يعرفها السلف كما طرأ على لغات أوربا مع فرق. ذلك بأن ما طرأ عليها تجديد، وما يراد إدخاله على لغتنا مسخ وتشويه يذهبان بها بعيداً عن الصورة التي أنزل القرآن بها. وإليكم بعض الأمثلة فراراً من التطويل:

لا زالت

لا زالت لفظة للدعاء ومدرسو مدارسنا لا يفرقون بينها وبين ما زالت فينشأ الطلاب على هذا الخطأ. وهؤلاء الطلاب هم كتاب صحفنا اليوم. ومن الغريب أن الإذاعات العربية في الخارج تقع في هذا الخطأ مؤتمة بمعظم صحفنا وبإذاعتنا

قاصر بدل مقصور

في كتاب قواعد اللغة العربية الذي كان يدرس في المدارس ووقف عليه جهابذة اللغة، لفظة قاصر بدلاً من مقصور. ووقع في هذا الغلط ابن خلدون. ومن غلطاته جمع صناعة على صنائع، وعادة على عوائد دائماً لا يشذ عن هذا. وكلاهما غلط شائع

شؤون

ويكتبونها شئون بالنبرة أو كرسي الياء مع أن ما قبلها مضموم، ولا فرق بينها وبين رؤوس أو رءوس جمع رأس. أنظر كتابتها في لسان العرب مثلاً، فلماذا نكتب شئون ولا نكتب رؤوس. وكنت قد كلمت المرحوم الشيخ الإسكندراني في ذلك فوافقني وكتب شؤون بواوين في مجلة المجمع

جبهة

أي ميدان أو ساحة أو حلبة. وصحافيونا أو صحفيونا بحثوا عن كلمة ? فيما يسمونه القواميس من إنجليزية وفرنسية فوجدوها جبهة، ومعنى جبهة هنا جبين أو مقدم الشيء. وقد استعار القوم الجبهة للميدان فلماذا نتابعهم وعندنا مترادفات كثيرة له

بواسل

كلمة شجعان ما لها؟ ولكن جميع الكتاب والمترجمين يقولون بواسل. وبواسل جمع باسلة أو باسل لغير العاقل ومعناه الأسد. وهي خطأ لباسل العاقل إذ لم يسمع جمع فواعل لفاعل العاقل غير ثلاث كلمات وهي فوارس وهوالك ونواكس. ورأيت في كتب اللغة عواجز جمع عاجز وتوابع جمع تابع أي خادم، ودوارس جمع دارس للعاقل. وفي ذلك تفصيل ليس هذا محله

سمى

لا تجد في أنباء المواليد في معظم الصحف سوى قولهم: (ولد لفلان ولد أسماه لا سماه)، وعند ذكر المصدر يعودون إلى مصدر سمى تسمية لا إلى مصدر أسمى إسماء. وليس في القرآن سوى سمى. نعم إن أسمى صحيحة، ولكنها مرجوحة مهجورة حتى صارت كالمماتة. وفي القرآن أسماء سميتموها

أفاد مكان استفاد

ومثلها أفاد بمعنى استفاد، فلماذا نلجأ إليها مكان استفاد وهي هي الصحيحة والغالبة والمسموعة في لغتنا السماعية. وفي أفاد بمعنى استفاد أقوال. جاء في المصباح: (وقالوا استفاد مالاً استفادة وكرهوا أن يقال أفاد الرجل مالاً أي استفاده، وبعض العرب يقوله) انتهى أي إنه لغة في استفاد ومعنى لغة هنا قليل

وفي الحق أن استعمال أفاد مكان استفاد فيه لبس لا لزوم له إلا إرادة الكاتب للبس وإيهام القارئ.

كبد وتكبد وتكبيد

وكم يقول لنا المترجمون والإذاعة من ورائهم بالطبع كبدنا العدد خسارة، وتكبد خسارة، وتكبيده الخسارة، يريدون حمل وتحمل وتحميل مصدر حمل. فإذا أرادوا تكبد فصحتها كابد. أما تكبد فمعناها نزل في الكبد كقولنا تكبدت الشمس السموات نزلت في كبدها أو كبيداتها

تعريب وترجمة

إنما كانت لفظة تعريب بمعنى ترجمة أكثر الغلطات الحديثة شيوعاً حتى على أقلام أشهر الكتاب، فيقولون لك أنهم عربوا مكان ترجموا، وتعريب مكان ترجمة، وإنما يسمون ترجمتهم تعريباً ظناً منهم - وبعض الظن إثم - أن الترجمة (عرة) خلافاً للخليفة أبي جعفر المنصور الذي انتدب بعض أعلام عهده لترجمة بعض الكتب اليونانية فكان ذلك أعظم ما عمله من أعمال النهضة العربية أو (الرينسانس العربي)

غلطات النسبة

يقولون: الألمان بالرفع والنصب والجر ترجمة عن الفرنسية. ودرجت صحفنا إلا واحدة على ذلك بغير مراعاة لقواعد النسبة، ومع ذلك تراها تقول إيطاليون وإيطاليين لا إيطاليان ولا طليان، وبريطانيون لا بريطان، وأمريكيون لا أمريكان. وسمعت ألفاظ الروس والبلغار أو بلغر والترك والعرب والعجم والديلم ولكنها ألفاظ سماعية لا يقاس عليها

شخصية

وفي الإفرنجية لفظة برسوناج أو برسوندج وهي نسبة إلى الشخص، ويريدون بها شخصاً معروفاً ترجمتها كتب الترجمة التي نسميها قواميس شخصية فتلقف مترجمونا هذه اللفظة وجعلوها بمعنى شخص كبير. فقالوا وحضر الاحتفال كثيرون من الشخصيات البارزة يريدون الأشخاص والشخوص وقديماً قال عمر بن أبي ربيعه:

فكان مجني دون من كنت أتقي ... ثلاث شخوص كاعبان ومُعصر

والصحيح أن يقال وحضر الاحتفال كثير من الشخوص البارزين أو كثير من الكبراء. أما الشخصية فنسبة إلى الشخص تقول فلان ذو شخصية بارزة مثلاً إذا كان لابد من هذا القول والا فقل كثير من أعلام الرجال

الأعلام

أكثرت الصحف هذه الأيام الكلام عن بحر قزوين، وهذا الاسم غير معروف لهذا البحر، بل إن قزوين مدينة في فارس أو إيران بعيدة عن البحر في الداخلية، وسمى الفرنجة البحر كازبيان أو كاسبيان، ونقلته كتب الجغرافية الأولى في العربية قزيين. واسمه العربي بحر الخزر أو طبرستان. وفي الخرائط المدرسية هذان الاسمان، وهكذا ضبطا في خريطة بلاد العرب القديمة التي وضعها المرحوم أمين بك واصف ووقف عليها المرحوم أحمد زكي باشا.

دهلي لا دلها

دلهي الإنجليزية هي دهلي العربية وضبطها ابن بطوطة بكسر الدال. وبقي الإنجليز يحرفون سواكن إلى سواكم حتى عهد قريب ثم عادوا إلى رشدهم. فلتعد صحفنا إلى رشدها في لفظة دهلي وقد كانت من أعاظم مدائنهم هناك في القرون الوسطى.

أفريقية لا أفريقا

هكذا وردت في التواريخ العربية ومنها ابن خلدون لا أفريقيا بالأف ولا أفريقا وزان أمريقا كما تخرج مضخمة من فم مذيعنا الفاضل. ومن شاء أن يكتب أمريكا أو أميركا كاملة، وأما أفرقية فهكذا كتبت منذ قرون. وعند المجمع العربي السوري أن تكتب الأعلام العربية التي على مثالها بالتاء كلها فيقول فرنسة وأنجلطرة وإسبانية وروسية إلى آخر ما هناك.

قبرس

جميع الأعلام اليونانية المعربة تعرب بحرف السين في آخرها لا الصاد مثل: قبرس ورودس وساموس وبطرس وغيرها إلا قبرس وبولس ومرقس فإن بعض الكتاب يحاول كتابتها بالصاد وهذا خطأ، فقد عربت بالسين في الأناجيل وفي التواريخ العربية القديمة ورأيت قبرس مرة بالصاد في ابن خلدون.

الأعلام المعربة بال التعريف

وحبذا لو عني المجمع فوق هذا كله بتوحيد كتابة الأعلام الإفرنجية المؤنثة المعرفة بأل التعريف وهي كثيرة مثل البرازيل والروسيا والبلجيك والمرتينيك والأرجنتين وغيرها مما لم يسمع في العربية القديمة

طبرق وليبيا ومن الأعلام التي يصر مذيعنا على التلفظ بها خطأ طبرق فإنه يلفظها بفتح الطاء وكسر الراء وقد نقلها الفرنجة واللفظ بالضمتين، وضبطها أحمد حسنين باشا طبروق بالواو وضبط معها ليبيا بالياء في كتابه المشهور (في صحراء ليبيا) وفي ترجمة الإنجيل وردت (ليبيه) بالهاء

هذا بعض من كل أعوذ بالمجمع الكريم منه فلعله يدبج لنا رسالة فيه وينشرها لزيادة الفائدة؛ ولاسيما أن هذا العمل من اختصاصه وهو يقطع به قول كل خطيب ويحفظ للغة شخصيتها وينقيها من شوائب دخيل لا حاجة بنا إليه؛ وفيه فوق ذلك تشويه لها يبعدها عن شخصيتها النقية القديمة ويدنيها من شخصيات لغات لا تمت إليها بصلة وتفسد عليها شخصيتها

نجيب شاهين