مجلة الرسالة/العدد 523/الحديث ذو شجون

مجلة الرسالة/العدد 523/الحديث ذو شجون

مجلة الرسالة - العدد 523
الحديث ذو شجون
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 12 - 07 - 1943


للدكتور زكي مبارك

عصارة المتاعب - الإنتاج والاستهلاك في الحياة الأدبية - عتاب!

عصارة المتاعب

من عصارة المتاعب يصاغ إكليل المجد، ومن عصارة المتاعب يرفع ناس من التراب إلى السحاب

كذلك قلت وأنا أدفع وهماً رسخ رسوخ الحقائق، بحيث صار الأمل في زعزعته من أخيب الآمال، وهو الوهم الذي يزعم أن الحياة السعيدة هي خالية من التكاليف، وهذا الوهم يحيط بنا من كل جانب، ويملا حياتنا بالمنغصات، لأنه يفرض علينا أن نفهم أن الراحة هي الغرض المنشود، وأن كلمة التعب تماثل كلمة الشقاء في المدلول

ما هو الفرق بين الرئيس والمرءوس في وهم بعض الناس؟

الفرق هو أن الرئيس يملك من الراحة ما لا يملك المرءوس، فهو لا يسأل عن رعاية المواعيد، ولا يطالب بالسرعة في إنجاز ما لديه من الأعمال (؟!)

وفي الأمثال المصرية كلمات تؤيد هذا المعنى، فالرجل السعيد هو الذي لا يستطيع أحد أن يقول له: (قم من الشمس واقعد في الظل)، وهو الذي لا يسأل عن (ثلث الثلاثة)، كأن المسئولية تكليف يكدر صفو الهناء

ولنفرض أن الراحة هي الغاية، وأن كل رئيس يتمتع بها إلى أقصى حدود التمتع، فما السبب في أن تكون هذه المزية من حق بعض الناس لا كل الناس؟ وما هو السبب في أن يقضي فلان عمره وهو مرءوس وقد أصبح نظراؤه من الرؤساء؟

الجواب حاضر: فكل تقدم يسبق بتزكية من عصارة المتاعب، ومن لم يقدمه جهاده فلن يتقدم، ولو كان أبوه أقدر الرجال على إحياء الأرض الموات!

هل كانت الراحة من أنصبة الملوك، مع أنهم ملوك

وهل ظفر عظيم بالراحة في أي يوم؟

إن الراحة متعة حقيرة لا يرغب فيها غير الحقراء

لقد امتلأت كتب الأدب بأخبار الملاهي التي كانت تقام في قصور الملوك. فهل فكر أحد ف أسباب تلك الملاهي؟ وهل قال قائل إنها ضجيج يراد به ستر المتاعب؟

التعب هو المقياس للقيمة الذاتية، والعمل المتعب هو الذي يرشح صاحبه لجلائل الأعمال، والذي لا يرحب بالتعب ولا يفرح به لن يصل إلى شئ. . . والطمع في الراحة هو طمع الأموات لا الأحياء. . . وهل يثق بك أحد وهو يعرف أن الراحة من التعب هي غايتك، وأن التحرر من التكاليف هو مبتغاك؟

عصارة المتاعب

احفظ هذه اللفظة جيداً، واكتب منها لوحات يزدان بها مكتبك، وانظر إليها في صباحك وفي مسائك، واعلم علم اليقين أنها مسطورة فوق كل قلب من قلوب المجاهدين الفائزين

عصارة المتاعب نقلت خلائق من التراب إلى الحساب، فلا يخطر في وهمك أن إنساناً ارتفع بلا متاعب، ولا تصدق أن المناصب العالية تمنح كما تمنح الصدقات للمعوزين، ولا تتصور أن نظام الوجود يسمح بان يرتفع طائر بلا جناح أو يرتقي رجل بلا جهاد

يقول الكسالى من حولك بان لا نهوض بلا وسيط، وهم يردون كل فوز إلى قوة الوساطات والشفاعات

ولنسلم بان هذا القول صحيح في المطالب الهينة، كأن يكون غرضك أن تكون موظفاً يأكل العيش بأحد الدواوين، فمن الذي يرشحك لأن تقوم بعمل عظيم ولست له بأهل؟ من الذي يوصي بان تكون قوة مسيطرة على زمانك وهو يدرك أنك تعجز عن السيطرة الفكرية أو الروحية في أي ميدان؟

وكيف تصل إلى توصية من رجل عظيم وأنت مجرد من الكفاية الذاتية؟

أقم الدليل أولاً على صلاحيتك للأعمال التي لا يقوم بها غير فحول الرجال، ثم أنتظر نصيبك الحق، فقد تصل إليه بلا وسطاء ولا شفاء

هل جال بخاطرك أن توازن بين رجلين أحدهما في مركز فوق ما يستحق، وثانيهما في مركز دون ما يستحق؟ فأي الرجلين أعظم في نفسك؟ وأي حظ من هذين الحظين تريد لنفسك؟

وهل فكرت يوماً في غضب الله على من يأخذ أجراً بحق؟

أنا أخشى أن يكون رزقك أكبر من جهادك، فيكون في طعامك شئ من الحرام، والطعام لا يسمن إلا إن كان حلالاً في حلال

ثم؟ ثم ماذا؟

هل فكرت في منافع الأعضاء؟

كل عضو يعرض للعطب إن لم يؤد أعماله الأساسية، فالعين تضعف إن صرفت عن النظر، والرجل تثقل إن كفت عن المشي، فما رأيك في عزيمتك وهي جارحة معنوية؟

أنا أعرف أنك تشتهي أن يحمل عنك الناس جميع أعبائك، وأن تركب فرساً ركبة الإعزاز لا ركبة الفروسية، وما أبعد الفرق بين الركبتين!

الراكب الأول مخلوق مدلل تراض له الفرس، والراكب الثاني فارس يروض الفرس، فانظر أين أنت بين هذا وذاك؟

كن رجلاً فعالاً يصنع العجائب في تصريف دنياه، كن رجلاً يفرح بالتعب، فالتعب أعظم رزق من أرزاق الرجال

لم يتقدم فرد على فرد ولا شعب على شعب إلا بفضل عصارة المتاعب، ولا جاز أن يتقدم متخلف أو يتخلف متقدم إلا بسبب تفاوت الجهاد

والأقدار التي سمحت بأن يكون فلان وزيراً في المملكة الفلانية - وكان في صباه بائع جرائد - هذه الأقدار لم تحابيه بأي لون من ألوان المحاباة، وإنما احترمت عصارة المتاعب في الأعوام الشداد فصيرته من الوزراء

ولتعرف جيداً أن لا نهاية لفضل الله على المجاهدين، فعند طيبات تفوق الوصف والإحصاء، وهو لا يتخلى عنك إلا يوم تتخلى عن نفسك بإيثار الراحة من عناء الجهاد

افرح بالتعب، واسأل الله أن يكثر متاعبك في أعمالك لا في أوهامك، فما شقي الناس إلا بالتعب في الأوهام لا الأعمال

افرح بالتعب، قبل أن لا تفرح بالتعب، فما يعاني التعب غير الأقوياء

وتذوق عرق الجبين من التعب قبل أن تعانيه من المرض

وأحذر ثم أحذر أن تمر عليك ساعة وأنت مستريح من هموم الرجال

هل سمعت باسم (الغرازة) في عرف أصحاب البساتين؟

هي عود من الخشب تسند به الشجرة الهيفاء، ومن الهيف في الأشجار، جاء الهيف في النساء

ومزية الغرازة أنها تغني الشجرة عن الجهد في مقاومة الرياح إلى أن تستطيع المقاومة بعد حين؛ وقد لا تستطيع بفضل هذا التدليل

والغرازة للشجرة كالمشاية للطفل، وفي الناس من يعيش طفلاً طول عمره، لأنه لا يعيش بغير سناد

كن أنت أنت، وقف على قدميك، واستفت ضميرك في مصيرك، ولا تجعل لغيرك فضلاً في نقلك من حال إلى أحوال

لا تخف من التوحد. فما يتوحد غير الآساد، واذكر دائماً أن الله جعل أمرك بيدك، وانه فتح لك خزائن الأرض والسماء من هؤلاء: تشرشل وروزفلت وستالين؟

هم ناس أمثالك، ولكنهم اعتمدوا على عزائمهم فجعلهم الله من العظماء

وهل كانت البداية الأولى لهتلر وموسليني تبشر بأن ستكون لهم فاعلية دولية في السلم أو في الحرب؟

وهل كانت البداية الأولى للمسيو بونابارت توحي بأن سيكون الإمبراطور نابليون؟

عصارة المتاعب هي التي صنعت الأعاجيب فحولت الأطفال إلى رجال، وعصارة المتاعب هي التي نقلت هؤلاء من التراب إلى السحاب

اتعب قبل أن لا تتعب، فالتعب أمضى من السيف في اختراق المصاعب والأهوال

الراحة سم زعاف، وهي شؤم على الأعضاء، والشرايين والأعصاب

لا تبتسم للراحة، فلا راحة إلا بالتحرر من المسئولية، وهذا حظ المجانين

إن آذاك نصحي فأنا أوجهه إلى نفسي لا إليك، لأني أحوج منك إلى هذه الكلمات، بعد أن كدت أرتاب في المنهاج الذي اخترته لحياتي

الإنتاج والاستهلاك في الحياة الفكرية

المنتج في عالم الاقتصاد هو الذي يصنع ويورد إلى عملائه هنا وهناك. والمستهلك هو الذي يشتري ما تنتج المصانع من صنوف البضائع. والصلة بين المنتج والمستهلك صلة طبيعية عرفها الناس من قديم الزمان، وإن لم تخل من الشعور بأهمية الفرق بين الإنتاج والاستهلاك في وزن أقدار المتعاملين والمنتج هو أيضاً مستهلك، فمصانع (المحلة) بالديار المصرية، ومصانع (لنكشير) بالديار الإنجليزية، هذه المصانع تنتج الأقمشة، وهي مع ذلك تستهلك الخيوط فتحتاج إلى الأقطان التي تخرجها المزارع المصرية والأمريكية

ومن الواضح أن المنتج أقوى من المستهلك، لأنه المتحكم الأول في الأسواق، ولأن المستهلك يعجز عن مقاومته في أغلب الأحيان

فمد الرأي في الإنتاج والاستهلاك في الحياة الفكرية؟

وما مركزنا الصحيح بين المنتجين والمستهلكين؟

قضينا زمناً ونحن عملاء أمناء للثقافات المجلوبة من بلاد غير البلاد، فمتى ننتج بأكثر مما نستهلك؟ ومتى نحاول غزو الأسواق الأجنبية بالفكر والبيان؟

قد يقال إن الفكر المصري منتج بالنسبة لكثير من أمم الشرق العربي والإسلامي

وأقول إن هذا ميدان غير جديد، فالعرب والمسلمون اخوة لنا بالشرق، وما بيننا وبينهم من الجاذبية الروحية قد يوجب أن يرضوا منا بالقليل، وإن لم ندخر جهداً في أن نلقاهم بأقوى مما يلقاهم به أقطاب الفكر من أهل الغرب

والحق أن الأديب المصري غاية في الحرص على التسلح بالجدية في الحياة الأدبية، وقد يكون جهاده في الأدب أقوى من جهاد نظرائه في الأمم الأوربية والأمريكية، بدليل ما نشاهد من سيطرته الروحية في الشرق، مع أنه لا يعتمد على أي سناد، ومع أن الأدب في مصر لم يصبح أداة من أدوات المجد، في حدود ما يستحق من التبجيل

فماذا نصنع لنكون منتجين لا مستهلكين بالنسبة لأهل الغرب؟

ماذا نصنع؟

هل نترجم لهم ما يصدر أدباء مصر من الروائع؟

هل نستجديهم الثناء على ما عندنا من الآداب والفنون؟

لا هذا ولا ذاك، وإنما الرأي أن نعتز بالذاتية العربية، وأن نحاول خلق جبهة أدبية من قراء العرب، وهم يزيدون على الثمانين من الملايين

إن صنعنا - وسنصنع - فسيلتفت الغرب إلى الشرق، وسيكون لنا في حياة الفكر والرأي تاريخ جديد ما هذه الغطرسة التي يتمتع بها بعض أدباء الغرب؟

وما هذه الهالة التي يحيطهم بها بعض المترجمين؟

أنا أنتظر مساجلة دولية يشترك بها أدباء مصر مع أدباء الفرنسيس والإنجليز والأمريكان والألمان

أنا أنتظر هذه المساجلة في أقرب وقت، ليعرف العالم القديم والجديد مكانة مصر في فردوس الأحلام والعقول

مصر تجد، وأدباؤها يجدون، وهي تؤمن بأن مكانها في الفكر أعظم مكان، فإن كنتم في ريب من عظمتها الفكرية فتعالوا إلى السباق في ميدان الرأي والبيان

عند أوربا وأمريكا مدافع وطيارات وأساطيل، وتلك قوى أنعم الله بها على الأوربيين والأمريكان، والله يخص بالقوة من يشاء

ولكن مصر السلمية لا الحربية تقول إن مكانها في الأدب لا يدانيه مكان، وأنها مستعدة لأعظم سباق في ميادين الروح والوجدان

في مصر اليوم عشرون أديباً من العظماء، على أقل تقدير، فأين الأمة التي تقول إنها تملك من عظماء الأدب عشرين؟

مصر اليوم هي الفكر والرأي، وهي صلة الوصل بين الشرق والغرب، وإليها المرجع في الفصل بين الحقائق والأباطيل

أنا أنتظر مساجلة دولية تقول فيها مصر إنها مصر، ويقول فيها النيل إنه النيل

فتعالوا يا هؤلاء، إلى كلمة سواء!

عتاب!

هو عتاب الطبيب الذي يذكر عند المرضى وينسى عند العافية

هو عتاب الصديق الذي يذكر في البأساء وينسى في النعماء

هو عتاب النهر الذي يشتاق الأرض في الصيف وتنساه في الخريف

هو عتاب من لم يبق له منكم غير العتاب!

وكيف اعتب على من يستغني عن نور القمر بشعاع السراج جربوا حياة العقوق، جربوها، بعد أن جربتم حياة الوفاء لتعرفوا ما طعم الشهد وما طعم الصاب! إن كان غركم الصفح فلا صفح، إن كان غركم الدمع فلا دمع، فقد صيغ قلبي من ضمائر الجبال

تلك أيام خلت، وأنا أضن عليها بأن تضاف إلى التواريخ، ولن أعترف بأنكم أسرتم روحي لحظة من زمان

فإن راعكم وفائي لدار الهوى بالمرور عليها في الغدو والرواح، فلا تعجبوا ولا تظنوا أني أستهديكم تحية يجاد بها على عابر الطريق، وإنما هي لفتة أريد بها أن تفهم الحجارة أني لم أكن في هواي من العابثين

إن دار الهوى لن تعرفكم بعد اليوم، ولن تراكم إلا أبدانا بلا أرواح، ولن تجود عليكم بالسعادة والصفاء، يا جيرة آدهم حفظ الجميل

سيصنع الدهر ما يصنع، وسيفعل الغدو ما يشاء، وستفترون علي بقدر ما عندكم من كيد وجحود، ثم يبقى وفائي لكم ولدار الهوى، يا جيرة أطغاهم الجمال فتاهوا في صحراوات الدلال

لن تضيعوا من يدي ولو فررتم إلى آفاق المريخ، فارجعوا طائعين قبل أن ترجعوا كارهين، فسرعة الظبي في الجري تنبهر حين يلمح وجه الأسد الصوال

زكي مبارك