مجلة الرسالة/العدد 523/من أدب التراجم

مجلة الرسالة/العدد 523/من أدب التراجم

مجلة الرسالة - العدد 523
من أدب التراجم
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 12 - 07 - 1943


الخليل بن أحمد

للأستاذ طه الراوي

إذا افتخرت الأمم بالأفذاذ من رجالها الذين رفعوا مشعل العلم عالياً فأناروا للعقول مناهجها، وضاعفوا لذاتها ومباهجها؛ حق للعرب أن يكونوا المجلين في هذه الحلبة؛ ولهم من تأريخ المعارف الإنسانية شواهد خوالد تسطع أنوارها وتتجدد على الزمن آثارها. فتأريخ النتاج العقلي يفيض بما للعقل العربي من خصب في الإنتاج، وبراعة في الاختراع، ودقة في الإبداع، وسعة في التحقيق، وإنعام في التدقيق مع صدق في القول وأمانة متناهية في النقل

ومن بين أولئك الأفذاذ الذين أقاموا للعلم مناره ورفعوا لواءه في سماء الرافدين الخليل بن أحمد البصري. وقد رأيت أن أترجم له بمقال مسهب أرسل به إلى مجلة الرسالة الغراء؛ وبعد أن تم المقال رأيت من الأصلح اختصاره رغبة في دفع الملل عن القارئ لأني أعلم أن الكثير من قراء المجلات في هذه الأيام العصيبة يرغبون عن المطولات ويملون المسهبات

نسب الخليل

من أشهر قبائل اليمن قبيلة الأزد التي منها غسان، والأوس والخزرج اللتان عرفتا بعد الإسلام بالأنصار؛ ومن بطون هذه القبيلة الفراهيد، وكان الكثير من أفخاذها يقطن عمان والبصرة. وقد أنجبت عدداً كبيراً من المشاهير كان في الطليعة منهم المترجم وهو: أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد بن عمر بن تميم البصري الفراهيدي اليحمدي، وبعضهم يقول الفراهيدي، قال الأصمعي: سألت الخليل بن أحمد ممن هو؟ فقال: من أدعمان من فراهيد. قلت: وما فراهيد؟ قال: جرو الأسد بلغة عمان. أهـ

مولده ونشأته

ولد الخليل في البصرة حوالي سنة 100هـ ونشأ بها، وترعرع فيها وهي يومئذ مهد العربية ومطلع أقمارها، فياض بالمعارف ولا سيما الأدبية منها، فشب بين مربدها الذي أصبح عكاظ العرب بعد الإسلام، وحلقات أدبائها الذين كانوا مصابيح الدجى ونجوم الهدى، فاقتطف من أزاهير المعارف ما شاء أن يقتطف، واجتنى من يانع ثمارها ما راق منظره وطاب مخبره، وبرز على أقرانه أيما تبريز. ومن أشهر مشايخه في الأدب أبو عمرو بن العلاء. ولما آنس من نفسه الكفاية رأى أن أخذ العربية عن الحضريين من العلماء والمترددين إلى الحواضر من الأعراب الذين لانت سلائقهم وضعفت طباعهم لا يوصل إلى اليقين ولا يهدى إلى مهيع الصواب، وعلم أن التبحر في هذا الشأن لا يتيسر إلا بمشافهة الأعراب الخلص الذين توقحت سلائقهم، وصفت عربيتهم، ومعايشتهم في ديارهم، فشد الرحال، وضرب في كبد الجزيرة، وطفق يفلي ناصية الفلاة ويتنقل في الأحياء التي حلت في سرة البادية ولم يكدر صفاء لغتها مخالطة حمراء الأمم وصفرائها كقيس وتميم وأسد وغيرهم ممن خلصت عربيتهم، فكان يلتقط ما يعثر عليه من درر كلامهم وفرائد خطبهم ونوادر أخبارهم وعيون أشعارهم وجليل آثارهم، فما عاد إلى وكره حتى وعى في حافظته أدباً وعلماً جماً، كما أوقر راحلته رقاقاً وطروساً ومهارق حشد فيها شوارد النثر وفرائد النظم فكانت تلك المنقولات عدته في استخراج المسائل وبناء القواعد، وتبويب اللغة، وتصحيح القياس والإكثار من الشواهد والتوسع في إبداء البراهين.

عقله

كان الخليل آية من الآيات في الذكاء ودقة التصور، وتوقد الفطنة، وصدق الحدس، وسعة الحافظة، وقوة الذاكرة، ورجاحة العقل، حتى كانوا يقولون: (لا يجوز على الصراط أحد بعد الأنبياء أدق ذهناً من الخليل) ولا حاجة بنا إلى برهان أنصع من هذه المبتكرات التي أخرجها للناس كما سيمر بك بعد. وقد نقل أهل العالم عنه حكايات من هذا الشأن تتجاوز حد التصديق لولا ثقة رواتها وتكاثر نقلتها. من ذلك أنه جاءته رسالة عربية مكتوبة بالحرف السرياني فقرأها وهو لا يعرف شيئاً عن الحرف السرياني ولكنه استعان بما عرف أنها تصدر عادة بالبسملة والحمدلة ونحوهما

قال الرواة: اجتمع الخليل وعبد الله بن القفع ليلة يتحدثان إلى الغداة فلما تفرقا قيل للخليل: كيف رأيت ابن المقفع؟ فقال: رأيت رجلاً علمه أكثر من عقله. وقيل لابن المقفع: كيف رأيت الخليل؟ فقال: رأيت رجلاً عقلة أكثر من علمه

وقال حمزة بن الحسن الأصفهاني: (إن دولة الإسلام لم تخرج أبدع للعلوم التي لم يكن لها عند علماء العرب أصول من الخليل. ليس على ذلك برهان أوضح من علم العروض الذي لا عن حكيم أخذ، ولا على مثال تقدمه احتذاء. فلو كانت أيامه قديمة، ورسومه بعيدة لشك فيه بعض الأمم لصنعته ما لم يصنعه أحد منذ خلق الله الدنيا من اختراعه العلم الذي قدمت ذكره، ومن تأسيس بناء كتاب العين الذي يحصر لغة أمة من الأمم قاطبة، ثم من إمداده سيبويه من علم النحو بما صنف منه كتابه الذي هو زينة لدولة الإسلام. م

مبتكراته

لقد أبدع الخليل بدائع لم يسبق إليها، واخترع علوماً أعجزت المتقدمين كما بهرت المتأخرين، فلا عجب إذا سميناه (شيخ المبتكرين من العرب)

(علم العروض): لو لم يكن للخليل من المبدعات إلا هذا العلم لكفاه منقبة، فإنه - لعمري - أبدع في تنسيق قواعده، وضبط أبوابه، كما بهر الألباب باختراعه. فقد حصر أقسامه في خمس دوائر يستخرج منها خمسة عشر بحراً على كيفية أدهشت الفطن، وحيرت الأفئدة. ونحن نعلم أن كل مبتكر يعتريه في بادئ الأمر الاضطراب، ويحف بالنواقص، فلا تستقيم قناته ويلبس الحلة التي تليق به إلا بعد أن تختلف العقول على صقله وتثقيف أوده حيناً من الدهر؛ سنة الله في خلقه. ولكنا رأينا علم الخليل بلغ الرشد يوم ولادته، فلم يستدرك عليه من جاء بعده باباً أهمله، أو قاعدة أخل بها، أو فصلاً ذهل عنه، أو اصطلاحاً غيره خير منه - إلا ما كان من أمر البحر الذي زاده تلميذه الأخفش وسماه (الخبب)، ولا يعسر رد هذا البحر إلى واحد من بحور الخليل

(الشكل): كان الخط في صدر الإسلام خلواً من الشكل والإعجام؛ فوضع أبو الأسود الدؤلي المتوفى سنة 69هـ علامات للحركات الثلاث، فجعل علامة الفتحة نقطة فوق الحرف، والكسرة تحته، والضمة بين يديه، وجعل التنوين نقطتين، كل ذلك بمداد يخالف مداد الحرف. فلما وضع نصر بن عاصم ويحيى بن يعمر بأمر من الحجاج نقط الإعجام اضطرب الأمر واشتبه الإعجام بالشكل فتصدى الخليل لإزالة هذا اللبس فوضع الشكل على الطريقة المعروفة اليوم، وبنى ذلك على مقاييس مضبوطة وعلل دقيقة بأن جعل للفتحة ألفاً صغيرة مضطجعة فوق الحرف، وللكسرة رأس ياء صغيرة تحته، وللضمة واواً صغيرة فوقه؛ فإذا كان الحرف المحرك منوناً كرر الحرف الصغير فكتب مرتين فوق الحرف أو تحته. ذلك لأن الفتحة جزء من الألف، والكسرة جزء من الياء، والضمة جزء من الواو؛ ووضع للتشديد رأس شين بغير نقط (ّ)، ووضع للسكون دائرة صغيرة وهي الصفر من الأرقام العربية القديمة؛ وذلك لأن الحرف الساكن خلو من الحركة، ووضع للهمزة رأس عين (ء) لقرب الهمزة من العين في المخرج. هكذا قالوا. والذي أراه أن هذه الشكلة إنما هي الميم المتوسطة في لفظ (همزة) لأنك إذا كتبت هذا اللفظ وحذفت الهاء من أوله والزاي والتاء من آخره ظهرت هذه الشكلة واضحة. ووضع لألف الوصل رأس صاد هكذا (ص)، توضع فوق ألف الوصل مهما كانت الحركة فيها؛ وللمد الواجب ميماً صغيرة مع جزء من الدال هكذا () فكان مجموع ما تم له وضعه ثماني علامات: الفتحة والكسرة والضمة والسكون والشدة والهمزة والصلة والمدة، كلها حروف صغيرة أو أبعاض حروف بينها وبين ما دلت عليه أجلى مناسبة وأوضح صلة، بخلاف علامات أبي الأسود وأتباعه فإنها مجرد اصطلاح لم يبين على مناسبة بين الدال والمدلول. وألف الخليل في هذا الموضوع كتاباً نفيساً فلم يزد أحد على طريقته هذه شيئاً ولا أصلح منها رأياً فكأنه ابتدأها وبه ختمت

(الموسيقى) لم يكن الخليل يعرف لغة أجنبية وليس فيه ميل إلى اللهو والقصف ولكنا رأيناه ألف كتاباً في الموسيقى جمع فيه أصناف النغم وحصر أنواع اللحون، وحدد ذلك كله ولخص وذكر مبالغ أقسامه ونهايات أعداده فصار الكتاب آية في بابه. ولما وضع اسحق بن إبراهيم الموصلي كتابه في النغم واللحون عرضه على إبراهيم بن المهدي فقال له: أحسنت!. . . فقال اسحق: بل أحسن الخليل لأنه جعل السبيل إلى الإحسان. فقال بعض أهل العلم: إن مهارة الخليل في علم الألحان هي التي أعانته على إبداع علم العروض.

(البقية في العدد القادم)

طه الراوي