مجلة الرسالة/العدد 523/القلب الشاعر

مجلة الرسالة/العدد 523/القلب الشاعر

مجلة الرسالة - العدد 523
القلب الشاعر
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 12 - 07 - 1943


للأستاذ دريني خشبة

جميع هذا العالم الأثيري الذي لا نهاية له، بكل ما يطن فيه من سدم وأنجم وأفلاك، وكل ما يروح في كواكبه ويجئ من خلائق وكل ما يسبح في أجوائه من ملائك، ويصدح ملئها من طير. . . كل ذاك، كل ذاك قطرة من بحرك الزاخر أيها القلب الشاعر!

أنت أكرم خلق الله على الله. . . لأنك تتسع لكل ما لا يتسع له غيرك مما صنعت يداه

تتسع لما تضيق به العقول الضالة التي تتعالى فتنكره، لأنها تحصي عليه كل ما عمى عليها فتجعله في منطقها تضارباً. . . وما دام هنالك تضارب فثمة جحود ونكران

تتسع لهذا كله لأنك لا تعرف الحدود، وهي مقيدة بالحدود. . . أنت حر طليق، وهي ذليلة مستعبدة ترسف في الأصفاد والقيود. . .

أنت أكرم خلق الله على الله، لأنك تلجم هذه العقول دائماً حينما تطلق عليها عواطفك فتلسعها كما يلسع النحل، ثم تسائلها ساخرة: ما الحياة وما الجمال وما الحب؟! وما وراءك أيتها العقول؟ منذ الذي يمسكك فلا تكوني هراء وجنوناً؟

منذ الذي يمسك الأرض والسموات أن تزولا؟ وما سر هذا الجمال الذي يبهرك ويورث منطقك البكم، والذي يملأ الأرض والسموات؟ ما سر هذه الألوان التي تذهب الشفق، وتفضض السحب، وتموه صفحة اليم، وأديم السماء بأصباغ البنفسج، وتزخرف بالدمام ثغور الزهر، وتغازل بالسحر خدود العذارى، وتملأ بالفتنة عيون الحسان، وتنضد بالجسمان ثنايا الغيد، وتطبع بخاتم الحسن ثدي الكواعب؟!

ما سر هذه الألوان يا عقول؟

وما سر الجاذبية التي تربط الدنا بالدنا، والعوالم بالعوالم؟! الجاذبية التي هي سر الحياة وبقاؤها، واستمرار الوجود وقيامه؟! الجاذبية التي تشد بين العيون والعيون، وتعاطف بين القلوب والقلوب، وتربط الأرواح بالأرواح؟!

ما سر تلك الجاذبية التي تسيطر على سكان المدينة وسكان الخميلة وما تعج به الغابة، وما يأوي إلى الكهف، وما يخفق بجناحيه في الهواء، وما يتخذ سبيله سرباً تحت الماء؟

وإلى أن تجيبي فاعزبي، ودعي القلب الشاعر يغني! أي القلوب يحب كما تحب يا مستودع الشعر، وأيها يرحم كما ترحم، وأيها يضطرب كالعاصفة كما تضطرب حين يحز بك أمر، أو حين تتحرق أسى على الإنسانية الضالة؟

أي القلوب يفيض بالخير والنبل كما تفيض، وأيها يبتسم لما يصيب الناس من سعة كما تبتسم، وأيها يعبس وينقبض لما يؤودهم من شدة كما تعبس وتنقبض؟

إنك تود حينئذ لو استطعت فسحرت لهم الجبال ذهباً، والتراب فضة. . . أو سخرت لهم الريح فأمطرتهم دنانير ودراهم، أو أمرت البحر فحار ماؤه لبناً وعسلاً مصفى!

إلا أنك تعجز أيها القلب النبيل. . . يا أكرم المخلوقات. فيذهب بك صاحبك ليجلس فوق ربوة، أو في منعزل من الناس، لتخفق له، وتغني له؛ وتنظم له ألحانك كي يهديها بعد إلى الناس. إلى الجائعين الظامئين الذين أضرت بهم المسغبة وأذاب أبدانهم الطوى، وأضرت بهم تلك الريح العاصفة التي تلفح الإنسانية الضاوية وتتلقفها بالموت في كل مكان

بيد أنك تعود أدراجك لتبكي يا أكرم المخلوقات، لأن ألحانك لا تخفف من ألم الجوع، ولا تروي من حر الظمأ، ولا تستطيع أن تنسج نفسها ثوباً يرد عادية البرد، أو يصد لفح الشمس؛ ولا تستطيع الأم الفقيرة المعذبة أن تشتري بمعظم قصائدك قدحاً من اللبن لطفلتها الباكية التي يصهر الجوع أمعاءها؛ ولا أن تبتاع بالباقي أرغفة من نخالة هذا العصر الأسود تملأ بها معدات أطفالها الآخرين

طالما يضحك العلماء من أحلامك، والأغنياء من فقرك، وطالما يستهزئ الخبراء في الأرقام بعواطفك التي لا عدد لها، لأنها عداد كل شئ. . .

غير أنك تضحك منهم جميعاً، وتستهزئ بهم جميعاً؛ لأنك تعرف أنهم يعيشون اليوم ثم يموتون غداً، فلا يذكرهم أحد. . . فهم ينتهون كما انتهى ألف مرة الطعام الذي طعموا، والشراب الذي شربوا، والملابس الزاهية التي طالما تاهوا بها ودلوا. . . وكما انتهت الأرقام الضخام التي طالما زحموا بها السجلات

أما أنت فتعيش اليوم، وتعيش غداً، ولسوف تعيش إلى الأبد. تعيش اليوم في أفئدة المعجبين بك، أولئك الذين تواسيهم دائماً بأناشيدك، وترأب جرحهم بأغاريدك، وجفف دموعهم بألحانك، وتبدل جحيم الحياة من حولهم جنات تجري تحتها أنهار - حنانك، وتتفجر فيها أمواه عطفك، وتصدح في أفنانها بلابل شدوك، ويحمل إليهم نسيمها عذب غنائك فترد إليهم السعادة، وتحيي في نفوسهم الرجاء، وتنعش في قلوبهم خامد الأمل، وتصلهم بعد القنوط بحبل من الله، فتستنير بصائرهم، وتهدأ أعصابهم، وتفيق أرواحهم الخافتة من سكرات الجوع والظمأ والعرى بذكر الله. . .

وأنت تعيش غداً بمثل هذا، ولسوف تعيش إلى الأبد بمثل هذا. ستعيش في قلوب القافلة التي يجد بها السير. القافلة التي ركبها المئون، فيتصل به المئون والمئون حتى يجئ أمر الله. . . ستعيش كما يعيش الصديقون والشهداء وقادة الإنسانية. قادتها إلى الطوبى التي طالما غازلت خيالك، وعمرت أحلامك، ورفت كما ترف الجنة تحت شباة قلمك وفي صميم سويدائك

ألا ما أسفه الذين ضحكوا منك، واستهزءوا بك عند ذاك!

لقد فرغت الدنيا منهم، بقدر ما امتلأت بك، وهبطوا إلى التراب وسموت إلى عليين!

يمشي صاحبك أيها القلب الشاعر كما يمشي الناس في الحدائق والطرقات، ويقف كما يقفون عند شاطئ النهر، وحفافي الغدير، ويرى كما يرون بعينين، ويتكلم بلسان وشفتين، ويسمع بأذنين، وله يد كما لهم أيد تمتد إلى طعام والى شراب والى. . . كتاب

إلا أن صاحبك حينما يمشي في الحديقة يكلم الورد، ويكلمه الورد بلغة قد لا يعرفها الناس وقد لا يسيغونها؛ لأنها لغة صامتة تتفاهم بها الأرواح التي من قبيل روح الوردة وروح الشاعر. . .

ثم هو يكلم كل ما هو في الحديقة، ويفهم عنه ما لا يفهم الناس

إن الحديقة أغنيته الكبرى الخالدة، التي يتنفس فيها كل شئ، ليجاوب نبضاتك، ويرقص على خفقاتك، وليتحد بك

فإذا مشى صاحبك في الطرقات، وثبت إلى عينيه أيها القلب، يا أكرم المخلوقات، وكما تثب إلى مسمعيه، كي تنطبع على شغافك آلام القافلة المتعبة، وتستقر في جوانبك أدعيتها، فتطب لها بما ترقرق من غناء وحداء

أما إذا وقفت عند شاطئ النهر أو حفافي الغدير، فإنك تسبح لله وتثني عليه، فتقبل قطرات الماء لتصلي معك، وتنشد إنشادك، وتتمنى لو تقبل قدميك، أو تقبل فمك، لتمتزج بروحك العلوية التي هي بضعة من الروح الأكبر، وقبس من نور الخلود، ونفس من أنفاس الرحمن. . .

وإنما تتمنى قطرات الماء أن تصنع ذلك لأنها تحس كأنما تنبع من أعماقك، وتنسكب من نفسك، كما نبعت من السحاب الذي باركته يد الله. . . وانسكبت من القمة الشامخة التي يداعبها البرد ويغسلها الثلج. . .

ألست المرآة الصافية التي تجلو جمال هذا الكون للناس، والعندليب المجلجل الذي يفتح آذانهم على ألوان من مباهجه لم يكونوا يفقهونها لولاك؟!

ألست الناي الخالد الذي يسكب في أسماع الزمان ألحانه فينشط الركب، وتتجدد عزمات القافلة، وتغني السنون، وترقص الأيام!

ألست الطبيب النطاسي الذي يأسو جراحات الحزانى، ويعالج لواعج المحبين. . .

وقد تظمأ مع ذاك يا أكرم خلق الله، فإن اشتد بك حر الظمأ فاشرب ما شئت من سلافة العيون. . . العيون الخضر الرمادية، والعيون الزرق اللازوردية، والعسلية الصافية التي فيها من مغناطيس الكهرمان. . . واشرب ما شئت من العيون السود التي فيها ذاك المزيج العجيب من الدعج والحور والوطف ما تسكر به وتسحر وتأمر. . . العيون الجميلة النجل التي تغمزك في هوادة ورقة ورفق مرة، وفي عنف وقسوة مرات. . . وهي في الحالتين أمواه حياتك، وحدائق أحلامك، ومشارق خيالك، ومهابط وحيك، ومراتع فتونك، وملاعب هواك

العيون الموسيقية التي لا يتسع غيرها لملكوتك الرحب الذي لا يعرف الحدود!

إشرب منها ما شئت، ثم تصدق بما تنبته تلك المدامة في جناتك ذوات الجنا من موسيقى وألحان. . .

تصدق بهما على المدنفين والمكلومين والمحرومين

تصدق بألحانك على العيون المشهدة، والجوانح المشبوبة، والحدق الباكية، والأنفاس المحترقة، والفم الظامئ، والمهجة الغرثى، والروح الصادية. . . على كل حمامة تنتظر، وعلى كل ظبي غاب عنه أليفه. . . فألحانك غذاء هذه الأرواح جميعاً، وهي عصارة العيون التي شربت، والخدود التي رعيت، والأنفاس الطاهرة التي اختلطت بأنفاسك، وشاعت حمياها في أعطافك أيها القلب الشاعر! يا أكرم المخلوقات وأنبلها! لن أفرغ اليوم منك، لن أفرغ منك غداً ولا بعد غد، فإلى صلاة قريبة، وإلى لقاء قريب!

دريني خشبة